عادت إلى ذاكرتي الكثير من صور أيام الدراسة.. وحلاوتها.. وجمالها وأنا أدخل من بوابة مدرسة الفلاح في قلب جدة.. والتي تعتبر أول مدرسة نظامية على مستوى المملكة.

عندما دخلت إلى فناء المدرسة كان مجموعة من الطلاب يمارسون حصة الرياضة.. التي أتذكر عند ما كنت طالباً أنها كانت من أحب الحصص إلى نفوسنا كطلاب لأنها تمنحنا الفرصة في الخروج من جو الفصول والدروس النظرية الجامدة إلى فضاء أكثر حرية وانطلاقاً وتنفيساً للطاقة.

سألت أحد الأساتذة الذين التقيت بهم في فناء المدرسة عن غرفة الأستاذ أحمد العبادي المسؤول عن المدارس.. والذي وفر لي كل المعلومات التي تتحدث عن تاريخ هذه المدرسة العريقة التي تعتبر الانطلاقة الحقيقية للتعليم في المملكة.. وتعكس بعد نظر مؤسسها الشيخ محمد علي زينل - رحمه الله - الذي آلمه تفشي الأمية بين أبناء البلاد، واهمال التعليم من قبل الحكومة!!

فقرر إنشاء هذه المدرسة على نفقته الخاصة وبجهوده الشخصية.. حتى قيل انه اضطر إلى بيع حلي زوجته من أجل فتح هذه المدرسة في بدايات إنشائها.

تأسيس مدرسة الفلاح

عندما تسير في ردهات وممرات هذه المدرسة العريقة تبرز أمامك الكثير من الملامح عن بداياتها.. وكيف كانت منارة للعلم والمعرفة في وقت اهملت فيه الحكومة العثمانية التعليم في هذه البلاد.. من خلال الصور التي علقت على جدرانها عن أهم الشخصيات التي زارت هذه المدرسة والعديد من طلابها الذين تخرجوا منها والذين يمثلون الرعيل الأول للمتعلمين في بلادنا.. ومنهم الكثير من الأسماء التي حملت على عاتقها العديد من المسؤوليات الهامة عند قيام الدولة السعودية في الوزارات المختلفة.. بالإضافة إلى ان معظم خريجي هذه المدرسة يمثلون عدداً من رموز جدة الاقتصادية والاجتماعية والأدبية.

لقد بدأ مولد مدرسة الفلاح بجدة في غرفة في أحد منازل جدة القديمة، لأن الحكومة العثمانية لا تسمح بافتتاح المدارس إلاّ بتصريح منها.. ولم يكن وقتها الشيخ محمد علي زينل قد حصل على التصريح بفتح هذه المدرسة.. وحتى لا يغضب الوالي التركي فقد بدأ هذه المدرسة بعيداً عن نظرهم حتى يتحصل على التصريح.. وفي تلك الغرفة كانت الدراسة تبدأ من صلاة المغرب إلى العشاء حيث يقوم أحد المعلمين بتعليم الطلاب القرآن الكريم ومبادئ القراءة والكتابة وكان هؤلاء الطلاب هم النواة الأولى لطلاب المدرسة فيما بعد.

لماذا الفلاح؟!

بعد حصول السيد محمد علي زينل على تصريح من الحكومة التركية بفتح المدرسة اشترى مبنى في الموقع نفسه الحالي للمدرسة بين سوق البدو وباب مكة، وتم افتتاح المدرسة رسمياً في عام 1323ه .. وعن سبب تسميتها بمدرسة الفلاح ذكر لي القائمون على المدرسة انه جاء من منطلق التفاؤل والتيمن بالفلاح المطلوب والذي يردده المؤذنون مع النداء لكل صلاة بقولهم "حي على الفلاح.. حي على الفلاح".

وقد مرت المدرسة منذ إنشائها وحتى اليوم بعدة مراحل من التطور والتجديد حتى أصبحت على ما هي عليه الآن بعد تجديد وتوسيع مبانيها، حيث تضم حالياً المرحلة الابتدائية والمتوسطة والثانوية.. وقد تخرج من المدرسة عبر السنوات أفواج عديدة من الطلاب منهم الأدباء والعلماء والمفكرون ومنهم من تولى أعلى المراكز والمناصب القيادية في المملكة منذ توحيدها على يد الملك عبدالعزيز آل سعود - طيب الله ثراه - .

دعم الملك عبدالعزيز للمدرسة

من أهم المرافق في جدة التي حرص الملك عبدالعزيز آل سعود (رحمه الله) على زيارتها عند دخوله جدة مدرسة الفلاح، لما لها من دور كبير في مجال العلم والمعرفة، وهي من أهم الجوانب التي كانت تهم موحد المملكة لبناء الدولة البناء الذي يخرج بها من حالة التأخر والجهل الذي عاشته قبل التوحيد.. وقد مرت المدرسة في مرحلة من تاريخها بصعوبات مالية قاسية، وذلك بعد ان عانى مؤسسها من صعوبات في تجارته التي كان ينفق منها على المدرسة.. وعندما علم الملك عبدالعزيز بذلك أمر بفرض رسم جمركي بنسبة 1% على جميع الطرود الواردة إلى موانئ المملكة لتكون حصيلة ذلك لصالح مدارس الفلاح، وعرف ذلك بمشروع القرش.. ويقدر البعض متوسط الوارد لمدارس الفلاح سنوياً بنحو مليون ريال.. واستمر ذلك حتى نهاية عام 1376ه ، واستبدلت بمساعدة مالية سنوية تقدمها وزارة المعارف - سابقاً - ، ثم احتضنت الوزارة مدارس الفلاح من الناحية المادية كما الناحية التعليمية، وقدمت لها ما ينقصها من مدرسين أكفاء ولوازم أخرى.

تغريم والد الطالب

لقد كان اهتمام السيد محمد علي زينل مؤسس مدارس الفلاح بالعلم فوق العادة.. خاصة إذا ما قورن بالوقت الذي أسست فيه هذه المدرسة والذي كان الناس فيه لا يولون اهتماماً كبيراً لتعليم أبنائهم.. فقد كانت هذه المدرسة بمثابة "الرصاصة الأولى" التي أطلقت على الأمية في جدة.. وبداية عهد جديد للعلم والمعرفة في هذه المدينة.. ومكاناً يجد فيه أبناء جدة رافداً حضارياً متميزاً للعلم بعد "عهد الكتاتيب" التي كانت تعتمد على ملكة الحفظ فقط بالدرجة الأولى. وقد أخبرني الأستاذ يوسف أحمد عبدالفتاح المشرف في المدرسة منذ أكثر من 40عاماً: إن اهتمام مؤسس المدرسة السيد محمد علي زينل - رحمه الله - بالعلم وصل لدرجة لا يمكن أن يتخيلها أحد. وكان إذا بلغه وهو في الهند يتابع تجارته أن أحد طلاب المدرسة قد ترك الدراسة ولم يستكمل جميع المراحل المقررة يتألم كثيراً.. ويرسل رسالة بخط يده لمدير المدرسة آنذاك يلوم فيها المدير .. ويأمره بالذهاب إلى والد ذلك الطالب ويرجوه إعادة ابنه للمدرسة.

وحتى يضع السيد زينل - رحمه الله - حداً لمثل هذه التسربات، وضع شرطاً جزائياً يلزم كل أب يخرج ابنه من المدرسة قبل إكمال تعليمه بدفع أربعين جنيهاً عثمانياً للمدرسة عقاباً له.. كما كانت المدرسة تقدم جوائز نقدية للطلاب المتفوقين شهرياً عبارة عن جنيه ذهب.

كما أن المدرسة ساهمت في ابتعاث عدد من طلابها المتفوقين لإكمال دراستهم في مصر والهند.

أكثر من 1300طالب

تضم مدرسة الفلاح في الوقت الحاضر بمراحلها الثلاث أكثر من 1300طالب.. وقد تم تزويد المدرسة بكل الإمكانات العلمية والتعليمية التي تخدم الطالب وتضم مبانيها المجددة العديد من معامل العلوم والفيزياء والكيمياء والحاسب الآلي واللغة الإنجليزية.. كما أن كل مرحلة دراسية مستقلة عن الأخرى، وفي مبنى مستقل.. وتضم المدرسة مختلف الأنشطة التي يحتاجها الطلاب.

ويبلغ عدد المعلمين في المدرسة مائة معلم لجميع المراحل.. بالإضافة إلى عدد من العاملين في الجهاز الإداري، والمشرفين على المكتبة التي تعتبر من أثرى المكتبات على مستوى جدة، حيث تحتوي على أكثر من عشرة آلاف كتاب في مختلف العلوم والفنون.. بالإضافة إلى أكثر من مائة وعشرين مخطوطاً في التراث والعلوم الدينية يعود تاريخها لأكثر من (170) عاماً.. بالإضافة إلى عدد كبير من الكتب المهداة للمدرسة .. أو عملوا فيها على مر السنين منذ إنشائها.

ويذكر أن أول مدير تولى مدرسة الفلاح بجدة عند إنشائها هو السيد محمد حامد الحسيني من عام 1324- 1326ه، وجاء بعده السيد إبراهيم مهدي، والذي تدرج في العمل في المدرسة منذ اثنين وثلاثين عاماً مدرساً ثم وكيلاً ثم مديراً.

وأوضح الأستاذ مهدي أن مبنى المدرسة الابتدائية هو الذي يمثل المبنى الجنوبي للمدرسة.. وهو النواة الأولى للمدرسة.. وتعلوه عدد من القباب .. وفي القبة الكبرى كانت تقام مراسم تخريج الطلاب.. حيث يتدرج الطالب في التعليم حتى يصل للقبة ويصبح عندها مكملاً لجميع المراحل الدراسية.. فإذا كان من المتفوقين فإن مؤسس المدرسة السيد محمد علي زينل يحرص على ابتعاثه لإكمال تعليمه في مصر أو الهند.. وقد أرسلت المدرسة عدداً من متفوقيها في بداية عهدها لإكمال دراساتهم.

تاريخ جدة وأبنائها

ليست مدرسة الفلاح في قلب جدة التاريخي مجرد مدرسة فقط.. وإنما هي معلم حضاري من معالم هذه المدينة وجزء من تاريخها الحديث الذي تجسد مدرسة الفلاح أحد علاماته البارزة بما قدمته لأجيال هذه المدينة في وقت كانت فيه البلاد تعاني من عجز ونقص كبير في التعليم السليم المبني على أسس علمية وتربوية متطورة حرص عليها السيد محمد علي زينل -يرحمه الله - عند إنشاء هذه المدرسة.

وقفت طويلاً أمام بوابة مدرسة الفلاح القديمة من الجهة الجنوبية أطالع أبيات شعر نقشت على ذلك الباب العتيق وفيها يصف قائلها فرحة أهالي جدة بإنشاء هذه المدرسة .. وأنها تعتبر ميلاداً جديداً لهذه المدينة التي كانت تعتمد على الكتاتيب البسيطة التي لم تكن تعلم .. وإنما تلقن فقط.

ولا شك أن الرعيل الأول الذي عاش ميلاد وإنشاء هذه المدرسة يعرفون جيداً قيمتها ودورها الحيوي الذي لعبته في حياة أبناء هذه المدينة .. والتغيير الذي أحدثته في المجتمع.. وما قدمته لهذه الأجيال من علم ومعرفة.. حيث استطاعت أن تسبق العصر الذي هي فيه من خلال بعد نظر مؤسسها والذي ساهم في ابتعاث أول بعثة علمية إلى الهند عام 1348ه أي قبل توحيد المملكة.. وكانت البعثة تتكون من عشرين طالباً من خريجي المدرسة آنذاك. لقد ارتبط اسم جدة علمياً بهذه المدرسة.. فلا يكاد يأتي الحديث عن التعليم في جدة.. حتى تصبح هذه المدرسة العريقة حاضرة بقوة في أذهان أبناء جدة من أجيال الأمس.. وأجيال اليوم.