أتحفنا الأستاذ محمد بن عبدالله السيف بعمل تاريخي موثق في سفر ضخم يصل إلى 597صفحة تناول فيه سيرة أول وزير للنفط في المملكة العربية السعودية عنوان الكتاب (عبدالله الطريقي.. صخور النفط ورمال السياسة) والحقيقة أنه مما يحمد للأستاذ السيف اهتمامه بمثل هذه الشخصية السعودية المتميزة التي رغم أولوياتها وإنجازاتها على المستوى الوطني والعربي بل على مستوى العالم فلا تزال مجهولة للكثيرين خصوصا من الأجيال الناشئة التي لم تعش فترة السبعينيات والثمانينيات الهجرية ولم تدرك أحداثها التاريخية وتغييب مثل هذه الشخصيات ولاشك خلل ثقافي ينبغي العمل على إصلاحه فالطريقي الذي حمل على كتفيه أخطر مسؤولية تتعلق بشريان الحياة الأول في المملكة العربية السعودية وشغل وسائل الإعلام العربية والعالمية على حد سواء بأفكاره الوطنية وأطروحاته الاقتصادية والسياسية في فترة مضطربة من تاريخ الأمة العربية ظل غائبا عن المشهد الثقافي لدينا منذ خروجه من الوزارة 1381ه /1962م وربما أن إقامته خارج البلاد كان أثرها له الدور في ذلك؛ ولذا فقد كنت أتمنى لو أضاف المؤلف إلى عنوان الكتاب تعريفا بكونه أول وزير للنفط في المملكة العربية السعودية.

صدر الكتاب عن دار رياض الريس للكتب والنشر اللبنانية في طبعته الأولى آذار /مارس2007م في طباعة أنيقة وغلاف جميل تتوسطه صورة فوتوغرافية للطريقي التقطها الفنان صالح العزاز رحمه الله واختيار هذه الصورة بالذات لتكون على غلاف الكتاب فيه نوع من الاحترافية المهنية التي لا يفوتنا التنبيه عليها فغلاف الكتاب شكلا ومضمونا له أهمية يجب على كل مؤلف مراعاتها؛ ولأن الكتاب في أصله كتاب سيرة لشخصية رسمية فلا يمكن للقارئ الحصيف تجاوز رمزية العنوان لأن لها دلالاتها ورغم ذلك فالمؤلف لم يحاول نزع هذه السيرة من سياقها الزمني وعزلها عن تاريخ المرحلة التي عاشها الطريقي وما صاحبها من أحداث وتغيرات سياسية واقتصادية وفكرية كما يفعل كتاب التراجم والسير اليوم بل ناقش كثيرا من الأمور المتعلقة بهذه الشخصية بكل تجرد مستوعبا الظروف السياسية والاقتصادية المحيطة مبديا رأيه في كل ما يذكره فبرزت شخصية المؤلف في كتابه جنبا إلى جنب مع المؤلف عنه وهذا نهج قل أن نراه في جل ما نقرأه في السير ودعك من السير الذاتية النرجسية التي يكتبها أصحابها فلهذه حديث آخر. تحدث المؤلف في مقدمته عن سبب اهتمامه بهذه الشخصية وعن عمله في الكتاب الذي استغرق ثلاثة أعوام وتقدم بالشكر والامتنان لكل من مد له يد العون والمساعدة ولكن لم يبين للقارئ ما واجهه من صعوبات لتكون جوابا على تساؤلات تفرض نفسها كعدم وجود أي وثيقة بخط يد الطريقي مثلا.جاء الكتاب في غاية التنظيم حيث قسمه المؤلف إلى ثلاثة أبواب إضافة إلى الملاحق والفهارس في حين جعل الهوامش في نهايات الفصول والأبواب لكنه استخدم هوامش الصفحات للإشارات الضرورية لتوضيح معلومة ما في متن الكتاب؛والباب الأول هو الجزء الأهم من الكتاب وتضمن سيرة الطريقي ومسيرته من مولده حتى وفاته وجاء في عشرة فصول على مدى 291صفحة وسنبدأ بعرض الكتاب من هذا الباب:

الفصل الأول: عنوانه (على رمال الزلفي) تحدث فيه المؤلف عن الزلفي - مسقط رأس الوزير الطريقي - تاريخيا وجغرافيا وعن أسرة الطريقي ونسبها ورجالاتها تمهيدا للحديث عن مولد الطريقي ابن "الزكرتي" التاجر الرحالة من زوجته الثالثة عشرة في عام 1337ه / 1918م.

الفصل الثاني بعنوان (في أرض الكنانة) وتحدث عن ذهابه إلى مصر للدراسة في سن مبكرة وعمره حوالي 12سنة حيث حصل على المركز الثاني على مستوى القطر المصري في اختبارات المرحلة الابتدائية ثم التحق بثانوية حلوان وتخرج منها عام 1938م وبينما يرى المؤلف ويؤكد عودته إلى مكة المكرمة وإجراء امتحان قبول البعثة ليلتحق بكلية العلوم بجامعة الملك فؤاد متخصصا في الكيمياء والجيولوجيا في ذلك العام فإنه لم يفسر لنا سبب عدم إرساله إلى أمريكا للتخصص في فن الزيوت كما وجه الملك في برقيته المؤرخة في 1357/6/29ه التي تلمح أنه ضمن البعثة في مصر بينما يشير المؤلف تعليقا على البرقية ص 60بأن الطريقي مازال في المرحلة الثانوية نجده في موضع آخر يرى أنه لم يلتحق بالبعثة إلا بعد تخرجه من الثانوية. تخرج الطريقي في كلية العلوم عام 1944م وعاد إلى وطنه وعمل لمدة سنتين ليلتحق بعد ذلك بجامعة أوتاوا في أوستن في ولاية تكساس كأول مبتعث سعودي إلى الولايات المتحدة الأمريكية لدراسة الماجستير في الهندسة الجيولوجية ليعود إلى بلاده مرة أخرى حاملا شهادته في عام 1948م.

الفصل الثالث وعنوانه (في المعترك) ويشمل المسيرة العملية للطريقي بعد عودته من أمريكا عام 1948م حيث وقعت أول الحروب العربية /الإسرائيلية وهو العام نفسه الذي تأسست فيه شركة أرامكو وقسمها المؤلف إلى ثلاث مراحل زمنية مختلفة وأهمها عمله الإداري حيث عمل أولا كمسؤول عن مراقبة حسابات الحكومة على الدخل النفطي من شركة أرامكو في الظهران حيث تكشفت له الكثير من الخبايا التي تؤثر على مصالح الحكومة السعودية ليعمل على تغييرها بعد ذلك من خلال تعيينه مديرا عاما لشؤون الزيت والمعادن عام 1954م /1374ه الأمر الذي جعله يختلف مع شركة أرامكو بقوة بل كشفه لألاعيب شركات البترول المختلفة جعل هذه الشركات تحاربه إعلاميا ولكن لم تمر حادثة العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م /1376ه على الطريقي دون تأكيد لآرائه في كون البترول العربي سلاح رهيب فقد قام بإبلاغ أرامكو بأمر الملك سعود بوقف إمدادات النفط السعودي إلى بريطانيا وفرنسا ولم يحل العام 1958م إلا وقد احتل الطريقي مكانة متميزة على مستوى الوطن العربي.

وبداية من الفصل الرابع وعلى امتداد الفصول الخامس والسادس والسابع تتجلى صورة الطريقي في تلك الفترة بكل وضوح في صحافة بلاده حيث تظهر قدرة المؤلف في استقراء الأحداث وجهده في الرجوع إلى أعداد هائلة من الصحف ليستخرج منها معلوماته ثم يقابل بينها مفندا لها وواعيا بها؛ فمنذ المؤتمر الأول للبترول العربي الذي عقد بالقاهرة 1378/1959ه الذي يمثل نقطة انعطاف في مسيرة الطريقي العملية في صناعة النفط كما أشار المؤلف والطريقي بأطروحاته وتصريحاته في شؤون النفط الشغل الشاغل لوسائل الإعلام العربية والغربية من المؤتمرات النفطية إلى أرامكو واختلافه معها لمصلحة بلاده إلى الاتفاقية اليابانية إلى الأوبك ودور الطريقي الفاعل في تأسيسها إلى التعيين في مجلس إدارة أرامكو إلى الوزارة عام 1380/1960فالمجلس الأعلى للتخطيط إلى خروجه من الوزارة 1381/1962وما تخللها من أحداث مثيرة وقضايا صاخبة كان الطريقي محورها استطاع المؤلف طرقها بإنصاف فرغم إعجابه بهذه الشخصية إلا أنه لم يتجاهل ما أثير حولها من انتقادات حادة وهذا مما يسجل للمؤلف بل هو ما ميز الكتاب عن غيره من كتب السيرة.

وفي الفصول الثامن والتاسع والعاشر يتناول المؤلف المرحلتين الثانية والثالثة من رحلة الطريقي العملية تتمثل الثانية التي تمتد من 1963إلى 1980م في عمله الاستشاري لعدد من الدول العربية المنتجة للنفط واتخاذه بيروت كمنفى اختياري لم يتركه المؤلف يمر دون تعليل حيث يرى أن السبب الرئيس هو عدم استغلاله سياسيا من الناصرية التي كانت علاقتها مع الحكومة السعودية تمر بأزمة خانقة في تلك الفترة فقد جاء في الفصل الثامن ص239: "الذي يجعلني اجزم بأن الطريقي قد سما بنفسه ونأى بها عن المهاترات السياسية هو أن الطريقي لم يكن معارضا سياسيا لحكومة بلاده بل كان مؤمنا إيمانا تاما بشرعيتها وليس بينه وبينها إلا اختلاف حيال ما يجب وما ينبغي أن تكون عليه السياسة النفطية لبلاده وهذا يتضح من خلال قراءة فكر الطريقي وتتبع مقالاته التي كتبها في منفاه...." والحقيقة أنه الطريقي من الأشخاص القلائل الذين لم يستطع عبدالناصر استدراجهم إلى مهاترات جهازه الدعائي وهذا دليل على وطنيته الحقيقية.

ثم يتناول المؤلف إصداره مجلة (البترول والغاز العربي) أو (نفط العرب) كما اسماها أخيرا خلال الفترة (1965-1979م).

أما في الفصل العاشر فيتحدث المؤلف عن المحطة الأخيرة في حياته حيث عاد إلى القاهرة مطلع 1991م برفقة زوجته وابنته هيا التي التحقت في ذلك العام بالجامعة الأمريكية في القاهرة وقضى سنواته الأخيرة فيها خالدا إلى الراحة حتى انتقل إلى رحمة الله عام 1997م ونقل جثمانه إلى المملكة ليوارى في مقابر النسيم ولم يترك المؤلف الخلاف على دفن الجثمان دون توضيح ثم تحدث عن الطريقي الإنسان ومواقفه النبيلة وقصيدة رثاء في الطريقي للدكتور عبدالله الحامد أظنها تنشر لأول مرة ليشير بعد ذلك إلى جائزة عبدالله الطريقي التي قرر مركز دراسات الوحدة العربية إنشاءها باسمه تقديرا من المركز الذي كان من المؤسسين له للدور الوطني والقومي الذي تبناه.

يبقى الباب الأول شاهدا على الجهد المبذول في كتابة هذه السيرة من بحث مرهق في المصادر إلى مقابلات شخصية واتصالات ومراسلات وما ترتب عليها من أسفار من بلد إلى بلد وبذل الوقت والمال في سبيل ذلك ليقدم لنا الكاتب هذا الكم الكبير من المعلومات الموثقة ويحلل فيستنتج ويناقش بل انه صحح بعض المفاهيم الخاطئة عن تلك المرحلة التاريخية ورغم أن الكاتب يميل إلى الاستطراد في بعض الأحيان لكنه استطراد مطلوب لا يخل بهوية الكتاب لارتباطه بموضوعاته ولقدرة الكاتب على الربط بين أجزاء موضوعه وتمكنه من أدوات البحث العلمي لذلك لم يجنح كما يجنح غيره ليظل يدور حول نفسه وينسى موضوعه الذي هو بصدده في حين أراه تعمد عدم الاستطراد في بعض المواضيع ربما لحساسيتها.

وفي الباب الثاني: يقدم الكاتب ملخصا لأهم الأفكار والآراء الجريئة التي طرحها الطريقي في مجلته خلال الفترة من 1965- 1979م بعد مغادرته السعودية والتي تجاوزت المحلية إلى القومية العربية ومنها تأميم النفط العربي وعبدالناصر ومصر وقناة السويس وكيسنجر والتابلاين وشركات النفط والاستعمار الجديد وأميركا وبريطانيا والعرب والأحلاف الإسلامية وثورة ليبيا والخليج العربي وسلاح النفط واليمن الشعبية وغيرها من المواضيع التي سطعها بروح القومية ومبادئها كالوحدة والحرية والاشتراكية ورغم أن الكاتب أشار إلى انه سيعرض للأفكار التي طرحها الطريقي في مجلته إلا أننا نجد أحد المواضيع مقتبسا من مجلة (الحرية) اللبنانية ولا أدري لماذا أراد الكاتب قصر عرضه للأفكار من خلال المجلة؛ إضافة إلى الآراء والأفكار في هذا الباب هناك المراثي حيث قام الطريقي في مجلته برثاء عدد من الشخصيات العربية كابن سليمان والملك فيصل وعبدالله السالم وكمال جنبلاط وغيرهم ثم يختم هذا الباب برسائل عبدالله الطريقي عبر مجلته إلى بعض القيادات كشاه إيران والسادات وغيرهم.

والباب الثالث: يتضمن بعض الشهادات والدراسات التي كتبت عن الطريقي إما بعد وفاته أو بطلب من كاتب السيرة ولعل أهمها دراسة ستيفن داغويد المنشورة في المجلة الدولية لدراسات الشرق الأوسط عام 1970م حيث عمل الكاتب على ترجمتها وتحريرها ونشرها لأول مرة باللغة العربية؛ ويظهر في هذا الباب دور المؤلف في تسجيل هذه الشهادات للتاريخ واختياره للشخصيات التي يطلب منها ذلك.

ومن الملاحظات التي أتمنى من الكاتب مراعاتها ضرورة الربط في ثنايا الكتاب بين التاريخ الميلادي والتاريخ الهجري ليذكرا معا لأن ذاكرة المتلقي السعودي المستهدف من الكتاب تعتمد الهجري ولا تعول على الميلادي كثيرا؛ وكذلك أرى الكاتب لا يلتزم نسقا عاما للتراجم فمرة يترجم للشخصية في المتن ومرة في الحاشية ومرة في الهامش كما لم يترجم لبعض الشخصيات كمهنا المعيبد مثلا الذي جاء مقترنا مع الطريقي في برقية الملك عبدالعزيز وكنت أتمنى من المؤلف التعليق على بعض الازدواج الذي يلحظه القارئ في أطروحات الطريقي كموقفه من التأميم أو أوبك للدلالة على تراجعه عن بعض آرائه.

وأخيرا... إن قراءة حياة الطريقي الذي يستحق أن يكون موضوعا لعديد من الأطروحات والكتب الوثائقية تعني الاطلاع على تاريخ العالم العربي كما قال الدكتور روبرت فيتالس أستاذ العلوم السياسية بجامعة بنسلفانيا الأمريكية ص453؛ ولكن لا ننسى دور الطريقي أيضا في تقديم كاتب سيرة متميز كالأستاذ محمد السيف ينبغي على من يرغب كتابة سيرته من الأحياء الاستفادة منه.

  • عضو الجمعية التاريخية السعودية