كنا تناولنا في الجزء الأول أن بني هلال بن عامر من قبيلة هوازن هم أصحاب التغريبة وكانت منازلها في نجد والحجاز ومع بطون هوازنية أخرى، وما يقع فيه العامة من خطأ حيث ينسبون كل أثر قديم لبني هلال، وما ورد في تعقيب العرفج والذي اعتمد على بامحرز زاعماً أن بني هلال بن عامر من اليمن، نستكمل اليوم تفنيد ذلك.

يقول بامحرز "إن بعضاً من كتب السيرة الهلالية المتداولة في المكتبات بمختلف الأمصار العربية كالقاهرة ودمشق وغيرها يرد فيها ما يفيد بأن بني هلال قد مرت بوادي بيشة وهي في طريق رحلتها وتغريبتها المشهورة، وأهالي بيشة وحكامها في ذلك العهد هم بنو الخفاجي" أ ه.

أقول إن الكتب التي أشار لها في القاهرة ودمشق في روايات من صنع حكواتية المقاهي ولا تعتبر مرجعاً يعتمد عليه في إثبات الحقائق التاريخية، سبق وبينا ذلك في أعداد سابقة، أما من ناحية قبيلة خفاجة فهم بنو خفاجة بن عمرو بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر. قال عنهم (ابن خلدون) كان انتقالهم إلى العراق فأقاموا به وملكوا ضواحيه وجاء في (اتحاف الورى) لابن فهد في 1402ه أن حماد بن عدي الخفاجي اعترض حجاج العراق في عودهم وحبسهم بالعقبة ولم يسلم منهم إلا من تخفر ببني خفاجة، وذكر ابن خلدون في عام 417ه "كانت الفتنة بين قرواش وبين أبي أسد وخفاجة لأن خفاجة تعرضوا لأعماله بالسواد فسار إليهم من الموصل وأميرهم أبو الفتيان منيع بن حسان.. والتقوا بظاهر الكوفة وهو يومئذ لقرواش فخام قرواش عن لقائهم وأجفل ليلاً للأنبار. واتبعوه فرحل عنها إلى حلله واستولى القوم على الأنبار وملكوها. ثم وقعت الحرب بين قرواش وبين خفاجة ثانياً وكان سببها أن منيع بن حسان أمر خفاجة وصاحب الكوفة سار إلى الجامعين بلد دبيس ونهبها" وهذا يتطابق مع ما تواتر بأن بني هلال عندما انتقلوا من نجد مروا بخفاجة في أطراف العراق في القرن الخامس الهجري، وصحبهم في رحلتهم عامر الخفاجي وفي ذلك قصيدة لشويلة أم عامر الخفاجي منها:

لا واهني الناس في نومة العشا

ونومي على سلم وشوك نقيع

لا وا ولدي حاكم ثمانين قريه

ومكيالها مد العراق يريع

قال العرفج "موطنها الأصلي في شبوة، ولم يبق بها حالياً سوى ثلاثة بطون هم النسيّين وآل خليفة والنمارة، وفي حضرموت آل ماضي، وفي نجران يوجد بطنان هما من النسّيين وآل خليفة".

وأقول إن بني هلال الذين تتكلم عنم في اليمن ليسوا بني هلال بن عامر بن صعصعة أصحاب التغريبة وقد ذكر المؤرخ اليمني النوحي في كتابه (إدراك الفوت في أنساب أهل حضرموت) "بنو هلال قبيلة من كندة، لها بقية، ويخلط بعض المؤرخين بينهم وبين بني هلال بن عامر القبيلة الحجازية المهاجرة إلى شمال أفريقيا (تاريخ حضرموت السياسي ج 2ص 236)، (ملاحظات ص 15)، (جواهر الأحقاف ج 2ص 153) وبقية هذه القبيلة الكندية أربعة بطون هم: آل خليفة، النسييون وهم في وادي مرخا، آل النمارة في وادي جردان، آل ماضي في وادي عمد "الشاطري ج 2ص 373".

وكذلك نجد المؤرخ اليمني يحيى بن الحسين بن القاسم في كتاب (غاية الأماني في أخبار القطر اليماني) لم يترك شاردة أو ورادة في تاريخ اليمن إلا ذكرها ولم يشر من بعيد أو قريب إلى أن بني هلال بن عامر بن صعصعة من أهل اليمن.

وكذلك لم يذكرهم السلطان عمر بن يوسف بن رسول في كتاب (طرفة الأصحاب في معرفة الأنساب) والذي ألفه في القرن السابع الهجري. وهو القريب العالم بأنساب أهل اليمن، أما المقحفي فهو مؤرخ معاصر وقد اعتمد على الهمداني في جزئية وأضاف عليها من عنده وأما الهمداني في الإكليل فقد أشار إلى أن هناك بني هلال حضرموت بطن من كندة ثم بنو هلال بطن من قبائل خولان من قضاعة ديارهم في جبل مران من أعمال حيدان بصعدا، ثم بنو هلال من قبائل حجور ولهم بقية في حرجة أبو زيد إحدى قرى مركز قطبة.. وغيرهم ولم نجد أن المقحفي أو الهمداني نسب أياً منهم في هوازن وبالتالي هم ليسوا أصحاب التغريبة في حين نجد الهمداني في كتابه (وصف جزيرة العرب) يعدد منازل بني هلال بن عامر الهوازنية في شرق الطائف ونجد.

كذلك نجد النسابة اليمني المعروف ابن جندان في كتابه (الدرر والياقوت في معرفة بيوتات عرب المهجر وحضرموت) قد فرَّق بين بني هلال بن عامر الذين قبائلهم متفرقة في الحجاز ومنهم من نزل بأرض المغرب وبلاد أفريقية وبين هلال مذحج من بني النخع من قبائل كهلان الذين سكنوا باليمن وبلاد العواليق إلى وادي جردان وبيحان ومنهم آل ماضي بالهجرين أما هلال قضاعة فمنهم جماعة بوادي عمد.

ولقد حفظ لنا التاريخ منذ الجاهلية حتى اليوم أماكن وأحداثاً ونصوصاً أدبية نستطيع أن نستدل بها على تواجد بني هلال بن عامر ونسبهم، ولم نجد لليمن فيها شأناً، في الجاهلية نجد بني هلال اشتركت مع قبيلتي هوازن في حروب ومعارك في نجد والحجاز كيوم النباع والرقم ويوم حاجر والخنان والرحرحان وشعب جبلة وحروب الفجار وغيرها وكان آخرها في يوم حنين، ومن بني هلال أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث ولبابة الكبرى أم عبدالله بن عباس ولبابة الصغرى أم خالد بن الوليد وكذلك منهم الشاعر والفارس حميد بن ثور الهلالي ثم إن الأصمعي ذكر في القرن الثاني الهجري أن جل بني هلال في الحجاز، كما جاء في تاريخ الطبري "أن بغا الكبير قدم المدينة في شعبان سنة 230ه وشخص إلى حرة بني سليم لأيام بقين من شعبان فلقي بني سليم ببعض مياه الحرة وكانت الوقعة بشق الحرة من وراء (السوارقية) وهي قريتهم التي كانوا يأوون إليها.. ثم شخص إلى مكة حاجاً في ذي الحجة فلما انقضى الموسم انصرف إلى ذات عرق ووجه إلى بني هلال من عرض عليهم مثل الذي عرض على بني سليم.. ورجع من ذات عرق وهي مرحلة من البستان بينها وبين مكة مرحلتان" وذات عرق: تنسب إلى جبل يعلوه عرق أسود، وهو أعلى قمة في المنطقة، ويعرف الآن بالضريبة ويبعد 100كم عن مكة وهو ميقات أهل العراق ومن مر بها. وجاء عند الحموي وأما أعلى نخلة ذات عرق فهي لبني سعد بن بكر الذين أرضعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك ذكر أبو إسحاق إبراهيم الحربي من القرن الثالث الهجري "وذات عرق لبني هلال". ثم في أواخر القرن الثالث الهجري نجد قبائل بني هلال وبني سليم وبني معقل، وغيرهم، كانت في جيش القرامطة، وجاء في القرن الرابع الهجري عند الهمداني في كتابه صفة جزيرة العرب "عكاظ بمعكد هوازن وسوق العرب القديمة وهي لبني هلال كما جاء وادي جلدان منقلب إلى نجد في شرقي الطائف يسكنه بنو هلال" و"رنية وتربة بين ديار بني هلال".

ويقول حمد الجاسر (رحمه الله) عن بني هلال بن عامر "منازلهم متداخلة في منازل بطون هوازنية من قومهم ومن مياههم في صدر الإسلام مران وعن وهذان الماءان يقعان شرق ركبة في طرف حرة كشب وعن يقع جنوب جبل حضن على مقربة منه".

وجاء في (البداية والنهاية) وفي (اتحاف الورى) في سنة 395ه أن خفاجة أخذت حاج العراق وفي سنة 399ه لم يحج الركب العراقي لأنهم رجعوا من الطريق خوفاً من ابن الجراح الطائي وأما ركب البصرة أجارة بنو زغب الهلاليون وكان حاج البصرة ستمائة رجل. ثم إن الإدريسي يذكر في (تحفة المشتاق) "أن الغالب على نواحي مكة مما يلي الشرق بنو هلال وبنو سعد". والإدريسي نقل معلوماته عن بلاد العرب فيما يظهر عن أحمد بن أنس العذري الذي أقام في مكة بضع سنوات في آخر العشر الأولى من القرن الخامس الهجري وأول العشر الثانية.

أقول وهذه ما زالت منازل من بقي منهم حتى اليوم، ثم تحفظ لنا كتب التاريخ مسيرتهم إلى شمال أفريقية بدءاً من أحداثهم مع الشريف شكر أبو الفتوح زوج الجازية أخت حسن ابن سرحان والذي تولى إمارة مكة في 430ه يقول ابن خلدون "وهم متفقون على الخبر عن حال هذه الجازية والشريف خلفاً عن سلف وجيلاً عن جيل ويكاد القادح فيها والمستريب أمرها أن يرمى عندهم بالجنون والخلل المفرط لتواترها بينهم" ثم يذكر ابن فهد في اتحاف الورى سنة 440ه "وفيها كان بمكة غلاء وبلاء" ويستمر الغلاء والجوع حتى سنة 450ه وخلال هذه السنوات كانت هجرة بني هلال إلى شمال أفريقية. ويقول شاعرهم:

هذي ثمان سنين ما لاح بارق

ولا مزنة غرا ولا بذار

ويقول شاعر آخر يذكر رحيلهم من (اللوى، وزرود) وعند ياقوت الحموي "زرود رمال بين الثعلبية والخزيمية بطريق الحاج من الكوفة" وما زالت معروفة بهذا الاسم وبها بئر بهذا الاسم كان مورداً للبادية وهي في منطقة حائل واللوى هو ما يعرف الآن ببقعاء جنوب غرب زرود.

احلنا ولا خلينا في نجد حسوفه

سوى عيلم بين اللوى وزرود

ألفين وردوا الماء والفين صدروا

وألفين ما بين العدام ورود

والعدد المذكور في البيتين ستة آلاف يقارب ما ذكرته كتب التاريخ في أن بداية وصولهم لأفريقيا كانوا في عدد قليل لا يتجاوز ثلاثة آلاف فارس واستمر تزايدهم حتى بلغوا في السنة الأخرى سبعة آلاف فارس وخمسمائة وفي أول رمضان من عام 449ه دخل بنو هلال القيروان، وكان من رياح وزغبة ومعقل وجشم والأثبج وغيرها أن اقتسمت أفريقية، ثم إن خلدون يذكر دريد وأنهم أعز الأثبج وكانت لهم الرياسة عند دخولهم لأفريقيا لحسن بن سرحان ابن وبرة. ويقول شاعرهم:

دريدات سراة البدو للجود منقع

كما كل أرض منقع الماء خيارها

وهم غربوا الأعراب حتى تغربت

بنوا في المعالي ما بنوا في قصارها