لا ريب أن الإسراء والمعراج من آيات الله العظيمة الدالة على صدق رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وعلو منزلته عند ربه جل وعلا، وفيه دلالة على قدرة الله الباهرة، وعلى علوه سبحانه على جميع خلقه، قال الله تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا انه هو السميع البصير} (الإسراء: 1).

وقد وقع لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة من الأمور الجليلة والمعجزات العظيمة شيء كثير، مثل شق صدره عليه الصلاة والسلام وغسل جوفه تهيئة للرحلة في الملكوت الأعلى، ثم الإسراء به إلى المسجد الأقصى وهكذا العروج للسماء في زمن محدود، وصلاته بالأنبياء والمرسلين في بيت المقدس، ثم صعوده إلى السماوات العلى ولقائه المرسلين فيها، ثم مجاوزته السماء السابعة إلى موضع لم يبلغه أحد من الخلق، وفرض الصلوات الخمس ورؤيته الجنة، وغير ذلك مما صحت به الأحاديث، وقد أورد الحافظ ابن كثير طائفة طيبةً منها في فاتحة تفسير سورة الإسراء فلتراجع.

فالإسراء والمعراج من معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم الدالة على علو منزلته وعظيم شرفه.

ومما اعتاده بعض المسلمين في الازمنة المتأخرة في أنحاء من العالم الإسلامي وغيره ان يقيموا احتفالات دينية تخليداً لهذه المناسبة وحفاوةً بها وبنبينا محمد صلى الله عليه وسلم. هذا الاحتفال عندهم مؤقت بشهر رجب في 27منه. وقد درج عدد الإذاعات والفضائيات على نقل تلك الاحتفالات نقلاً مباشراً، حتى ظن الناس مشروعيتها، مما يستلزم توضيح حقيقة ذلك.

فعند النظر في هذا: يدرك أهل العلم أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن يحتفل بها، ولا صحابته ولا التابعون لهم بإحسان، ولكن جاء أقوام بعد انقضاء القرون المفضلة فأقاموا تلك الاحتفالات وتعلقوا بها، وهم بهذا بين أحد أمرين: اما ان يقولوا: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعلم هذا الخير ولم يفعله، فعلموه هم وسبقوا إليه، واما ان يقولوا: ان هذا الاحتفال الديني هو من صنع أناس، اذا أحسنا بهم الظن، أرادوا الخير والقربى إلى الله تعالى.

أما الأول فحاشاه صلى الله عليه وسلم ان يتأخر عن الخير، فليس ثم إلا الثاني، وحينئذ يتوجه إليهم قول الله تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} ويتوجه إليهم قوله عليه الصلاة والسلام: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" متفق عليه.

ولهذا أنكر العلماء هذه الاحتفالات وعدوها نوعاً من الابتداع في الدين.

وانقل لك أيها القارئ هنا قولين لعالمين كريمين وامامين جليلين هما: ابن القيم وابن باز رحمهما الله حول هذه المسألة.

قال الإمام العلامة ابن القيم الدمشقي المتوفى عام (751هـ) رحمه الله في حديثه عن ليلة الإسراء والمعراج.

"لم يقم دليل معلوم لا على شهرها، ولا على عشرها، ولا على عينها، بل النقول في ذلك منقطعة مختلفة ليس فيها ما يقطع به، ولا شرع للمسلمين تخصيص الليلة التي يظن انها ليلة الإسراء بقيام ولا غيره... ولا كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان يقصدون تخصيص ليلة الإسراء بأمر من الأمور، ولا يذكرونها، ولهذا لا يعرف في أي ليلة كانت، وان كان الإسراء من أعظم فضائله صلى الله عليه وسلم".

وقال الإمام العلامة عبدالعزيز بن باز المتوفى عام (1420هـ):

"هذه الليلة التي حصل فيها الإسراء والمعراج لم يأت في الاحادث الصحيحة تعيينها لا في رجب ولا غيره، وكل ما ورد في تعيينها فهو غير ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم عند أهل العلم بالحديث، ولله الحكمة البالغة في انساء الناس لها، ولو ثبت تعيينها لم يجز للمسلمين ان يخصوها بشيء من العبادات، ولم يجز لهم ان يحتفلوا بها، لان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم لم يحتفلوا بها ولم يخصوها بشيء، ولو كان الاحتفال بها أمراً مشروعاً لبينه الرسول صلى الله عليه وسلم للأمة، اما بالقول واما بالفعل، ولو وقع شيء من ذلك لعرف واشتهر، ولنقله الصحابة رضي الله عنهم إلينا، فقد نقلوا عن نبيهم صلى الله عليه وسلم كل شيء تحتاجه الأمة، ولم يفرطوا في شيء من الدين، بل هم السابقون إلى كل خير، فلو كان الاحتفال بهذه الليلة مشروعاً لكانوا أسبق الناس إليه، والنبي صلى الله عليه وسلم هو أنصح الناس للناس، وقد بلغ الرسالة غاية البلاغ وادى الأمانة، فلو كان تعظيم هذه الليلة والاحتفال بها من دين الله لم يغفله النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكتمه، فلما لم يقع شيء من ذلك علم ان الاحتفال بها وتعظيمها ليسا من الإسلام في شيء".

نسأل الله تعالى ان يوفقنا للعمل بالسنة، وان يعيذنا من البدع والفتن.