عندما يتصدر أحد المتطرفين لمهاجمة الليبرالية، فإنه يهاجمها بلسان الإسلام. وهذا يجعل من جهله الفاضح في هذا الهجوم، هجوماً على الإسلام ذاته، وإن لم يدرك المتطرف/ الجاهل ذلك. مشكلة الخطاب المتطرف/ الجهل أنه لا يدرك مستوى جهله - عكس الجاهل الطبيعي - ولا يعي حقيقة أنه موغل في التطرف أشد ما يكون الإيغال

وهذه الصفة (الجهلية) التي تميز بها الخطاب المتطرف عندنا، ليست صفة مقصورة عليه، وإنما هي صفة تكاد تعم جميع أنواع الخطابات المتطرفة، في جميع الثقافات والديانات والمذاهب، قديمها وحديثها. إنها (الجهلية) صفة تلازم نسق التطرف؛ أينما وجد هذا النسق؛ لأن التطرف هو - بالضرورة - نتاج الجهل. مع أن الجهل لا يستلزم - بالضرورة - تطرفا .

الجهل، كحالة لازمة للتطرف، تكاد تستولي على جميع أفراد الخطاب المتماهين معه؛ حتى أولئك الذين حالوا الانعتاق منه، وبدأوا (يحاولون) - صادقين أو مخادعين - إنتاج نوع من الخطاب المعتدل. ما يأسرهم هنا ليس التطرف الذي يحاولون تجاوزه، وقد ينجحون!، وإنما هي البنية المعرفية التي ترسّخت فيهم زمن الاشتباك مع خطاب التطرف/ الجهل.

المتطرفون، والمتطرفون السابقون، يختلفون حول مفردات التطرف حاليا، ولكنهم يستوون في الجهل؛ لأن التركيبة العقلية التي تمت صناعتها في الماضي لعقود، يستحيل تفكيكها، وإعادة تركيبها من جديد، في بضع سنين. وهذا ما يفسر كيف أن بعض المبتعثين من جامعات تقليدية لدينا، قد يذهبون إلى أرقى جامعات العالم، ولكنهم يعودون ممارسين لخطاب الجهل، بأشد وجوه هذا الخطاب تطرفا وجهلية؛ مع أنهم يمتلكون المعلومة الحديثة، ويستطيعون استخدام الوسائط المعرفية بكل مهارة. إنهم يصبحون أدوات فاعلة لتمرير خطاب الجهل، أو الجهل المسمى: علما، بلغة الأستاذ: إبراهيم البليهي.

قد يخاطبك المتطرف/ الجاهل بأحدث أساليب الخطاب، من حيث اللغة المباشرة، وإغراءات المعلوماتية، كثافة وجدّة. لكنه في النهاية لن يقدم خطابا عقلانيا، يتجاوز - بل ويفصل - مع خطاب التطرف/ الجهل؛ لأن كل ما استحدثه من وسائط ومعلومة يتم إدراجه في أنساق عقلية تشكلت في الزمن الغابر، تشكلت على إيقاع رؤى الانغلاق والمفاصلة والتمايز، بل والعداء - عداء صريحا أو خفيا قابعا في أعماق اللاوعي - لكل ما هو آت من خارج دائرة الأنا .

ولأن المسألة هنا، هي دفاع عن الإسلام بالدرجة الأولى، ولأن كل ما يشوه صورة الخطاب الإسلامي يمزقني - ألما - من أعماقي، فشدما يحزنني، بل يجعلني أعيش لحظة (خزي فضائحي) أن أجد أحد رموز الأسلمة، يتكلم في أوسع الفضائيات انتشارا، عن كل قطر إسلامي، اقتصادا وسياسة وثقافة ..إلخ، بمعلومات (عاطفية) يستطيع تصحيحها له (المتوسط) من طلاب المرحلة الابتدائية. يفضح نفسه بنفسه، ولا يعي ذلك؛ لأنه غارق في ذاتية ملتهبة، ملكت عليه كل خطواته. وهو حر في ذلك؛ لولا أنه يتحدث بلسان الأسلمة، ويجني على الإسلام - وعلينا من وراء ذلك - بهذا المستوى المروّع من الجهل الفاضح .

يجب على المسلم، كل مسلم، أن يدافع عن دينه، ولكن ليس من حقه أن يشوه صورة الإسلام بهذا المستوى الفاضح من الجهل، فضلا عن المستوى المفضوح من التطرف الخفي. كل يريد أن يقدم نفسه كرمز إسلامي؛ لأن هذا شرف، ولكن لا بد من التأكد أن هذا الترميز يعزز من إيجابية الخطاب الإسلامي وانفتاحه أم لا. لا بد أن يتجاوز المتأسلمون الذاتية، على الإسلام ذاته كموضوع، وأن يدركوا أن الجاهل عدو نفسه، كما قالت العرب قديما .

لهذا، فعندما يتصدر أحد المتطرفين لمهاجمة الليبرالية، فإنه يهاجمها بلسان الإسلام. وهذا يجعل من جهله الفاضح في هذا الهجوم، هجوما على الإسلام ذاته، وإن لم يدرك المتطرف/ الجاهل ذلك. مشكلة الخطاب المتطرف/ الجهل أنه لا يدرك مستوى جهله - عكس الجاهل الطبيعي - ولا يعي حقيقة أنه موغل في التطرف أشد ما يكون الإيغال .

لهذا، فالمتطرف يرى سلوكه طبيعيا من جهة، وخطابه خطاب معرفة من جهة أخرى. والجماهير من وراء ذلك تصدق هذا وذاك؛ لأنها - أي الجماهير - تم اختطافها في فترة من فترات (الغفوة) التي لازلنا نعاني من ويلاتها - تطرفا وجهالة - إلى الآن. ومعظم الذين يروجون لخطاب التطرف/ الجهل، هم من نتاجها المباشر أو غير المباشر.

الليبرالية بوصفها الحاضن الاجتماعي لصيرورة العلم الحديث، ولتطورات الحداثة، وبوصفها الأشد تسامحا، والأكثر انفتاحا، والأبعد عن التطرف، لا بد أن تواجه بالعداء من قبل التيارات التي هي على الضد من كل ذلك. أعداء التسامح، وأعداء الانفتاح، وأعداء الإخاء الإنساني، وأعداء العلم، هؤلاء الأعداء لتاريخية التطور كلها، هؤلاء الأعداء من كل دين، ومن كل مذهب، وفي كل مكان وزمان، لا يمكن أن يتسامحوا مع الليبرالية وقيمها السامية. بل سيهاجمونها بكل شراسة، لأنها تنفي التخلف والجهل والدجل المعرفي، الذي يقوم عليه خطاب التطرف/ الجهل، وترتبط به مصالح ذويه، من الأساس؛ لأنه - في آخر الأمر - دفاع عن مصالح، ومناطق نفوذ، يقتاتون عليها ماديا ومعنويا .

ربما هناك من يتصور أن هذا العداء لليبرالية عداء حديث، أو أنه خاص بالمتطرفين من داخل الإسلاموية المعاصرة. لكن، حقائق التاريخ والواقع تؤكد أن الليبرالية منذ البداية، واجهة عداء مستعرا من قبل سدنة خطاب التطرف/ الجهل الذي كان هو المهيمن على الخطاب المسيحي في أوروبا في زمنها الما قبل حداثي. بل استمر ذلك إلى بدايات القرن العشرين. وعاشت أوروبا صراعا حادا بين الخطاب الديني المتطرف، وبين حملة الرؤى الليبرالية من التيارات الحديثة كافة. لقد أصدر البابا بيوس العاشر قرارا بإدانة الاشتراكية والليبرالية والديمقراطية وحقوق الإنسان، واعتبرها (كفرا! ).

هذا البابا المتطرف (التكفيري) الذي يمثل خطاب التطرف/ الجهل، أفضل تمثيل، حكم بكفر الليبرالية، كما يفعل ذلك الخطاب المتطرف/ الجاهل عندنا. وهذا يدل على أن النسق الفكري واحد، عند جميع المتطرفين، أيا كان انتماؤهم الديني. آلية التكفير والحرمان الكنسي تم استخدامها من قبل المتطرفين في أوروبا على امتداد أربعة قرون أو تزيد، وأقيمت في فترات طويلة من تاريخ أوروبا محاكم التفتيش التي اضطهدت المفكرين والعلماء؛ إلى درجة الإعدام حرقا. إن هذه المحاكم هي النموذج التاريخي الكامن في أعماق متطرفينا، والتي يتحرّقون لإقامتها للمفكرين العرب والمسلمين.

كتابات كثيرة، وبرامج فضائية عديدة، تم توجيهها في الأشهر الأخيرة للهجوم على الليبرالية المحلية. ولو كان الأمر مجرد هجوم؛ لكان مقبولا، بل ومطلوبا؛ لإثراء الساحة الثقافية بكثير مما هو غائب أو مغيب عنها. لكن، كان الهجوم ينبع عن جهل فاضح من جهة، وينضح بلغة التكفير، أو التضليل على أقل تقدير، من جهة أخرى. وكانت الاتهامات بقدر ما تشي بتغلغل النفس التكفيري، وتفشي الحقد في أوساط المتطرفين ضد كل ما هو جديد، بقدر ما تعلن عن أزمة ثقافية، تظهر في صورة السذاجة الجماهيرية التي تصدق - أو تكاد أن تصدق - التهم التي يسوقها خطاب التطرف/ الجهل في حق الليبرالية.

حزمة التهم التي وجهها المتطرفون لليبرالية، إما أنها تعبر عن جهل، أو عن تطرف، أو عنهما جميعا. وسأقف عند أشدها تكرارا في الخطاب المتطرف. وليعذرني القارئ النوعي؛ لأن مناقشتي لها ستكون سجالية من ناحية، وتوضيحية من ناحية أخرى، أكثر منها علمية؛ لأن الجماهير التي يستهدفها خطاب التطرف/ الجهل، محكومة بالنفس السجالي؛ جراء تماهيها الطويل مع خطاب سجالي، تبسيطي، خطابي في نبرته ذات التشنج العالي.

أفعل ذلك؛ لأني أدرك أن القارئ النوعي لم ولن يخدعه خطاب التطرف/ الجهل؛ لأنه لا يمتلك العلمية التي يمكنها أن تحاور( عقل )، وإنما هي تمتمات خطابية، يخدع بها عواطف الجماهير التي تعودت التواصل من خلال شبكة العواطف فحسب.

إن أهم التهم التي تم توجيهها للخطاب الليبرالي، خطابا وأفرادا، من قبل تاير التطرف/ الجهل، تتحدد فيما يلي :

1- عدم التحديد، أو عدم وجود تعريف (جامع مانع!) يمكن تعريف الليبرالية من خلاله. فالليبرالية مصطلح مائع، مصطلح متموج، مصطلح متشظي الدلالة، وهذا - في نظر خطاب الجهل - من عيوب الليبرالية التي يعني - في نظرهم - أنها غير قادرة على تحديد نفسها.

هنا، نجد أن خطاب الجهل، وهو خطاب تقليدي بامتياز، يصطدم بشيء خارج عن عالمه، أو عن حدود خارطته المعرفية، أو خارج الإمكانيات التي منحتها هذه الخارطة له. التقليدي إنسان متذكر وليس إنسانا متفكرا. التقليدي يمتهن الحفظ فحسب، ولا يستطيع التفكير. وفي حال عدم وجود تعريف (جامع مانع!) يسهل حفظه، ومن ثم ترديده، فإن العقل التقليدي يقع في ورطة معرفية رهيبة. كيف يلملم أشتات موضوع لا يمكن أن يحفظ، وهو الإنسان الذي تعود أن العلم = الحفظ.

لقد تعود التقليدي أن العلم شيء ناجز جاهز معلب، وأن مهمة العقل لا تتعدى الاستذكار، كآلية تسجيل رديئة جدا، بحيث يخونها النسيان مرارا. لم يتعود التقليدي على أن العلم بحث وتفكير واشتباك مع أبعاد غير قارة، ومع نسبيات يصعب إخضاعها للتثبيت في الزمان والمكان. العقل التقليدي عقل استاتيكي جامد، ومن ثم، فهو يطلب معنى جامدا، بحيث يستطيع عقله الجامد أن يتعاطى معه .

لكن، تكمن المشكلة أن الليبرالية لو تم تجميدها وتثبيتها وارتهانها إلى لحظة تاريخية واحدة، ومكان واحد؛ لانتفت الليبرالية أن تكون ليبرالية. أهم ما يميز الليبرالية هو انفتاحها على كل التجارب الإنسانية التي تعلي من الإنسان كقيمة، ومن الحرية كقيمة مركزية، وأنها دائمة التطور من الداخل، ومشتبكة - بإيجابية - مع إحداثات الخارج، وأنها قابلة للتشكل وللتشكيل؛ في إطار قيمها التي تشكل الأساس الروحي لها.

يستحيل تأطير الليبرالية، بحيث يسهل على صاحب الكسل المعرفي (المتطرف) أن يعيها بأبعادها المتعددة. إشكالية التيار المتطرف أنه كسول معرفيا، فلكي يعرف ما هي الليبرالية يريد أن يرجع إلى موقع إلكتروني، أو إلى قاموس فلسفي في أحسن الأحوال! . القواميس، كما قلت من قبل، قد تنفع في بعض المصطلحات، وقد تقرّب الصورة إلى حد ما. لكنها، لن تمنح (فهما) بالمصطلحات العريضة الممتدة في مساحات جغرافية متباينة، وعمق تاريخي يمتد لقرون، وتشظي فرداني، تكاد منه الليبرالية أن تتعدد بتعدد أفرادها.

دون الارتحال الذهني مع الليبرالية في تاريخها الطويل، يستحيل الوعي بالجوهر الروحي للليبرالية. كتوطئة تاريخية، أولية، وضرورية، لا يمكن أن تلمس الليبرالية دون قراءة المجلدات العشرة (= عشرين جزءا) من قصة الحضارة ل( ول ديورانت) التي تحكي شعابها البذور الأولى التي تشكلت منها وبها الليبرالية. لا بد من هذا كتوطئة ضرورية؛ فضلا عن فترة ما بعد الثورة الفرنسية إلى اليوم، وهي - وإن كنا نعاصر بعض فتراتها - جزء من تاريخ الليبرالية التي يستحيل الوعي بها من دون الوعي به. بل يكاد مصطلح الليبرالية أن يكون هو تاريخ الليبرالية، ممتدا باتساع هذا التاريخ .

إن الليبرالية كغيرها من المصطلحات التي خضعت - وأخضعت - لتجارب تاريخية عديدة، وتداخلت مع تنويعات ثقافية متباينة، بل وربما متضادة، يستحيل تحديدها في سطور، كما يريد ذلك تيار الجهل. لقد قال أحد النقاد الغربيين في شأن تعريف الرومانسية كمذهب أدبي: إذا أردت أن تعرف حماقة الرجل، فاطلب منه تعريفا (محددا) للرومانسية، فإذا قام بذلك فاعلم أنه أحمق. وكذلك الحال مع الليبرالية. وأنا أقصد هنا التعريف المحدد؛ لا التعريف المتسع باتساع المفردات الأساسية في كل منهما.

الغريب أن تيار التطرف/ الجهل، مع أنه يعترف بعجزه عن تحديد ماذا تعني الليبرالية، إلا أنه يهاجمها على درجة تكفيرها وتكفير أفرادها. وهذا من التناقض الدائم الذي يسم خطاب التطرف/ الجهل. إنه يريد وصم الليبرالية بالفوضوية المصطلحية من جهة، ويريد إدانتها بالكفر من جهة أخرى. إنه يقوم بتكفير شيء يعترف أنه لا يستطيع تحديده! .

2- ومن التهم التي يصم بها التيار المتطرف الليبرالية، ولها نوع علاقة بإشكالية المصطلح، أنها بلا مرجعية محددة. وهذا أيضا من طبيعة التفكير المحدد والمؤطر الذي هو من سمات العقل التقليدي. إنه لا يستطيع التفكير إلا عبر النموذج الذي اعتاد التفكير من خلاله. فهو اعتاد عندما يهاجم الفرق والمذاهب والطوائف أن يهاجمها من خلال المراجع المعتمدة عند هؤلاء.

إشكالية الليبرالية - وهي من أهم إيجابياتها - عند التيار التقليدي أنها لا تعترف بمرجعية. وهذا صحيح. فالليبرالية لا تعترف بمرجعية ليبرالية مقدسة؛ لأنها لو قدست أحد رموزها إلى درجة أن يتحدث بلسانها، أو قدست أحد كتبها إلى درجة أن تعتبره المعبر الوحيد أو الأساسي عنها، لم تصبح ليبرالية، ولأصبحت مذهبا من المذاهب المنغلقة على نفسها.

مرجعية الليبرالية هي في هذا الفضاء الواسع من القيم التي تتمحور حول الإنسان، وحرية الإنسان، وكرامة الإنسان، وفردانية الإنسان. الليبرالية تتعدد بتعدد الليبراليين. وكل ليبرالي فهو مرجع ليبراليته. وتاريخ الليبرالية المشحون بالتجارب الليبرالية المتنوعة، والنتاج الثقافي المتمحور حول قيم الليبرالية، كلها مراجع ليبرالية. لكن أيا منها، ليس مرجعا ملزما، ومتى ألزم أو حاول الإلزام، سقط من سجل التراث الليبرالي .

3- عقلانية الليبرالية. وهذه التهمة من عجائب التيار المتطرف الذي لا يعرف حتى كيف يدين خصومه. فكون الليبرالية عقلانية، يعني أنها مع العقل. وتيار التطرف تيار معادٍ للعقل. ومن ثم، نفهم، كيف تصبح العقلانية - التي يتشرّف بها حتى من لا يمتلكها - تصبح موضوعا تهاجم الليبرالية من خلاله. لكن، وكما قال البحتري: إذا محاسني اللاتي أدل بها كانت ذوبي فقل لي كيف أعتذر؟!

4- أن الليبرالية كرؤية عامة، هي غربية المنشأ. وهذه التهمة تعكس الجرح النرجسي (بتعبير جورج طرابيشي) الذي تعاني منه الذات الإسلامية عامة، الإسلاموية خاصة. فكل ما هو رائع ومفيد، لا يمكن أن تتم الاستفادة منه؛ ما دام آتياً من الغرب/ خاصة إن كان على مستوى الثقافة ومنظومة القيم؛ لأن هذا لا بد أن يؤدي إلى وضع نفسي جارح للذات، أي اعتراف ضمني أن الغرب متفوق، ليس في المجال المادي فحسب، وإنما في القيمي أيضا. وهنا تظهر (عقدة الغرب) كعقدة ضاغطة على الوعي؛ لأنها تذكر - دائما، وفي جميع الأحوال - بفشل الأنا، ونجاح الآخر .

ولهذا لا تعجب حين تسمع أحدهم - من مدعي الاعتدال - عندما يتحدث عن تجديد الخطاب الديني، أن يقول صراحة، إنه يرفض هذا التجديد إذا كان نتيجة الاطلاع على التراث العقلاني الغربي، ممثلا في فلاسفته العظام. ويصرح أنه يرفض الاستفادة من كل أعلام الفلسفة الغربية؛ لأن لدينا ما يغنينا عنهم. هكذا قال!، ولا أدري ما هو الذي لدينا، ويغنينا عنهم؟!.

4- يقول التيار المتطرف: الليبرالية مادية، تعبر عن مادية الغرب، بينما الإسلام روحاني. وهذا جهل فاضح بالمنظومة الليبرالية؛ لأن الليبرالية بالدرجة الأولى، مجموعة قيم إنسانية، تعزز من إنسانية الإنسان؛ في مواجهة غول الطغيان والاستبداد الذي قد تعضده المادية، على الأقل في بعض مراحله. نعم قد تسمح الليبرالية - من حيث جانب الحرية فيها - بأن يتغوّل الرأسمال، ويصبح طاغيا على الروحاني. لكن، جهل هؤلاء أن الليبرالية واسعة الأطراف، وبين يمينها ويسارها، من الرؤى موضوع التجربة، ما يمكن أن يحد من سلبياتها.

أما روحانية الإسلام ومادية الليبرالية/ الغرب، فهو اصطلاح روّج له كثير من المستشرقين، ويكاد يصبح رؤية استشراقية مقصودة، كما نبّه إلى ذلك إدوارد سعيد في كتابه الرائع (الاستشراق). وهنا نرى، كيف أن الجهل يتسبب في أن يقع التيار التقليدي المتطرف في رؤى من يراه ألد أعدائه. فضلا عن كونها تعكس رؤية جامدة (جبرية) بوصف الصفة (الروحانية) في حال التسليم بها، صفة لازمة، لا يمكن تجاوزها. كما تعكس - في الوقت نفسه - الجهل بنسبية الصفات، تلك النسبية التي لا تجعل من (الروحانية) صفة إيجابية دائما، وفي كل الأحوال. كما لا تجعل من المادية صفة سلبية، في كل الأحوال .

5- يتحدث خطاب التطرف/ الجهل عن أن الليبرالية ضد الدين، أو أنها تهاجم الدين. وهذا كلام عام، يراد به التنفير من الليبرالية، واتهام روادها بالكفر. أي انه نوع من التكفير المضمر، أو التجييش الإيديولوجي لصالح خطاب التطرف، وضد خطابات الاعتدال على اختلافها وتنوعها.

كون الليبرالية تهاجم الدين، لا بد من التحديد، أية ليبرالية، وأي دين. وبدون هذا التحديد في كلا الطرفين، لا يمكن أن يكون الجواب صحيحا بحال. الليبرالية ليبراليات، ويوجد ملحدون وكارهون لكل دين، ينتسبون إلى الليبرالية، كما يوجد مؤمنون موحدون متدينون، ينتسبون إلى الليبرالية أيضا.

وهنا، لا بد من الارتباط بما قلت من قبل، وهو أن الليبرالية تكاد تتعدد وتتنوع بتعدد وتنوع من يتمثلونها. لا يمكن أن أحاسب ليبرالياً ما، بقول يقول به ليبرالي آخر؛ لأن كلا منهما مسؤول عن ليبراليته، وليس عن ليبرالية الآخرين. كما أن تيارات الليبرالية متنوعة، فمنها ما ينحو منحى إيمانيا يكاد أن يعم جميع أفراد التيار، ومنها ما ينحو على الضد من ذلك .

هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فبعض أنواع الليبرالية قد تهاجم الدين، ولكن أي دين؟. إنها تهاجم الدين الذي يروّج للخرافة، أو الدين الذي يدعو إلى التعصب والإقصاء، بينما هي تتحمّس للدين الذي يدعو إلى الإخاء، والعدل، وتعزيز الإنسان كقيمة. أي أنها تهاجم الجوانب السلبية التي ينسبها الغلاة المتطرفون من أتباع الديانات السماوية، على الأديان. ومن هنا نفهم كيف اصطدم الليبراليون الأوائل بالسلطات الكهنوتية؛ لأنها كانت سلطات تدعي أنها تتحدث بلسان الدين/ الله، وأن من حقها حساب الناس على عقائدهم، والتفتيش عليها. وهذا ما حاربته الليبرالية، وحققت فيه انتصاراتها المذهلة في الغرب.

6- الليبرالية تفرز الانحلال. وهذه التهمة هي من أبرز التهم التي يوجهها خطاب التطرف/ الجهل إلى الليبرالية. صحيح أن الليبرالية تعلي من قيمة الحرية الفردية؛ لكن هي تفعل ذلك في سياق ثقافي/ تاريخي لا يمكن تجاوزه. ومن ثم فالحرية بوصلة اتجاه. وبعد ذلك، لا مانع من كون بعض الأنظمة تحدد مجالات الحرية، وتضع المطلق في سياق النسبي. وفضاءات الليبرالية الواسعة قابلة لأن تحتضن مثل هذا الارتباط بالسياق.

أحد المتطرفين الذين تحدثوا عن الليبرالية، لم يفهم من الليبرالية إلا أنها دعاية للانحلال. وكي يثبت هذا الفهم الجاهل/ الفاضح لمشاهدي قناته المتطرفة - وهم أقرب إلى السذاجة، والتصديق بكل ما يقوله صاحب (العمامة) - فقد أتى بإحصائيات عن الإباحية في بعض دول الغرب، ثم نظر إلى الكاميرا - في مشهد درامي - قائلا: هذه هي الليبرالية، لا، لا نريدها. فكم من مخدوع بهذا الجهل؟!.