مع تنامي الصحوة الإسلامية وتأكيد العديد من التيارات الإسلامية على استئناف الحياة الإسلامية في ظل حكم الشريعة ومطالبتهم باسترجاع دور القيادة للدين في حياة الأمة برز مصطلح "الإسلام السياسي" الذي تلقفته كثير من وسائل الاعلام في بلاد المسلمين.

ومع ان المصطلح يستخدم منذ ثلاثة عقود الا انه استخدم بكثافة عقب احداث 11سبتمبر 2001وتحديداً في الحملة الدعائية التي تم توظيفها من قبل وسائل الاعلام الغربية للحرب على الارهاب من خلال ربطهم بين تصاعد الحركات الإسلامية وتزايد العنف من قبل بعض الحركات الإسلامية المتطرفة.

واعتبر النائب الإسلامي الأردني د. تيسير الفتياني ان مصطلح (الإسلام السياسي) مفهوم علماني غربي يقصد به فصل الدين عن الدولة،وان هذا الفهم الغربي للدين ناجم عن معاناة الاوروبيين من تجبر الكنيسة وصكوك الغفران ونظام السخرة واحتكار تفسير الدين خلال القرون الماضية، مؤكدا ان الإسلام دين شامل لكل نواحي الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والفكرية باعتدال.

واشار الى ان هناك من يريد ان يجعل الإسلام داخل المسجد فقط بعيدا عن شؤون الحياة العامة، وان المقصود من الإسلام السياسي هو التجزئة واخذ جانب من الإسلام بعيدا عن كل القضايا الاخرى.

واوضح الفتياني ان الإسلام وضع الاسس العامة والقواعد اللازمة لتنظيم الدولة ولم يدخل بالتفصيلات مثل قوله تعالى: (وامرهم شورى بينهم) (واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل) ،مبينا ان تفصيلات الحكم تركت الى مقتضيات الزمان والمكان من اجل ان يستوعب الإسلام جميع الظروف والازمنة والامكنة.

ويعتقد الفتياني ان نظام الشورى هو الاصلح للبشرية لانه يتم اختيار مجلس الشورى من اكثر الناس كفاءة وقدرة علمية واخلاقية وسلوكية حيث انه لا يجوز اختيار احد في المجلس من عوام الناس او من المطعون في دينهم ومروءتهم، مشددا على ان اعضاء المجلس هم صفوة المجتمع ويقدمون الحق العام (حق الدولة والمواطنين) على حقوقهم الشخصية ويخضعون لمراقبة تامة.

وقال ان اعضاء المجلس لا يجب ان يثروا على حساب مناصبهم او يتوسطوا في باطل بل هم وجدوا من اجل توجيه دفة الحكم بالاتجاه الصحيح كما ان هؤلاء يجب ان يكونوا من كافة التخصصات فلا يختار الاكثر مالا او الاكثر جاها،مشيرا الى انه لا يجوز طرح (الشورى) للنقاش لانها ثابتة في الكتاب والسنة.

وانتقد الفتياني الاسس التي يتم على اساسها بناء العملية الديمقراطية مبينا انها عرجاء في اسس الاختيار ولانها تقوم على المنافع الشخصية والتوسط بدون وجه حق ،كما ان الديمقراطية من وجهة نظر الفتياني من الممكن ان تناقش امرا مذكورا في الكتاب والسنة وتصوت ضده، وانها قد تساهم في الفساد والافساد وقد تغطي عيوبا ضارة في المجتمع.

ويرى الفتياني ان (الشورى) تقبل التعددية وتحفظ كرامة المواطن وتسعى من اجل الوطن بينما الديمقراطية تسعى لاجل حزب او فئة داخل المجتمع كما انها تقيد الحريات وترفع الاسعار وتأكل اموال الناس بغير وجه حق وتكيل بمكيالين.

وفي رده على بعض المحللين السياسيين الذين يردون نشوء ظاهرة الإسلام السياسي الى المستوى الاقتصادي المتدني بيّن الفتياني ان هذه التحليلات مغلوطة وعارية عن الصحة تماما لان الدول الغنية في منطقة الشرق الاوسط ابناؤها مندمجون في مفهوم (الإسلام السياسي) اكثر من الدول الفقيرة،مشددا على ان الفقر ليس هو السبب في نشوء الظاهرة كما يقول الغربيون وانما الظلم وسلب الحقوق.

وعن النظرة التي يحملها الغرب للإسلام وطبيعة العلاقة قال الفتياني انه بعد القضاء على الاتحاد السوفيتي بحث الغرب عن عدو بديل ليبقى في حالة من اليقظة والصحوة لان المجتمعات الغربية اصبحت ترفية منهارة لذلك من اجل ايقاظ همم الغربيين تم اصطناع عدو وهمي فوجدوا في الإسلام ذلك العدو.

واضاف (بعد الصحوة الإسلامية والاقبال الشديد على الإسلام من قبل الغربيين انفسهم ،عمد الغرب الى محاولة تشويه صورة الإسلام المتنامية فلاحظنا التوجه العسكري من خلال احتلال افغانستان والعراق واخر ثقافيا عبر اثارة قضية التطرف والارهاب والإسلام السياسي ،اضافة الى توجه اقتصادي لتدمير البنية الاقتصادية في العالم الإسلامي).

واشار الى ان هناك بعضا من العلماء في الغرب انصف الإسلام وتحدث عنه بكل خير وابعد عنه التهم والاباطيل،مؤكدا انه رغم التضييق على الإسلام ومحاربته الا انه يزداد قوة.

وفيما يتعلق بمحاولات ربط الإسلام بالارهاب اوضح الفتياني ان الارهاب مدارسه ونشأته ظهرت في الغرب الذي مارس الارهاب وطبقه على بلاد المسلمين وطبقه اليهود الصهاينة في دير ياسين والمسجد الاقصى والحرم الابراهيمي في الخليل ،نافيا في الوقت نفسه صفة الارهاب عن الإسلام واعتبر ان اكبر وصمة عار في جبين الديمقراطية هو ما مارسه رعاة الديمقراطية في العالم في الشرق الاوسط،مؤكدا ان ذلك يدخل ضمن دائرة ممارسة الارهاب بحق الشعوب وحرية الرأي.

ويعتقد امين عام الحزب الوطني الدستوري الأردني د. احمد الشناق ان الإسلام السياسي هو مسألة الدين وعلاقته بالدولة، وان المسلمين ليسوا ظاهرة واحدة، مبينا ان بعض المسلمين يرون الدولة من باب الخلافة على اساس انها هي التي تقيم دولة الإسلام بينما البعض الآخر يرى الدولة المدنية التي تقبل الانتخابات والتعددية وحق الاختلاف والتداول السلمي.

واعتبر الشناق ان السياسة قائمة عند اصحاب الدولة المدنية على منظومة الخطأ والصواب وليس الايمان والكفر او الصراع بين الحق والباطل، مشيرا الى ان مسألة الخلافة لازالت قضية جوهرية بين المفكرين والجماعات الإسلامية.

وحول مفهوم الامة لدى الحركات الإسلامية قال ان الاصولية الإسلامية ترى انه لا حدود جغرافية للدولة الإسلامية، وبالتالي فإن الجماعات التي تتبنى هذا الفكر اصبحت تشكل معضلة كبيرة للانظمة الحاكمة والتيارات الإسلامية على مختلف تصنيفاتها.

وقال ان هناك فرقا من الإسلام السياسي تؤمن بفكرة الدولة الوطنية من منطلق اجتهاد فقه الواقع، وهذه الفرق هي التي يجب التركيز عليها وتعظيم ايجابياتها والتعامل معها وعدم ضربها والتأثير عليها بحجة محاربة التكفيريين والحركات المتطرفة.

وعن الكيفية التي يجب ان يتعامل فيها النظام الرسمي مع الإسلام السياسي اوضح الشناق انه يجب تجاوز مرحلة الجمود وفتح النوافذ لرياح التعددية القائمة على مبدأ المشاركة وانهاء حالة الاقصاء والتهميش والالغاء، مبينا ان ذلك يتطلب التفريق بين الإسلام السياسي السلمي وجماعات العنف والتكفير ومعسكر الايمان والكفر وبالتالي عدم خلط الاوراق ومحاربة التيار السياسي الإسلامي تحت غطاء مقاومة جماعات العنف والتكفير.

وشدد الشناق على انه بات ملحاً امام النظام الرسمي العربي تغيير قواعد العملية السياسية وتشجيع كل عمليات التحول والتجديد الفكري لدى بعض الجماعات الإسلامية وعدم التأليب ضدها وتحشيد الغرب وتشجيعه على ضرب هذه الجماعات بحجة مقاومة الارهاب.

ويرى ان الانظمة السياسية الحاكمة بحاجة الى مراجعة شمولية والى وقفة شجاعة لتأسيس الحياة السياسية على واقع ووقائع جديدة، وان المصالح الوطنية حق للجميع وكل حسب رؤيته واجتهاده في كيفية المدافعة عنها، مؤكدا على اهمية مسألة الابتعاد عن احتكار السلطة على اعتبار ان سياسة المصادرة والالغاء لم يعد بمقدورها ان تحمي السلم الاجتماعي والنسيج الاجتماعي.

وعن الكيفية التي يجب ان تتعامل بها الولايات المتحدة مع الإسلام السياسي اكد الشناق على اهمية فتح حوار امريكي مع الإسلام السياسي المعتدل من خلال قبول التعددية والمشاركة واحترام مرجعيات هذا التيار الإسلامي المعتدل والانتهاء من سياسات التصدي والاقصاء له اضافة الى التفريق بين الارهاب والإسلام السياسي المعتدل.

وقال الشناق ان على الولايات المتحدة حل المسألة الفلسطينية بطريقة عادلة لانها وقود للغلو والتطرف فمشاهد القتل والذبح والابادة الجماعية في فلسطين والعراق تحت ظل الاحتلال تغذي نار الحقد، مشيرا الى ان حماية الاحتلال الاسرائيلي وعدم تطبيق الشرعية الدولية والمعايير المزدوجة تؤدي الى ظهور الحركات والجماعات الإسلامية المتشددة.

ويرى رئيس منتدى الوسطية للفكر والثقافة في الأردن م.مروان الفاعوري ان مصطلح (الإسلام السياسي) تزامن ظهوره مع تنامي الصحوة الإسلامية والتأكيد على شمولية الإسلام وان يكون الحكم لله والسيادة للشرع وان تنضوي الحياة تحت لواء الإسلام، موضحا ان المصطلح استخدم بكثافة عقب احداث 11سبتمبر

2001.وقال الفاعوري انه بعد احداث 11سبتمبر 2001وجه الاعلام العالمي اهتمامه نحو الحركات السياسية التي تتخذ من الإسلام مصدرا لرسم الخطوط العريضة لسياستها وحدث في هذه الفترة الحرجة نوع من الفوضى في التحليل ادى بشكل او بآخر الى عدم التمييز بين الإسلام كدين رئيسي ودين مجاميع معينة تتخذ من بعض الاجتهادات في تفسير وتطبيق الشريعة الإسلامية مرتكزا لها . واشار الى ان عدم التركيز هذا ادى الى انتشار بعض المفاهيم التي لا تزال اثارها شامخة الى هذا اليوم من تعميم يستخدمه اقلية في العالم الغربي تجاه العالم الإسلامي لانها تشكل خطرا على الاسلوب الغربي في الحياة والتعامل.

واعتبر الفاعوري ان الدولة في الإسلام دولة مدنية تستمد مشروعيتها من مواطنيها مما يجعل المسلمين منفتحين باستمرار لتطوير نموذج الحكم على حسب ما تبدعه البشرية من اليات ونظم. وبنفس الوقت القدرة على تمثل النموذج الديمقراطي في اعلى صورة، بل واغنائه بمبادئ وقيم تعطيه العمق الاجتماعي والبعد الانساني الواسع.

وعن تعامل العالم الإسلامي مع المفاهيم الديمقراطية قال رئيس منتدى الوسطية ان الديمقراطية لا يمكن تطبيقها في جميع المجتمعات بنفس الطريقة، فاضافة الى الفروق المعروفة بين الديمقراطيات الغربية نفسها، فانه من المشروع ان تقوم مجتمعات العالم الثالث وفي مقدمتها العالم الإسلامي بملاءمة الديمقراطية مع انماطها الحضارية والانطلاق في ذلك من قيمه.

واضاف ان بناء الديمقراطية عملية متواصلة تتكيف مع زمانها ومكانها، وليست وصفة جاهزة يتم استيرادها، وان ارادة الشعب هي الحكم في كل ذلك، مؤكدا انه لا يجوز حكم الناس الا بما يرتضونه، وبالطريقة التي يوافقون عليها، والا فانهم لن يقبلوا عليها ولن يلتفوا حولها.

وتابع الفاعوري ان العنف والارهاب لا يزدهران او يعيشان في مجتمعات او بلدان ديمقراطية ودعوات الحرية والديمقراطية ليست جديدة في العالم العربي والإسلامي اذ كافح العرب والمسلمون في سبيل الحرية والديمقراطية طوال عشرات السنين

ويرى ان الديمقراطية آتية في العالم العربي والإسلامي شئنا ام ابينا، وانه من مصلحة الولايات المتحدة على المدى البعيد ان تدعم طموحات الشعوب في الحرية والديمقراطية حتى نكون على الجانب الصحيح من التاريخ وحتى نبني علاقات تقوم على الاحترام والكرامة والفهم المتبادل.

وقال ان مستقبل الديمقراطية في العالم المسلم لا يكمن في شكل مفروض من الديمقراطية الليبرالية كما هو الحال في العراق بل حيث تبدو امكانية تحقيق ديمقراطية إسلامية تنظيمية حينئذ يمكن ان نشهد اسلمة الديمقراطية بحيث يتغير وجه الديمقراطية مع اتساع نطاق تطبيق قواعد الدين الإسلامي وبوضع معايير ثابتة لعناصر سياسية إسلامية معتدلة.