مُعظم الرحالة الغربيين الذين زاروا مدن الحجاز، وخاصة الساحلية منها، أو المدن المقدسة فيها، يتفقون مع قول شهير قاله لورنس يصف مناخ جدة: (إن جدة لم تشهد هبوب النسيم منذ سنين) ومع هذا كان لورنسT.Lawrence وغيره معجباً بفن العمارة الحجازية، وشبهها بالطراز الإليزابيثي

هذا حديث اختصرته من محاضرة طويلة بعنوان (رحلات الغربيين إلى بلاد الحجاز) وهي محاضرة القيتها في نادي الطائف الأدبي مساء الثلاثاء الموافق 1423/5/20هـ وقد تلقيت طلبات كثير من المهتمين بنشر ملخص لها. وهاأنذا أفعل في حديثي لهذا الاربعاء، وسوف أنشر الجزء الثاني في يوم الأربعاء ما بعد القادم إن شاء الله. مع العلم ان كامل المحاضرة ستنشر في كُتيب بعد تنقيحها وزيادة ما جدّ لدي من رحلات إلى الحجاز، وأرجو ان يكون ذلك قريباً.

إن الناظر فيما كتبه الرحالة الغربيون عن الحجاز، يجد كماً هائلاً من المعلومات الثرية، والملحوظات الجيدة، والتحليل العميق لشؤون المعاش والحياة. والحق ان نتائج تلك الرحلات قد أثرت في الفكر العلمي حول تلك البلاد. وليس من المبالغة في شيء القول إن ما كُتب عن الحجاز، والأماكن الدينية فيه، يُعد من أكثر مما كتب عن أي جزء على وجه الأرض. بل إن ما كُتب عن مكة المكرمة والمدينة المنورة في كافة المجالات يربو مئات المرات على ما كُتب عن المدن الاخرى في الجزيرة العربية برمتها.

استغرقت عمليات سفر الغربيين وترحالهم في جزيرة العرب قرابة أربعة قرون. بدأت من نهاية القرن التاسع الهجري - الخامس عشر الميلادي، وانتهت في النصف الاول من القرن الرابع عشر الهجري - العشرين الميلادي. أما ما بعد ذلك من رحلات فإنها تدخل في باب العمل الرسمي، إذ تحدها قيود ومواثيق واتفاقيات رسمية لا تدخل في باب الرحلات. مثل البعثة الاستكشافية العلمية بقيادة كونزاك ريكمانز المتخصص في اللغات السامية، التي قصدت وسط جنوب الجزيرة العربية عام 1371هـ - 1951م بدعم حكومة المملكة العربية السعودية وموافقتها. ضمنت البعثة إلى جانب كونزاك ريكمانز كلاً من: جاك ريكمانز المتخصص في التاريخ الحميري والسبئي، والحاج عبدالله فيلبي المؤرخ والسياسي المعروف، وفيليب ليبنز الخبير في تخطيط الرسوم وتصوير النقوش القديمة.

أو مثل اللجنة العلمية التي أسندت لها حكومة المملكة العربية السعودية اعداد دراسة شاملة عن مدينة الطائف، من أجل تنميتها وتطويرها. فقام ثلاثة علماء في تخصصات مختلفة باعداد تلك الدراسة ونشرت في كتاب عام 1413هـ - 1992م. والثلاثة هم: هاينز غاوبه، ومحمد شرابي، وغونتر شقايترز.

تتميز رحلات الغربيين إلى بلاد الجزيرة العربية ومدنها في القرنين العاشر والحادي عشر الهجريين - السادس عشر والسابع عشر الميلاديين بكونها ذات طابع فردي، ويكتنف أهدافها الغموض، وكانت في مجملها تتصف بالخطورة، ولكن نتائجها لا تخلو من الفائدة العلمية.

أما رحلات الغربيين في القرون اللاحقة فهي رحلات ذات طابع ديني/ تبشيري، أو ذات طابع عسكري، أو ذات سمة سياسية رسمية، أو جاءت لاغراض علمية واستكشافية. وفي العموم نظر الرحالة الغربيون إلى الاماكن التي زاروها من منظورهم الخاص، لذا اوردوا بعض الملحوظات التي قلما أثارت انتباه الرحالة العرب الذين زاروا الأماكن نفسها.

ولو بحثنا في سبب شغف الغربيين ببلادنا لوجدناه باختصار شديد يتلخص في كون القرن العاشر الهجري - السادس عشر الميلادي قد شهد اندفاع البرتغاليين بأساطيلهم إلى بحار العالم، ومنه طبعاً البحار المحيطة بالجزيرة العربية، مما أدى إلى نوع من المغامرة والصراع بين الدول الاوروبية. وكانت الدول الاوروبية في صراع سياسي واقتصادي وتجاري مع الدولة العثمانية التي تمثل المسلمين، فرغب بعض ساسة اوروبا ومثقفيها معرفة المزيد عن بلاد الحجاز الذي يُشكل واسطة العقد في الفكر الديني لدى الدولة العثمانية.

كل هذا دفع الدول الاوروبية إلى اقامة علاقات سياسية مع بعض الدول الإسلامية، ثم تم تأسيس شركات تجارية غربية في سوريا ومصر، وأصبح لبريطانيا، على سبيل المثال، جالية معتبرة في حلب. وفي عام 1042هـ/ 1632م أنشئ كرسي اللغة العربية في جامعة كمبردج Cambridge، وبعد ذلك التاريخ بعشرين سنة طبع الكتاب المقدس بعهديه باللغة العربية. وفي مطلع القرن الثاني عشر الهجري - الثامن عشر الميلادي تُرجم القرآن الكريم لاول مرة إلى اللغة الانجليزية، وكذلك ثم الشيء نفسه لبعض الكتب الأدبية العربية مثل (ألف ليلة ليلة) وتبادلت اوروبا وبعض دول المشرق السفراء منذ عام 1080هـ - 1669م، ومنذ ذلك الوقت أصبح الشرق والدول العربية على الخصوص محط أنظار دول الغرب وشعوبه.

والتطور المثير هو كون السفر من اوروبا إلى الهند، تاج المستعمرات البريطانية فيما بعد، أصبح ميسوراً عبر البلاد العربية، كما ان للدعوة السلفية التي ظهرت في نجد أهمية كبيرة، وخصوصاً ما ترتب عليها من نتائج سياسية بالغة الخطورة. ثم اندفاع نابليون بونابرت نحو الشرق وحملته على مصر عام 1213هـ - 1798م، كل هذا استقطب اهتمام الغربيين بالمنطقة.. وما عاد القرن الثالث عشر الهجري - التاسع عشر الميلادي يحط رحاله حتى أصبح السفر والترحال للبلاد العربية، ومنها جزيرة العرب، من الامور المطلوبة للسياسة، والجاسوسية، والتبشير والسياحة.

لهذا نستطيع أن نُجمل أهداف الرحالة الغربيين إلى جزيرة العرب ومنها الحجاز فيما يلي:

1- الهدف الديني: لا ريب أن حركة الاستشراق وحركة الكشوف الجغرافية خرجت أول ما خرجت تحت نظر الكنيسة وسمعها. وكان الهدف الديني وراء انشاء أقسام اللغة العربية وكراسيها في جامعات اوروبا. لهذا كان مُعظم من دخل مكة المكرمة أو المدينة المنورة انما دخلهما لاغراض دينية، منها وضع مقارنة بين النصرانية والإسلام، كما فعل لودفيكو دي فارثيما Ludvico di Varthema الذي ألف كتاباً عنوانه (اتيناريو ltinario) ونشره عام 916هـ - 1510هـ. وكانت انتصارات البرتغاليين واكتشافهم رأس الرجاء الصالح عام 904هـ - 1498م دافعاً جعلهم يحاولون مهاجمة ديار الإسلام، مثل ما حاول أحد امرائهم وهو الأميرال الفونسو دي البوكيرك Albuquerque المتوفى عام 921هـ - 1515م الذي أبحر إلى البحر الأحمر من أجل أن يحتل المدينة المنورة. ويستولي على خزائن القبر النبوي.

2- الهدف السياسي: كانت الدولة العثمانية تمثل تهديداً لدول اوروبا، وكنائس اوروبا، ولكن ذلك التهديد زال في القرن الثاني عشر الهجري - الثامن عشر الميلادي، ومع هذا رأيت تلك الدول ان من صالحها دراسة وضع البلاد العربية التي تخضع للعثمانيين. خصوصاً منطقة مهد الإسلام، فتقاطر الرحالة الجواسيس إلى الحجاز، وكتبوا تقارير عن أوضاع البلاد والعباد كما فعل الرحالة الأسباني دومينجو باديا لبليخ Domingo Badia Y Lebich الذي كان يعمل لصالح نابليون، وأصبحت رحلات الغربيين بمثابة توظيف قدراتهم لخدمة السياسة الغربية ضد الدولة العثمانية.

3- الهدف الاقتصادي: تميز القرن الحادي عشر الهجري - السابع عشر الميلادي بالصراع بين البرتغاليين من جهة والبريطانيين وحلفائهم من جهة اخرى، فأخذت كل جهة تُقيم علاقات مع بلدان المشرق العربي، وهي البلاد التي تنتج البن، أو يمر عبر اراضيها إلى اوروبا. ثم عمدت تلك الدول إلى ارسال الرحالة لاغراض تجارية، ولاعداد تقارير عن الوضع الاقتصادي، وحالة الموانئ العربية على البحر الأحمر.

4- الهدف العلمي: لا يشك أحد أن نهضة اوروبا على العلم، وبعض العلم مصدره من الشرق ومن العرب على وجه الخصوص. وكانت تدور في اذهان الاوروبيين فكرة البحث والتقصي لاجل العلم، لذا أرسلوا الرحالة يجوبون اقطار الجزيرة العربية من أجل هذا الهدف. ومن يتفحص كتابات بعض الرحالة أمثال: العالم الدنماركي كرستين نيبور Carsten Neibuhr أو تشارلز مونتاج داوتي Charles Montage Doughty يدرك على الفور مقدار الجهد الذي بُذل من أجل العلم والمعرفة.

ولابد في هذا السياق من الاشارة إلى جهل الرحالة الغربيين الاوائل ببلدان الجزيرة العربية، وهم في بعض هذا معذورون، ذلك أن أعمال الجغرافيين والرحالة المسلمين لم تترجم إلى اللغة اللاتينية، وهي لغة العلم والثقافة في اوروبا، إلاّ في القرن الثالث عشر الهجري - التاسع عشر الميلادي، وبهذا لم يتمكن الرحالة الغربيون الذين زاروا الجزيرة العربية قبل ذلك التاريخ من الاطلاع على ما كُتب عن الجزيرة العربية.

مُعظم الرحالة الغربيين الذين زاروا مدن الحجاز، وخاصة الساحلية منها، أو المدن المقدسة فيها، يتفقون مع قول شهير قاله لورنس يصف مناخ جدة: (إن جدة لم تشهد هبوب النسيم منذ سنين) ومع هذا كان لورنسT.Lawrence وغيره معجباً بفن العمارة الحجازية، وشبهها بالطراز الإليزابيثي. لقد حاول الرحالة الغربيون التغلب على مشكلة الحر في جدة وغيرها من مدن الحجاز، فعمد مثلا الصحفي الشهير جيمس باكنجهام James Silk Buckingham إلى اصطحاب شبكة يلتف بها ويغمس نفسه في الماء كلما شعر بوطأة الحر. والله أعلم.