هناك بعض الأغاني نرددها دائما دون أن نعرف من أين كان نبتها أو تاريخها، سوى أن هذه الأعمال تتمتع بقبول وذائقه فريدة قليلاً ما تتمتع بها أعمال هذا اليوم.

"جزا البارحة" سامريه قديمة جداً تواصلت مروراً عبر الأجيال ومازالت تقال في الحفلات أو الجلسات وغالبا تغنى بانفراد من المطرب، كما حصل مع الفنان بشير حمد شنان، "جزيء البارحة" من كلمات الشاعر فهد بروسلي "1918-1960م" ، حقيقة الشعراء في ذلك الوقت إنهم يفرزون ما بقريحتهم فقط بمعنى أن ليس هناك "تركيباً" يتبعون نهجاً رائعاً في توصيل المعلومة من خلال قصائدهم وترديدها عبر السامري والحفلات، أي أن حقيقة المجتمعات في ذلك الوقت من الممكن أن نتصورها ونتخيلها من خلال هذه القصائد العفيفة الخالية من القصور.

هناك فلسفة جميلة من خلال عرض القصيدة أو ترديدها عبر الغناء، لتكون متواصلة عبر الإيقاع السامري؟! حتى انه يأتي الحديث بعد "الدّم" في السامري ليكون صدّى غريباً حول المعنى.

اعتقد أن هذه الأعمال لم تصل إلى تغيير ألحانها حتى لو كان يتماشى مع الإيقاع السامري، ذلك لأنها ولدت بهذا النمط الغنائي والتصوير اللحني، وهذه الأعمال دائما ما تتواصل مع المهتمين والمتذوقين بنفس الصورة.

"المعنى في بطن الشاعر" هناك كلمات لها معاني رائعة، ربما لم نصل إلى مبتغاها أو تفسيرها لكنها تصل إلى جزئيات مميزة في ذلك المجتمع حتى وان كان الحديث عن العاطفة والحب تجده مُفرِزاً بعض الحالات الاجتماعية في ذلك الزمن، هي حقيقة القصائد الماضية المختلفة عما يغنى حاليا حتى وان كانت هذه الأعمال تأخذ الطابع الشعبي "السامري أو خلافه" .

التفسير عن الحالة في جزئيات ربما كانت بسيطة لدى السامع، لكنها تصل إلى أشياء غريبة كما هي حاله الشاعر عند الوصف عن حاله بليلة من لياليه كان استدلاله في ليلة واحدة يبرهن عندها ما يعانيه في عدة ليالي "جزا البارحة" ، حالة العشاق دائما يرددها بقوة الصبر والمعاناة من اجل العشق، كما يظن الشاعر بالخسران كغيره من الشعراء، لكنها تختلف الصور في المغنى والتفصيل.

جزا البارحة جفني عن النوم

جزا من غرابيل الزماني

صبرت أمس مع قبل أمس واليوم

وأشوف العشر تصفي ثماني.

أعتقد أن الصور التي دائما ما نسمعها من خلال الأعمال الغنائية أو التي نقرأها، تختلف عن بعض في استغلال الكلمات للوصف أو التعبير عن حالة معينة، خاصة إذا كان الوصف أشبة بالعذاب على المحب، هنا في هذه الجزئية كانت البساطة في المعنى والتركيب مختلفة عما نسمعه حاليا في الأعمال "المهجنة" ، إذن هي صورة واضحة تمتاز بالحروف الموسيقية الدالة على النغم، لذا يكون قارئها على الورق يدندن دائما حين قراءتها بنفس اللحن والحروف الموسيقية.

عذابٍ على العشاق مقسوم

تولعت يوم الله بلاني

يلزّم علىّ الشوق تلزوم

وأنا يوم لزمته عصاني.

قراءه للوصل وتزكين الكلام العامي ليكون خير ما يوحى به الشاعر عن نفسه، هي قراءة ووصل معلومة ما..؟ بطريقة معينه لكنها تنساب مع الأجراس الموسيقية التي كونت هذه التفعيلات منذ نشأتها ومازالت تردد بنفس الأنغام حتى جيلنا الحاضر.

أظن أن غالب الشعراء في ذلك الوقت كانت تكتب كلماتهم بمعان اجتماعية واضحة حتى وان كان في بعض أجزائها تلميحات عن العاطفة، لكن تحتفظ تلك الكلمات بالعفة والغموض.

سجيم الهوى ما يسمع اللوم

حنين الجفى سدّد أذاني

شريف على التيكات مخدوم

ولا هو من الطرز الجباني.

غالب هذه الكلمات المموسقة هي إشارة واضحة للعشيق، يبدولي أنهم يعترفون بواقعهم جيدا وبالتالي تجد تلك الأعمال تنساب من أعماقهم دون رجعه..!! لا تخلو من الصّد والهجران أو الوصل والاجتماع لكنها بطريقتهم الرائعة، لذا تجّد هذه الأعمال تتداول وتعود سريعاً لعالم النجومية.

هو قراءة لحالة معينة كانت متواجدة هناك، كما هو في "طريح على اللذات" أو "صوابه خطر بين المحاني" ، عندها كان التفسير بان بالحرمان بلذات الدنيا بشيء ما وذلك الخطر الآتي بين الضلوع، جمال الكلمة والمعنى أعطى انطباعا رائعاً لذاك المجتمع.

طريح على اللذات محروم

صوابه خطر بين المحاني.

هذه الأعمال دائما ماتردد من قبل الفنانين سواء كانت في الحفلات الخاصة أم العامة، لكن يتميز كل منهم على قراءة هذا النص وتفكيك معانية بالأسلوب الشعبي المميز، العمل الشعبي الغنائي كان بمثابة صورة جميلة تمثلت بالكلمات التي اتخذت الأجراس الموسيقية أو اللحن الشعبي الآتي من البيئة، هو يحدثنا بالصحراء وخفقان أرضها وحنينها، "جزيء البارحة" رائعة السامري القديم ربما لأنها ذهب لا يصدأ تعود بنا لازمان كلما نسمعها.

Anaser@alriyadh.com