ليست القضية مرة أخرى محاكمة لرأس المال العربي الذي يفر من اوطانه ليبيض ذهباً وخيراً في أحضان مراكز المال والثروات والصناعات المتقدمة في الغرب.

مات سليمان العليان في نيويورك ذلك الرجل العصامي الذي بدأ حياته بمئة دولار في الشهر وبنى ثروة فاقت السبعة مليارات دولار.. مات سليمان كما يموت وسيموت (سليمانيون) كثر.. فأهل بلدي الطيبون يحبون هذا الاسم كثيراً وربما يتفاءلون به، حتى اني لأخال مدينة مثل بريدة أو عنيزة أو مدن القصيم الأخرى يحمل نصف سكانها هذا الاسم.. ويورِّثونه لمن خلفهم.

الحالمون بخاتم سليمان ربما كان عليهم قراءة سيرة رجل مثل سليمان العليان.. ليكتشفوا أن خاتم سليمان كان يكمن حتماً في عقل سليمان والظروف - التي ليس لأحد علاقة في صناعتها سوى خالقها - التي شكلت مزيجاً فريداً انتشل من وهدة الفقر أو من ظروف الكفاية أسماء اصبحت اليوم مثار حديث أو جدل لا ينقطع عن سيرة نجاح أو قل لمحة صعود لم تعرف التوقف حتى النفس الأخير.

كنت اتمنى قراءة (من عنيزة إلى وول ستريت) لكني عرفت فيما بعد أنه لم يكتب لقراء العربية.. ابتداءً.. ولست ادري إن بقيت سيرة نجاح (من عنيزة إلى وول ستريت) بنصها الانجليزي دون أن تبصرها حروف العربية حتى اليوم. لكن كتاب (التجار) لمايكل فيلد الذي تناول بعض ملامح الحياة التجارية لبعض من أكبر رجال الأعمال في الخليج حتى مطلع الثمانينيات كثف بعض ملامح قصة سليمان العليان مع المقاولات والثروة ودنيا المال والأعمال.

لم يكن كتاب مايكل فيلد عن بعض تجار الخليج سوى قراءة في قصة نجاح - ربما كانت مدفوعة الثمن - برع مايكل فيلد في تصويرها على نحو يستحضر شهوداً كثيرين على تفوق حققه أولئك التجار ورجال الأعمال بفضل مقدرتهم الشخصية أولاً.. إلى جانب خلفية لم يشر إليها مايكل فيلد ولا سواه.. إنه ما كان لأولئك التجار أن يحققوا ما حققوه لولا أن الظروف الاستثنائية التي جعلت استثمار تلك المواهب ممكناً.. وتلك هي قصة النجاح في كل مكان وزمان.. إمكانات فردية عالية ومتميزة وقادرة على استشفاف طريق النجاح أو استغلاله مع قدر من روح المغامرة المحسوبة.. وظروف اقتصادية وسياسية واجتماعية تيسر حركة تلك القوى الفردية لبلوغ نجاحات تلد غالباً نجاحات أخرى.

الفصل الذي تناول سليمان العليان في كتاب (التُجار).. لم يكن سوى إشارات عابرة على طريق النجاح الذي حققه العليان بدءاً من عمله الأول في شركة أرامكو التي اخذت تتبنى مجموعات من موظفيها المقتدرين لتخدم استراتيجيتها آنذاك في تدشين عدد منهم ضمن متطلبات أعمال المقاولات والتشييد والخدمات المساندة.. وهي رؤية خدمت الشركة كما خدمت طموحات أولئك الأفراد الذين تبدى استعدادهم الشخصي لتحمل أعباء تلك المسؤوليات.. وانجاز الأعمال الموكلة اليهم على نحو خدم أهداف الشركة على نحو أفضل.. وهي أهداف تتجاوز انجاز أعمال مؤقتة إلى بناء طبقة رأسمالية تخدم أهداف الشركة بعيدة المدى.

لم تكن مدن الشرقية الجديدة آنذاك ولا المدن الصغيرة الطارئة التي انتشرت على طول خط التابلاين.. ولم تكن الحياة الجديدة التي بدأت تصبغ المنطقة الشرقية وما جاورها منذ الخميسنات الميلادية هي هبة النفط الوحيدة.. انهم أيضاً أولئك الرجال الذين حققوا الكثير من طموحاتهم.. واصبحوا أعلاماً في دنيا المال والأعمال في الداخل والخارج.. إن نجاحاتهم أيضاً هي هبة من هبات النفط الذي تدفق على غير موعد ليحيل وجه الأرض هنا.. كما يحيل وجه الإنسان إلى لون آخر لم تغادره سمرة الأرض ولا ملامحها حتماً.. ولكنه صار بإمكانه هو أن يغادر تلك الأرض إلى اصقاع بعيدة ليستثمر امواله عبر القارات وعلى ضفاف الاطلسي وفي جزر معزولة وغير معزولة اصبحت مراكز مالية ومصارف عالمية تهرب اليها الأموال وتؤسس فيها الشركات وتنمو على ضفافها الثروات.

يرى مايكل فيلد أن نجاح سليمان العليان يعود إلى حد كبير إلى شخصيته التي جمعت إلى جانب مظهره البسيط دقته في تفادي المصروفات الثابتة وغير الضرورية وموهبته الكبيرة في اكتشاف فرص الاستثمار واستغلالها.

تلك الملامح الشخصية وغيرها كثير هي التي يعبر عنها كتاب مايكل فيلد عن بعض تجار الخليج الكبار بالإضافة إلى كثير من الأرقام التي تعبر عن حجم تلك الثروات التي من المؤكد انها تطورت كثيراً منذ صدور ذلك الكتاب حتى اليوم.. فالاستثمارات الخارجية التي يقدرها مايكل فيلد بمئات الملايين من الدولارات بلغت اليوم بضعة مليارات منها. إن الذي يعنينا اليوم هو ما يمكن أن يبقى من هؤلاء الاثرياء الكبار بعد رحيلهم.. تجارب النجاح تلك لا يمكن استعادتها على أهمية قراءتها واكتشاف دروسها.. فشركة الزيت العربية الأمريكية لا يمكن لهذا الجيل استعادة رائحة النفط الأولى من بين اضباراتها.. إنه فقط يقرأ تاريخها.. لقد تغيرت كل ملامح قصة النفط لتصبح اليوم أكثر تعقيداً.. وأقل توهجاً.. وأكثر مشقة لاكتشاف قصص نجاحات أخرى جديدة.

إذا كان المحرض على كتابة مقال كهذا هو تأمل قصة نجاح تلد أخرى.. لثري عربي كبير بحجم سليمان العليان.. فإن الغاية ليست حتماً تأبيناً أو رثاء.. انها سؤال مشروع عن ماذا يبقى بعد رحيل أولئك الاثرياء الكبار.. الذين بالتأكيد ليس سليمان العليان سوى واحد منهم بل ربما كان عصامياً وذكياً ومثابراً أكثر من كثيرين ممن يعدون في قائمة اثرياء اليوم وبليونيرييه. وإذا كانت تجارب هؤلاء غير قابلة للاستعادة فلن يبقى حتماً منهم في مجتمعاتهم الأصل سوى ما استطاعوا أن يفعلوه من أجل حياة أفضل لهذه المجتمعات بعد أن نشطوا طويلاً من أجل مستقبل افضل لهم ولابنائهم.

ليست المسألة أن نحاكم ما فعله هؤلاء الاثرياء الكبارمن اجل وطنهم ومجتمعاتهم.. التي خرجوا منها أول مرة.. وليست لدينا كشوفات حساب بما قدموه وكثير منهم ربما لا يعلنون عما يفعلون من اجل بلادهم ومن اجل مواطنيهم.. إنما الشاهد الكبير على تواضع انجازات الكثيرين منهم على صعيد الوطن ضآلة الفائدة المتحققة التي تغيب عن مشروعات مؤسسية كان يمكن أن تكون علامات بارزة في اوساط اجتماعية هي بأمس الحاجة لخدمات إنسانية كفيلة بتحسين شروط الحياة وتخفيف معاناة الكثيرين الذين لم تسعفهم اقدارهم أو ظروفهم الخاصة في تلمس طريق افضل للحياة.

إن الثروات الطائلة التي تبلغ المليارات من الدولارات لكثير من الاثرياء السعوديين الذين يستثمرون جل اموالهم في الخارج.. والتي يقال انها تصل بضعة مئات من المليارات من الدولارات الأمريكية كفيل جزء أقل من اليسير من فوائدها لنقل مفهوم العمل الخيري من حدود التبرعات المقطوعة والقليلة والزهيدة.. التي قد تتكفل ببناء مدرسة هنا أو هناك أو تبرع لجمعية خيرية هنا أو هناك.. إلى حدود مشروعات إنسانية كبيرة تعمل بطريقة الاستثمار الوقفي من أجل عمل خيري لا ينقطع.. تكون في حجم اسم منشئها وفي حجم تطلعات وطن بدأ يكتشف كم هو حجم الاثرياء الطفيليين الذين لا يعنيهم الوطن سوى بحجم ما يغرفون منه.. وما يقتطعون من كعكة تنميته.

ليس لأحد أن يقول إن على هؤلاء أن يجمعوا ثرواتهم لينفقوها على الكسالي والقاعدين.. إنما المعادلة الوجودية برمتها لتذهب إلى أن هؤلاء لم يجمعوا ثرواتهم بجهد خالص بذلوه وحدهم انهم أولاً عقول صناعتها ليست من عمل ايديهم.. كما أن الظروف التي خلقت منهم تجاراً كباراً لم يكونوا هم صانعوها.. انهم مدينون لخالقهم بعقولهم وظروف ثرائهم وعليهم أن يقدموا ضريبة نجاحهم لخالقهم عبر الإحسان لخلقه.. والتخفيف من شروط الحياة القاسية التي تنال من بعضهم.. إن الغريب أن كثيراً من أولئك الاثرياء لا يترددون في دعم الجمعيات الأجنبية وفي رفد مراكز الدراسات الغربية وفي المشاركة الفاعلة في الجمعيات والمنظمات الإنسانية والعلمية والبحثية في الغرب.. لكن منهم من يحجم عن أي إسهام فاعل أو مؤثر أو كبير في أعمال شبيهة في الداخل. بل إن بعضهم - وهم قلة لحسن الحظ - منفصلون وجدانياً عن امتهم وعن مواطنيهم وهم يعيشون في عوالم خاصة في أوروبا وربما لا يتذكرون بلادهم إلا في مواسم الجرد السنوي لميزانيات شركاتهم واستثماراتهم فيها.

من المؤكد أن الثقافة الغربية وأنظمة الحياة في الغرب تجعل من العمل الخيري عملاً مؤسساتياً وذا قيمة اجتماعية كبيرة.. وهي تلفظ كل صاحب مال لا يولي هذه المسألة عنايته.. بل إن أنظمة الضريبة هناك تحفز على مثل تلك النشاطات عبر الخفض الضريبي وتسهيلات أخرى.. وتلك عناصر مهمة جعلت بعض الاثرياء العرب يعرفون قيمة واجهة العمل الخيري هناك.. عبر الاندماج في مؤسساته الخيرية أو العلمية أو البحثية.. والمشاركة في فعالياته.. لكن ذلك الضمير لا يستيقظ ليعرف حق موطنه الأول ببعض تلك الثروات عبر مؤسسات شبيهة أو برامج مناسبة لهذه البيئات ومحققة لبعض حاجاتها التي تعجز الإدارة الحكومية اليوم عن توفيرها أو تبنيها.

ليست القضية مرة أخرى محاكمة لرأس المال العربي الذي يفر من اوطانه ليبيض ذهباً وخيراً في أحضان مراكز المال والثروات والصناعات المتقدمة في الغرب.. فكم من اموال في الداخل أيضاً ليس سوى وبال على المجتمع.. حيث تدار ضمن تجارة غير منتجة ترهق كاهل المواطن ناهيك أن تكون عوناً له.. وما نموذج بعض اثرياء العقار - تجار الصدفة التاريخية - سوى الابرز بين من يملكون المليارات في الداخل ويديرونها تجارة واحتكاراً للاراضي البيضاء التي لا تنتج سوى البؤس في عيون جيل بات لا يحلم بأكثر من أرض جرداء.. ولم تعرف لكثير منهم فضيلة واحدة في عمل خير أو كشف بؤس أو مشروع إنساني لا يدر عليهم ملايين أخرى تصب في بطون لا تعرف الشبع أو الاكتفاء.

من عنيزة إلى وول ستريت قصة نجاح حقيقية.. نتمنى أن تكتمل بعمل مؤسساتي خيري كبير يسهم بفعالية حقيقية في تحقيق شروط حياة أفضل لإنسان مازال يفخر بأن من طين القرية خرج من سطر قصة نجاح قد تلد قصة نجاح أخرى ولكن في أعمال الخير ومؤسساته أيضاً.

aalqfari44@hotmail.com

fax 4813473

إذا كان المحرض على كتابة مقال كهذا هو تأمل قصة نجاح تلد أخرى .. لثري عربي كبير بحجم سليمان العليان فإن الغاية ليست حتماً تأبيناً أو رثاء.. انها سؤال مشروع عن ماذا يبقى بعد رحيل أولئك الاثرياء الكبار؟..