وتكمن أهمية رحلة تاميزية كون صاحبها سجل بشكل متسق وشمولي أحداث حملة محمد علي على الحجاز وعسير، وتحدث عن قضايا داخلية كثيرة. منها على سبيل المثال: وصف مدينة الطائف، التي قال عنها إنها مدينة محزنة

ومن أشهر الرحالة الخبير الفرنسي موريس تاميزية Maurice Tamisier الذي وصل الحجاز عام 1250هـ/1834م، وهو جاء مع الحملة المصرية كأمين سر ومساعد للطبيب شيرفو. وكان تاميزية يتصف بالذكاء ودقة الملاحظة، وقد كتب عن رحلته هذه كتاباً عنوانه: (رحلة إلى بلاد العرب Voyage en Arabie).

وتكمن أهمية رحلة تاميزية كون صاحبها سجل بشكل متسق وشمولي أحداث حملة محمد علي على الحجاز وعسير، وتحدث عن قضايا داخلية كثيرة. منها على سبيل المثال: وصف مدينة الطائف، التي قال عنها إنها مدينة محزنة بسبب الدمار الذي أصابها، وذلك بسبب انتشار وباء الطاعون فيها، وهو داء قضى على عدد كبير من السكان، وكان تاميزية يكن إعجاباً شديداً للرقعة الخضراء التي تُغطي معظم نواحي الطائف. وفي كتابه حديث شيق عن بيشة وأبي عريش، ثم حديث طويل وممتع عن عسير وتاريخها وصراعها مع محمد علي. وقد عرّب الزميل الدكتور محمد آل زلفة كتاب تاميزية عن نص إنجليزي مترجم، ونشرهما في جزأين: الأول تحت عنوان (رحلة في بلاد العرب: الحملة المصرية على عسير 1249هـ/1934م) الرياض 1414هـ . والثاني تحت عنوان: (رحلة في بلاد العرب: الحجاز) الرياض 1421هـ .

ومن أغرب الشخصيات الغربية الذين زاروا مكة المكرمة شخصية الفرنسي ليون روش Leon Roches، الذي قضى ردحاً من الزمن مستشاراً للأمير الجزائري عبدالقادر، ثم تظاهر بالإسلام، وقرر مغادرة الجزائر بعد قصة حب فاشلة، وبعد نشوب معركة بين الجزائريين والجيش الفرنسي، لا يستطيع معها حمل السلاح ضد مواطنيه. وصل ليون روش مكة المكرمة في نهاية عام 1257هـ/1841م في زي حاج مسلم، وتسمى باسم عمر بن عبدالله، ثم زار المدينة المنورة، وأعجب بالمسجد النبوي وفوانيسه، والكتابات المذهبة على الجدران. ثم عاد إلى مكة المكرمة، وبقي فيها أسبوعين، غادرها بعد ذلك إلى الطائف لمقابلة الشريف، الذي أكرم مثواه على أساس أنه عميل سياسي لفرنسا لا أكثر، وبحلول موسم الحج ذهب إلى مكة المكرمة. وكانت تراوده فكرة التحول إلى الاسلام، لكنه بقي على دينه حتى وفاته.

وفي جبل عرفات تعرف عليه بعض الجزائريون فصاحوا: (النصراني.. النصراني) وشعر أن نهايته قد اقتربت، وإذا ببعض الجنود يقبضون عليه، ويقيدونه، ثم يضعونه على ظهر جمل، وعرف أخيراً أن أولئك الجنود، هم من حرس الشريف، الذي بعثهم لتخليصه، ووضعه في أول سفينة ترسوا في ميناء جدة. كتب روش مذكراته بعنوان: (اثنان وثلاثون عاماً في الإسلام) وصدرت في جزأين، ويهمنا الجزء الثاني الذي خصصه للحديث عن مهمته في الحجاز، وفي ادعى روش أنه ثالث نصراني يدخل مكة المكرمة بعد الأسباني دومينجو باديا لبليخ Domingo Badia Y Lebich المعروف باسم علي بك العباسي سنة 1222هـ/1807م، والإنجليزي جون لويس بوركهارت Gohann Ludwig Burckhart 1229هـ/1814م.

ويأتي إلى الحجاز ملازم في الجيش الهندي ولكنه من إيرلندا هو ريتشارد بيرتون Richard Burton عام 1270هـ/1853م متنكراً في صورة حاج من الهند. كانت رحلة بيرتون إلى الديار المقدسة مدعومة من قبل الجمعية الجغرافية البريطانية، لغرض تقديم تقرير عن أحوال الحجاز والمنطقة الواقعة بينه وبين مسقط من كافة الوجوه. وكان الحجاز آنذاك يقع تحت سيطرة الدولة العثمانية. وكانت بريطانيا ترغب في معرفة المزيد عن الأماكن المقدسة لتستخدمها في صراعها السياسي والاقتصادي مع الدول العثمانية. ولكن لسوء الحظ أو لحسنه، فإن التقارير التي كتبها بيرتون، وشكلت كتاباً كبيراً، لم تكن ذات نفع كبير لحكومة بريطانيا، لأنها تقارير مشوشة وغير دقيقة من الناحية السياسية.

ومع هذا فقد ربحت أدبيات الرحلة الأوروبية سفراً جميلاً ونفعاً كبيراً. فقد استطاع بيرتون أن يكتشف بحيرة تنجانيقا. وترجم ألف ليلة وليلة إلى الإنجليزية، بل ترجم ثلاثين كتاباً من العربية والفارسية، ذلك أنه يتقن خمسة وعشرين لغة. وكان بيرتون متيماً بالشرق، وكان يرى أن تقوم الدول الأوروبية بنقل نظم وتراث الشرق. وكان يعتقد أن استيراد الشرق لنظم غربية أمر مضحك، وهو تنبأ أن جهود الدولة العثمانية في الإصلاح بإصدار مجموعات قوانين وتنظيمات مستوحاة من الغرب، وهي المعروفة (بخط كلخانة) أنها لن تؤتي ثمارها المرجوة.

وصف بيرتون المدينة المنورة، وعادات السكان، والحرم النبوي، وكان يستعين بآيات من القرآن الكريم، والحديث الشريف. ثم عرج على مكة ووصفها، ووصف مناسك الحج، وكان في وصفه لتلك المناسك يصدر عن احترام للإسلام وعن تدين. وقد ذكر بيرتون الدعوة السلفية وقال إن رجالها يتطلعون إلى أوروبا للتحالف معهم من أجل السيطرة على الحجاز. ولا نعلم مصدره في هذه المعلومة، ولكنه يتمتع ببعد نظر، ولهذا فقد صحت توقعاته، فقد تحالف أشراف الحجاز فيما بعد مع بريطانيا ضد الدولة العثمانية. نقل زميلي الدكتور عبدالرحمن الشيخ رحلة بيرتون الممتعة إلى العربية بعنوان (رحلة بيرتون إلى مصر والحجاز) ونشرتها الهيئة المصرية العامة للكتاب بالقاهرة ضمن سلسلة الألف كتاب الثاني عام 1994م في ثلاثة أجزاء.

وفي عام 1271هـ/1854م، وصل إلى الحجاز شارل ديدييه Charles Didierوأقام في جدة مدة، ثم غادرها إلى الطائف لمقابلة الشريف عبدالمطلب بن غالب الذي كان يقضي إجازته في قصره بالطائف. جاء ديدييه مبعوثاً سرياً من الحكومة الفرنسية لمعرفة مدى صلابة الوجود العثماني في الحجاز، لذلك نراه يجتمع ويلتقي بأكبر رجلات الحكومة في الحجاز، وبالتجار وبعض المبعوثين الأوروبيين، وخاصة القنصل البريطاني. كانت حصيلة الرحلة كتاباً كبيراً عنونه صاحبه (إقامة في رحاب شريف مكة) وفي الكتاب وصفاً جغرافياً وبشرياً لكل من جدة والطائف، وحديثاً عن الجغرافية الاجتماعية لهما. وفي الكتاب أيضا حديث عن الحياة الاقتصادية في الطائف. وملاحظات عن السكان. وقام الصديق الدكتور محمد خير البقاعي بترجمة الرحلة بعنوان (رحلة إلى الحجاز في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي) ونشرتها دار الفيصل الثقافية بالرياض عام 1422هـ/2002م.

وفي عام 1277هـ/1860م زار مكة المكرمة البارون مالتزن Baron H. von Maltzan، وكان في ريعان شبابه بصحبة حاج جزائري مدمن على تعاطي الحشيش، واتفق مالتزن معه أن يستخدم جوازه للدخول إلى مكة المكرمة مقابل كمية من الحشيش. وهذا ما حدث، واستطاع مالتزن الوصول إلى مكة بجواز مرور مزيف، وبقي صاحب الجواز الأصلي في جدة لا يدري من أمره شيئاً، وكان يعتقد أنه أدى فريضة الحج.

سكن مالتزن في فندق صغير في جدة، وهي مدينة لم يرتح لها، وكانت ليلته في الفندق مزعجة، إذ جاور غرفة مليئة بالدراويش، الذين قضوا ليلتهم في صراخ. لم تترك مكة المكرمة لدى مالتزن أي انطباع إيجابي، وكان يشعر بعدم الراحة النفسية، وهو اعتبر الشعائر الإسلامية طقوساً مملة، ذات طابع جنوني. وشبّه المسجد الحرام بقلعة الشياطين. وقد صاحب الحجيج في مُعظم مناسكهم ، وبعد الانصراف من عرفات لم يكمل مالتزن بقية النسك. لأنه سمع رجلين من الجزائر يتحدثان عنه، وعرفا أنه على دين النصرانية، لذا فضل مالتزن الهروب إلى جدة، حيث ينتظره صاحب الجواز، وأعاد له جوازه وعليه رسم الدخول إلى مكة المكرمة.

جاء إلى مكة المكرمة الطبيب البريطاني هيرمان بكنيل Herman Bicknell في عام 1279هـ/1862م، كان بكنيل يعمل جراحاً في مستشفى سانت بارثولوميو بلندن. وكان يؤمن أنه من صالح الحكومة البريطانية أن يلم الشعب البريطاني بالمعلومات الموثقة والواسعة عن الدين الإسلامي والمسلمين. ولن تأتي تلك المعرفة إلا عن طريق المشاركة في أكبر موسم يجمع المسلمين، وهو موسم الحج.

لهذا تطوع الدكتور بكنيل بالقيام بالرحلة إلى مكة المكرمة، وتنكر في صورة بريطاني مسلم، لذا لم يضطر لتغيير ملابسه. أنهى الدكتور بكنيل مناسك الحج، وأقام بمكة المكرمة، وقال إن المسجد الحرام يشبه القصر الملكي في باريس. ولم يذهب مع الحجاج الذين رافقهم إلى المدينة المنورة، بحجة أنه لا يستطيع مقاومة موجة الحر. وبعد عودته نشر مقالاً مطولاً عن الإسلام والمسلمين في جريدة التايمز عنوانه (الحج إلى مكة)، ووقعه باسمه الإسلامي المستعار: (الحاج محمد عبدالواحد) وتاريخ المقال هو 1862/8/25م.