قصر شبرا التاريخي في قلب محافظة الطائف يعد من المعالم الأثرية في المملكة.. ومن الأماكن التي لها ذكريات جميلة.. وحكايات وقصص مشوقة على مدى قرن من الزمن.

القصر استعمله الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه - إلى ان جاء الملك فيصل (يرحمه الله) فآل إليه القصر من مالكيه بالشراء المباشر ثم فيما بعد أصبح من أملاك الدولة وشغلته وزارة الدفاع والطيران زمناً حتى عام 1407ه ثم تم تسليمه بأمر سام إلى وزارة المعارف "آنذاك" ليكون مقراً لمتحف الآثار في محافظة الطائف.

أما اختيار موقع القصر فظاهر أنه يعود إلى خصوبة الأرض المحيطة به وتوسطه بين بساتين شبرا والعقيق وأم خبز ولأنه محاط بجبل شرقوق وجبل عكابة من غربه ومرتفعات أم خبز من شرقه وفي هذا القصر تحصن أهل الحجاز عندما نشبت الحرب بينهم وبين الدولة العثمانية فحين راح العثمانيون يرمونهم من جيل عكابة أخذوا هم يرمونهم من القصر حتى جلى العثمانيون عن مواقعهم.. وهذه الواقعة سجلها شاعر المجر بقوله:

عكابة رموك من شرقرق وشبرا ببندق ميازر

ولا الله فتك تظلين عبرة لكل النواظر

وعلى مقربة من قصر شبرا يقع حي العقيق وهو مواز له وكان أقرب إلى القرية الصغيرة وبها ثلاث أبيار: بئر المقداد وبئر الزبير وبئر عكرمة وقد جف ماء هذه الأبيار.

أما شبرا فهذه التسمية أرجعها المؤرخ محمد حسين هيكل إلى شبرا المجاورة لمصر.. قال "قال صاحبي: هذه (شبرة) وعجبت كمصري لسماع اسم يتداوله سمعي أثناء مقامي بعاصمة بلادي وفطن صاحبي لعجبي فقال: "وهذا قصر الملك هنا - بقصر شبرا - .. وسمي هذا المكان شبرة باسم شبرا المجاورة للقاهرة، لمجاورة هذا المكان للطائف".

لكن متى بني هذا القصر؟

أشار محمد حسين هيكل ان رخام القصر قد جلب من إيطاليا وان الخشب جلب من تركيا وقد بدئ في إنشائه عام 1323ه وتم البناء عام 1325ه وقد شيده علي بن عبدالله بن عون باشا.

القصر من الداخل والخارج

قصر (شبرا) في حالة ممتازة الآن، وزاد من ذلك اهتمام وعناية الدولة به، وإجراء الترميمات والاصلاحات والدهانات اللازمة.. وينقسم إلى قسمين، أحدهما منحرف عن الآخر ويبلغ عدد غرفهما 150غرفة على وجه التقريب وهو في بنائه أقرب إلى الطراز الروماني، كما يحيط بقصر شبرا من جهاته الداخلية حديقة غناء من أجمل حدائق الطائف.

الطابع الخارجي

يتكون القصر من أربعة طوابق وارتفاع كل دور بنسبة ثابتة، حيث يظهر للرائي في تناسق مبدع وله واجهات أربع بنظام واحد يتخللها أعمدة معمولة من "النورة والحجر"، وينتهي سور سطح القصر بزخرفة تميل إلى الطابع الرماني مما أضفى جمالاً على مظهر القصر الخارجي من كل جهاته الأربع.

الطابع الداخلي

ويتكون الدور الأرضي للقصر من بهو واسع يبدأ من مدخل القصر حتى السلملك (السلم الكبير) المؤدي للدور الثاني وبه جناحان يتكون من غرف كبيرة وأخرى صغيرة وبقاعة (البهو) يوجد أربعة أعمدة مطوية على شكل ما يعرف (الديوان) تنتهي بزخرفة رومانية وعلى جانبي الأعمدة صالتي توزيع تؤديان إلى الغرف بجناحي القصر.

وقد شيدت جدران القصر من مكسوة (بالنورة البلدي المحلية) وهي قائمة حتى الآن لم تؤثر فيها عوامل الطبيعة والزمن، مما يدل على دقة الحرفيين في ذلك العصر.

شيد قصر شبرا من المواد البيئية وهي: الحجر، النورة، (الجص)، البطحاء، القطر (مادة تستخرج من قصب السكر).

وقد قام المعلمون من أهالي منطقة مكة المكرمة والطائف بنجارة أبواب القصر وأسقفه والرواشين التي لا زال يبدو فيها الاتقان في الصنعة والحفر وفي غاية الروعة والجمال، كما جُلب خشبة من الخارج كدولة سنغافورة وتركيا وهو ما يعرف بالخشب (الزان)، وكذلك خشب (العرعر) محلياً.

سلملك السلم

وللقصر سلم كبير يعرف ب (السلملك) أمام مدخل القصر المؤدي للبهو، وقد احضر رخام السلملك من دولة إيطاليا عن طريق ميناء جدة، وتم نقله إلى الطائف بوسيلة الجمال التي ناءت عن حمله لطول المسافة ووعورة الطريق، ثم اهتدى المتعهدان بنقل الأحجار - وهما حمدان الحميدي والآخر أبو صويلحة الحميدي - إلى نقل الحجر الواحد الرخامي على جملين على هيئة "التخت" واستطاعا بهذه الطريقة المبتكرة تفادي موت الجمال.

وقد استعين برصف السلم بخبرة الأيدي التركية آنذاك، أما دربزان "السلم" فكان في غاية الدقة والروعة وهو مصنوع من الحديد ويكسوه من الأعلى مادة الصفر النقية، غير أنه استبدل بالخشب بدلاً من الحديد المشغول الذي كان على نظام سور الحديقة الحديدي للقصر الآن.

سكان القصر وتعدد استخداماته

نزل في القصر شخصيات تاريخية كما شهد أحداثاً ذات شأن، وقال الشيخ محمد بن مانع يرحمه الله:

"أما في الطائف، فقد اتخذ المغفور له الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، قصراً كبيراً يسمى (شبرا) يسكنه خلال فتر الصيف"، كما شهد أيام الملك عبدالعزيز يرحمه الله أحداثاً تاريخية عظيمة، فقد استقبل الملك عبدالعزيز فيه، ابنه الملك سعود، بعد عودته من إحدى المعارك الحربية مظفراً، وأجريت له مراسم الاستقبال على بوابة القصر.

وقد نزل القصر قبل ذلك السلطان وحيد الدين محمد السادس، أخر سلاطين بني عثمان عندما جاء إلى الحجاز بعد خلعه، وأثناء إقامة جلالة الملك عبدالعزيز يرحمه الله شهد القصر ولادة ابنين من أبنائه هما سمو الأمير نواف وسمو الأمير طلال، أما قصر (البيهات) التابع لقصر شبرا فقد شهد ولادة سمو الأمير محمد الفيصل.

وقد اتخذ الملك فيصل يرحمه الله قصر شبرا لعقد مجلس الوزراء أثناء الصيف، وشهد القصر خلال تلك الفترة أحداثاً عالمية، واستقبالات رسمية على مختلف المستويات.

كما استخدم سمو الأمير منصور بن عبدالعزيز "وزير الدفاع في حينها" القصر

مستودعاً للوزارة، وبعد وفاته يرحمه الله عام 1370ه وتعيين الأمير مشعل بن عبدالعزيز وزيراً للدفاع والطيران اتخذته الوزارة مقراً لها، وكان به أيضاً مكتب نائبه سمو الأمير متعب بن عبدالعزيز وزير الشؤون البلدية والقروية، وبعد وفاة الملك فيصل يرحمه الله، آل القصر إلى وزارة الدفاع والطيران مرة أخرى لبضع سنين، وبعد أن انتقل مكتب سمو الأمير سلطان بن عبدالعزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع والطيران والمفتش العام إلى قصر الضيافة بالخالدية، ارتأى سموه أن يكون القصر متحفاً حربياً، ثم عرض سموه بعد ذلك إلى مقام خادم الحرمين الشريفين، بتحويل القصر إلى متحف تراثي، وتسليمه إلى وزارة التربية والتعليم لهذا الغرض.

وإلى حين اكتمال الترتيبات اللازمة لدى وزارة التعليم، والإدارة العامة للآثار بها، فقد تفضل معالي وزير المعارف (آنذاك) الدكتور عبدالعزيز الخويطر، بإعارة القصر لإمارة الطائف، التي تنفذ برنامج التنشيط السياحي، لعرض المقتنيات الأثرية، في متحف تراثي سياحي، لاقى نجاحاً طيباً، ثم أعيد إلى وزارة التربية والتعليم المقر للمتحف الوطني للتراث بالطائف، وتفضل سمو الأمير سلطان بتبرع سخي لترميم القصر وتجديد طلائه الخارجي والداخلي بتكلفة تزيد على عشرة ملايين ريال مع بعض التعديلات والإصلاحات التي جعلت منه تحفة معمارية مجددة، ومتحفاً تراثياً يضم العديد من التحف النادرة والمعروضات القيمة لمختلف الأغراض ولا يزال كذلك رافداص من روافد السياحة بمحافظة الطائف يقصده زوار الطائف على مختلف فئاتهم.

الرحالة والعاصرون يوثقون تاريخ القصر

قصر (شبرا)، لفت أنظار الكثير من الرحالة والمؤرخين الذين زارو الطائف فكتبوا عنه.

وقال محمد حسين هيكل: "وشبرا ليست مع ذلك بالضاحية القديمة، فقصورها وبساتينها من بناء آل فرعون في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل هذا القرن العشرين".

وبنى الشريف عبدالله بن عون القصر الأول، أو شبرا القديمة كما يسمونها، وبنى الشريف ولده القصر الثاني أو (شبرا الجديدة)، وغرست حول القصرين بساتين فخمة يقصر دونها الطرف، بها أشجار الفاكهة النادرة والأزهار البالغة في البهجة ما جلبه بناة القصرين من مختلف بلاد الأرض، كما جلبوا رخام القصرين من إيطاليا، وأخشابها من تركيا - وقد آل هذان القصران الى الملك عبدالعزيز بعد دخوله الحجاز فاتخذهما مصطافاً له ولعائلته.

أما ولكثرة عدد أفراد العائلة المالكة.. لذلك يضطر الأمير فيصل وزير الخارجية ونائب الملك بالحجاز أن ينزل بالطائف في قصر "الكاتب" بالصيف.

وقال الأمير شكيب أرسلان: أول ما يستقبل الإنسان في الطائف هو قصر شبرا وهو قصر شاهق حوله بستان طويل عريض هو أكبر بستان في الطائف وجميع الأراضي التي هناك على مسافة بعيدة وهي من مضام القصر، وقد بني إلى جانبه علي باشا - قصراً بديعاً ملوكياً أنفق عليه عشرات الألوف من الجنيهات فجاء أخفم بنية في الطائف بل في جميع الحجاز وفي هذا القصر نزل السلطان وحيد الدين محمد السادس آخر سلاطين بني عثمان عندما جاء إلى الحجاز بعد خلعه وذلك بدعوة الملك حسين بن علي الذي كان صاحب الجاز وقتئذ.

وعندما يضيف في الطائف الملك عبدالعزيز صاحب الحجاز ونجد وملحقاتها يكون نزول جلالته بهذا القصر.

ولقد سمي هذا القصر بشبرا على اسم شبرا الشهيرة بمصر وذلك والله أعلم لأن أمراء مكة كانوا أصدقاء من قديم لأسرة محمد علي الجالسين على سرير الكنانة.

وقال خير الدين الزركلي: شبرا - على يمين الذاهب إلى الطائف إلى الشرق، مزارع خضر تسقيها جداول صغيرة من الماء وتمتد مسيرة ربع ساعة وتنتهي بقصر هو أفخم بناء في الطائف وربما كان أعظم قصر في الديار الحجازية بحسن بنائه وجودة مناخه وسعة مساحته وتنظيم غرفه.

وقصر شبرا هو منزل الأمراء في الطائف وأكثر ما ينزلون في الجانب الأيسر منه كما فعل الأمير علي ولي عهد الحجاز ونحن في الطائف فإنه اختار هذا الجانب على الثاني مع أن ذلك أعظم وأفخم، وعين شبره من أشهر عيون الطائف يروى منها أهل الطائف.

وتحدث عن بناء القصر الشريف (سليمان بن الحسين مسعود الغالبي) من حي العقيق وعمره ثمان وتسعين سنة قوله:

كنت صبياً في عمر الثامنة أرعى أغنامي في هذا الموقع، وشاهدت حفر أساسات القصر - وكنت أتساءل مع نفسي عن هذا الحفر العميقة التي بلغ بعضها الماء بعمق الأبياد ثم ظهر لي أنها أساسات لقصر يزمع بناؤه على هذا الموقع.

وأضاف أن عبدالله بن عون شيد داره الشرقي من القصر الحالي في بستان يدعى "الكشك" وجلب له الماء من عين الأهرام من جبال برد.

ومات عبدالله بن عون وتولى علي "باشا" بن عون في عهد السلطان عبدالحميد ولاية الحجاز، وقد أمر ببناء القصر التاريخي القائم الآن واستغرق بناؤه فترة عامين، وبعد إكماله نزل فيه ولم يطل به المقام سوى سنة واحدة، فقد عزله الوالي التركي العثماني وغادر الحجاز إلى مصر، وتحركت لواعج الشوق عنده نحو الحجاز وقصره وبستانه واشترى عدة ضيعات خارج القاهرة وأبتنى له قصراً وأنشأ حديثة وأسماه شبرا تشبيهاً بشبرا الطائف.

ويذكر الشيخ حامد حمود السفياني من حي فوق وعمره مائة وتسع سنين أن عمره عندما بني القصر اثنان وعشرون سنة، ويقول إن هذا القصر بناه علي بن عبدالله بن عون/ باشا وقد صرف عليه مالاً كثيراً وقد كان ولا زال آية في الروعة والبناء، له أساسات عميثة ضاربة بالأرض واستمر بناؤه فترة طويلة شارك فيه العديد من معلمي الحجاز مكة وجدة والطائف لا تحضرني أسماؤهم، وكان المهندس الكبير المشرف على القصر هو سليمان (بيه) التركي.

ويقول المعلم البناء محمد رشيد من حي جياد بمكة أن والده رحمه الله كان يبني في واجهة واحدة من القصر طوال سنتين وهي الواجهة الجنوبية ويقول عن والده بأنه ماهر في الصنعة وأن المهندس سليمان بيه كان يتخذ مقعداً له في ظل الجدار يراقب عن كثب سمت الجدار واتزانه.

ويقول المعلم محمد أحمد وزيره إن طابع بناء القصر في اتساق ونظام واحد بحيث تبدو واجهاته الأربع في مستوى واحد ويلاحظ جميع البروزات الخاصة بروشين القصر في كل دروبها أعمدة دائرية تنتهي بتيجان مزخرفة.