تمر الأعوام تتلوها أعوام ولكن عبق العظماء راسخ في العقل وثابت في القلب نتداوله كل يوم من خلال تلك الكتب التي يتركها أو من خلال التاريخ الذي يشهد له بذلك العلم النافع، وعندما نتحدث عن محافظة الطائف فأول ما يتبادر إلى الذهن ذلك العّلامة والمؤرخ والمفكر العظيم ورمز من رموز الطائف الشيخ محمد سعيد كمال رحمه الله الذي يعرفه الجميع من أبناء المحافظة المثقفين وغيرهم فهو كالمرجع الذي يستقى منه العلم الموثق الذي بذل قرابة ثمانين عاما في جمعه وتأليفه وتنقيحه بين حل وترحال، وهو ثروة ونبراس للطائف ومن رجالاته العظماء لا تختلف مكانته عن مكانة الفاتحين والقادة لأنه قاد الفكر نحو آفاق العلم وفتح الأذهان المغلقة على بحر من العلوم النافعة وساهم بتغذية عقول النشء الذين هم الآن كتاب وأدباء ومثقفو المملكة البارزون، فنتاج ذلك العلامّة فيض غزير أردنا أن نقف معه وقفة وفاء لتذكير هذا الجيل بمناسبة عام جديد بأن هناك من رحل ولكن بشخصه وعلمه وفضله وعطائه لهذا الوطن لم يزل.

نبذة عن حياته

ولد رحمه الله في عام 1335ه في مدينة الطائف من أسرة متميزة بالعلم وتخرج من مدرستها السعودية الابتدائية عام 1348ه، وأكمل تحصيله العلمي في حلقات المساجد فلم تكن آنذاك معاهد ولا كليات ولا جامعات، حيث التحق كمعلم بالمدرسة الابتدائية بالطائف عام 1354ه وتدرج في سلك التعليم وخلال عمله في التدريس قابله مدير مدرسة الأمراء النموذجية بالطائف والذي كان مخولا من الأمير فيصل بن عبد العزيز "الملك فيما بعد "لاختيار مدرسين من مدرسة الأمراء النموذجية وعرض عليه الانتقال للتدريس في المدرسة النموذجية، وفعلا انتقل للتدريس بها اعتبارا من 1367ه إلى عام 1372ه حيث رشح مديرا للمدرسة السعودية الابتدائية بالطائف لمدة سنة واحدة ولكنه استقال بعدها وتفرغ لمكتبته التي أنشأها وسماها (مكتبة المعارف)كما يعتبر من مؤسسي النادي الأدبي بالطائف ومن رواده الذين ساهموا بازدهاره وتطويره.

مكتبة المعارف

تعتبر مكتبة المعارف أول مكتبة تنشر الثقافة والمعرفة في وقت كان لا يوجد فيه مكتبة على ذلك المستوى حيث أسسها عام 1367ه إلى أن أصبحت من أفضل وأقدم المكتبات في المملكة العربية والسعودية، وكانت بمثابة المنتدى الذي يجتمع فيه طلاب العلم والمهتمين بالمعرفة للمناقشة والاستماع والاطلاع على المسائل العلمية والفقهية وكان بمثابة النواة الأولى للنادي الأدبي بالطائف، وكان يرتادها كبار العلماء والأدباء والفقهاء والمؤرخين إما لصلة الصداقة التي تربطهم بالشيخ محمد سعيد كمال وإما للإطلاع على الكتب النفيسة، فكان الكثير من طلاب دار التوحيد أو غيرها من معاهد العلم يقصدون مكتبته للاستنارة بتلك العلوم والمعارف، أثناء المناقشات التي تدور حول آراء الأئمة والمناقشات الشرعية في الكتاب والسنة وكان بمثابة الأب للجميع فلم يبخل بعلمه ولا بمحتويات كتبه بل جعلها في متناول أيدي الجادين من الشباب الشغوفين بالعلم لأنه يدرك بأن هؤلاء الشباب هم أدباء وعلماء وفقهاء المستقبل فكان حس المواطنة الصالحة يتغلغل في عطائه وبارز في نتاج حصاده وعقله وجمعه وتنقيحه لتلك الكتب لأولئك الشباب، وتلك المكتبة عبارة عن جامعة مفتوحة حيث تحتوي على حوالي 500ألف مجلد، وبالمكتبة الكثير من المجلات القديمة مثل مجلة المنار والمحاماة ومعهد المخطوطات والعرب والعربي والكشكول واللطائف المصورة والمصور والبيان العربي والرسالة والثقافة وغيرها..

كتبه ومؤلفاته

كان رحمه الله متفانيا في حب العلم منذ صغره، أفنى حياته في الدراسة والبحث والتحقيق ونشر المعرفة عبر كل وسيلة متاحة، فعندما تفرغ للتأليف قام بتأليف الكتاب المدرسي الذي كانت الحاجة إليه في ذلك الوقت وكانت مكتبته والتأليف المدرسي يقتضي سفره إلى مصر لطباعة الكتب، ويمكث بها فترة قد تصل إلى أربعة شهور وتفرغ لمكتبته، فألف ثمانية وعشرين كتابا مدرسيا للمرحلة الابتدائية وعندما أسهم غيره في هذا الميدان ترك التأليف المدرسي وانصرف إلى طباعة الكتب الأدبية والعلمية السلفية، ومن مؤلفاته كتاب الإنشاء في المراسلات والوثائق، كتاب المناظرات بين الفحول من علماء الإسلام وأعلامه، آثار الطائف (مخطوط) كتاب الأمالي لقواعد الإملاء، الفنون والألعاب الشعبية بالطائف (مخطوط) النسابون ومؤلفاتهم (مخطوط)قبيلة ثقيف ورجالها(مخطوط)، المرأة في عادتها الشهرية(مخطوط)، الطائف في كتب المؤرخين، إعراب "واذكر في الكتاب إسماعيل"، شرح ديوان البرعي، والتنبيه على ما فيه من مآخذ، الطائف -جغرافيته-تاريخه-أنساب قبائله، مقدمة في الحب والكتب المؤلفة فيه، كتاب مقدمة في أصول الفقه الظاهري وغيرها مما لا يسعنا ذكرها لغزارة إنتاجه.

الكتب التي قام بجمعها وتحقيقها

قام رحمه الله بجمع وتحقيق رسائل قيمة ونادرة في بضعة عشر مجلدا تحت عنوان (المجموعة الكمالية) وهي أكبر موسوعة تراثية في هذا الميدان، وتشمل كل مجموعة على علم من العلوم، ويضع لكل مجموعة مقدمة إضافية تشمل حياة المؤلف والمؤلفين، وما يتصل بعلمهم إضافة إلى الحواشي والتعليقات، فالمجموعة الأولى عن المصاحف والقرآن وأصول التفسير، والمجموعة الثانية في العقائد والتوحيد وتشمل اثني عشرة رسالة والمجموعة الثالثة في الاجتهاد والتقليد، وهكذا تتنوع المعارف في هذه المجموعة حيث بلغت خمسة عشر مجلدا، من أبرزها تحفة اللطائف في فضائل الحبر بن عباس ووج والطائف لابن فهد، كما اشتغل رحمه الله بتدوين شعر البادية وقام بجمعه في ثمانية عشر جزءا ويعتبر ما جمعه أكبر موسوعة شعرية نبطية وعنوان المجموعة ( الأزهار النادية من أشعار البادية)وكان رحمه الله محققا جيدا بحكم ثقافته وسعة اطلاعه وقدرته على التحقيق ومعرفته بالمواقع وقدرته على تحديدها.

نماذج من أشعاره

لم يكن الشيخ محمد سعيد كمال رحمه الله جامعا للشعر، أو محققا لبديعه ومختاراته فقط بل كان يقول الشعر فصيحا ونبطيا، ومن شعره قوله في مناسبة زيارة الملك فيصل بن عبد العزيز لمدينة الطائف:

بشرى قدومك فرحة أعطى لها

ما للمواسم حسنها وجمالها

وإذا الملوك تقابلوا في محفل

لاشك كنت ضياءها وهلالها

لك عزمة ما كل عزمات الورى

لو صح منها ما يسد مثالها

وله قصائد غزلية يقول فيها:

ألا في سبيل ما صنع الحب

بنا وبهم والعيش أوله خصب

تكانفني الأحباب من كل جانب

وذاك الحمى زاه ومنزله رحب

ولم أنس ما أنس ابتسامتها التي

أضاءت بها الأكناف وانشرح القلب

تساقط در حين تملي كلامها

وتفعل بالألحاظ ما يفعل الغضب

مما قيل عنه سابقا

@قال عنه علامة الجزيرة الشيخ حمد الجاسر رحمه الله في جريدة عكاظ ("قال الله تعالى"كل نفس ذائقة الموت. ومحمد سعيد كمال ليس خسارة لأهله وأهل الطائف بل هو خسارة على كل من عرف الرجل وعرف علمه، وعرف تقواه وصلاحه، وما كان يبذله من جهد عندما كان يتولى وظائف التعليم، فهو من رجال التعليم البارزين....).

@@كما قال عنه الأستاذ علي حسن العبادي رئيس نادي الطائف الأدبي آنذاك عند وفاته (عرفت الفقيد الشيخ محمد سعيد كمال يرحمه الله منذ أكثر من خمسة وأربعين عاما من خلال عملنا سويا في التعليم، إضافة إلى مزاملتي له في النادي الأدبي، وقد كان بالنسبة لي أستاذا كريما، وأخا وفيا، ومربيا فاضلا، وعرف بالتقوى والحرص الشديد على التقرب إلى الله في كل عمل....).

وهناك مئات الأدباء الذين تحدثوا عنه وأشادوا به وهو غني عن التعريف ولكن لا تسع المساحة لإيفائه بعضا من حقه.

وفاته

توفي رحمه الله عصر يوم الأحد الموافق 19-11- 1416ه حيث شيعت مدينة الطائف ابنها ومؤرخها وأديبها وناشرها الشيخ محمد سعيد بن حسن كمال عن عمر جاوز الواحد و الثمانين عاما قضاها معلما وباحثا وناشرا حتى عمت شهرته الآفاق ولازال للآن موجوداً بيننننا بعلمه فالاحتفال بالعام الجديد لابد أن يتضمن تقدير الثروة الثقافية التي بنينا عليها الكثير من العلوم فرحمة الله عليه وبارك الله في أعمار علمائنا وفقهائنا فهم ثروتنا الحقيقية وتاريخنا الذي لا نستغني عنه.