• انت الآن تتصفح عدد نشر قبل 2693 أيام , في الجمعة 3 ربيع الآخر 1428هـ
الجمعة 3 ربيع الآخر 1428هـ - 20 أبريل 2007م - العدد 14179

ضعف الطلاب في اللغة العربية: إدراك المشكلة وتأخر العلاج

د. صالح عبدالعزيز النصار

    في الوقت الذي أعمل فيه على إنجاز بحث عن أدوار معلمي اللغة العربية في معالجة ضعف الطلاب في اللغة العربية، كنت أتابع - بكل إعجاب وتقدير - ردود أفعال بعض الغيورين ومحبي اللغة العربية عبر هذه الصحيفة على موقف وزارة التربية والتعليم المتضمن السماح للمدارس الأهلية بالتدريس بأية لغة تشاء، ولا حرج أن تكون اللغة العربية في ذيل اختيارات تلك المدارس التي تظن - وبعض الظن إثم - أن التدريس باللغة العربية يؤخر انطلاقتها العلمية والتقنية. يحدث هذا التوجه من وزارة التربية والتعليم في الوقت الذي يشهد التربويون في مدارس التعليم العام، وفي الجامعات، ضعفاً ملحوظاً في أوساط الطلاب في اللغة العربية؛ ضعفاً علمياً ووظيفياً: في القراءة والكتابة والتعبير والاستيعاب والتواصل، وفي تحصيل علوم اللغة العربية، وفي الإقبال عليها. وقد تضمنت نتائج البحث المشار إليه في صدر هذا المقال اتفاق معلمي اللغة العربية في المرحلتين المتوسطة والثانوية في مدينة الرياض على أن طلابهم ضعاف فعلاً في اللغة العربية وإن كان هذا الضعف بدرجة متوسطة وليست كبيرة من وجهة نظرهم.

وفي الحقيقة، فإن الصيحات لا تزال تنطلق في أرجاء العالم العربي تشكو كثرة الأخطاء اللغوية التي يرتكبها تلاميذ المدارس وطلاب الجامعات في مختلف نشاطاتهم اليومية، ويقع فيها خريجو الجامعات في المؤسسات الحكومية والأهلية، وفي الميدان التعليمي بمختلف مستوياته وفي الإعلام بوسائله المتعددة، مما جعل الحال تسوء يوما بعد يوم، وتزداد الحاجة إلى معالجة هذه الظاهرة على مختلف المستويات. يقول محمود عمار "أصبح الخطأ في اللغة هماً يؤرق جفون المهتمين والمعلمين وأولياء الأمور، وأساتذة الجامعات، والغُيُر من أبناء الأمة، وضجت الشكوى من هذا الضعف في كثير من البلدان العربية، وتنادت الصحف، والندوات، والمؤتمرات، والمجامع بأن هذا الضعف أصبح بدرجة يهدد اللغة العربية واقعاً ومستقبلاً، يُخشى منه على الأمة، وشخصيتها، وعقيدتها، وكيانها، وصلتها بتراثها وجذورها".

وقد أكد ضعف الطلاب في اللغة العربية الباحثون الذين قدموا دراسات علمية عدة منشورة في مجلات علمية، وعبر منابر المؤتمرات والندوات المتخصصة، التي من بينها ندوة "ظاهرة الضعف اللغوي في المرحلة الجامعية" التي عقدت في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في العام 1416ه. فقد جاء في تقديم مدير الجامعة آنذاك - الدكتور عبدالله الشبل - عن سبب إقامة تلك الندوة قوله: "وعندما رأى المعنيون في الجامعة والمختصون في اللغة العربية أن هناك ظاهرة غير طبيعية في لغة بعض الطلاب تمثلت في ضعف الأداء لديهم وصعوبة تطبيق بعض القواعد وشيوع بعض الأخطاء، اقترحت الجامعة عقد ندوة لدراسة هذه الظاهرة ومحاولة إيجاد الحلول لها، يشارك فيها علماء اللغة والمختصون في فروعها وأساتذة الجامعات والمعنيون في المؤسسات التعليمية والتربوية في داخل هذه البلاد".

وقد تعددت أسباب ظاهرة ضعف الطلاب في اللغة العربية فهناك من يرى أنها نتيجة انتشار العامية في الوطن العربي، وهناك من يرجعها إلى ثنائية اللغة بين المدرسة والبيت والشارع. ومن الباحثين من يرى أن ضعف الطلاب في اللغة العربية إنما هو بسبب سوء تصميم المناهج المدرسية، كما أن الكتب المدرسية ينقصها عنصر التشويق والارتباط بواقع الطلاب وحياتهم ومتطلباتهم، وتأخر أساليب تقويم الطلاب، وهناك من يقول إنها تعود إلى المعلم وتأهيله وطريقة تدريسه، ومنهم من يرجعها إلى الطالب نفسه وعدم جديته ورغبته في إدراك المهارات الأساسية في اللغة العربية، وهناك من يحمل الإعلام ووسائله المختلفة مسؤولية هذه الظاهرة الخطيرة.

أخيراً، فتلك هي أهم الأسباب العامة لضعف الطلاب والطالبات في اللغة العربية، ومساحة المقال تضيق عن التوسع في ذكر نتائج عدد من الدراسات حول هذا الموضوع ، وأشرت إلى بعضها في البحث الذي أعمل على إنجازه حول هذا الموضوع.

ومهما يكن، فقد أورثت هذه الأسباب لغة ضعيفة باهتة على ألسنة أبنائها، كما أورثت المتحدثين بها جملة من الأخطاء النحوية واللغوية والإملائية، ورداءة في الخط والكتابة، وركاكة وضعفا في الصيغ والروابط الأسلوبية، ومشكلات في القراءة الجهرية، وقصوراً في الفهم والاستيعاب.

ونظراً لذلك الضعف المتنامي في اللغة العربية في أوساط فئات وشرائح المجتمع بعامة، ومجتمع الطلاب والطالبات بخاصة، فإن الحاجة تبدو ماسة الآن -وأكثر من أي وقت مضى- في الوقوف بحزم وعزم لوضع حد لهذا الضعف، وفي البحث الجاد عن الحلول الممكنة لمعالجة أوجه القصور في التعليم، وفي الإعلام، وفي جميع الدوائر والمؤسسات الحكومية والأهلية التي تشترك في تغذية هذا الضعف واستمراره، حتى لا تصبح اللغة العربية غريبة على أبنائها، أو أن ينحصر استخدامها في أوساط النخبة المتخصصة، أو الأوساط الرسمية الخاصة.

وإذا لم يتدارك المثقفون والتربويون هذه المشكلة، ويسعوا إلى علاجها والحد من آثارها، فإن العواقب ستكون وخيمة على المشهدين الثقافي والعلمي. فضعف الطلاب لغوياً يعني قصوراً في أداء مهامهم الثقافية والعلمية، وقصوراً في التواصل العلمي مع مصادر المعرفة، وقصوراً ثقافياً يحد من انتفاعهم بالرصيد العلمي الزاخر لأمتهم والأمم الأخرى، وضعفاً في القدرة على الإضافة إلى هذا الرصيد، وفوق ذلك ضعفاً في ارتباطهم بدينهم الإسلامي وتراثهم العربي.

وبما أن اللغة العربية تمثل هوية الأمة ومصدر عزتها وكرامتها، فإن على وزارة التربية والتعليم أن تنسق بين جهودها التي تبذلها في ميدان الحفاظ على اللغة العربية وتطوير تعليمها وتعلمها، وأن تبحث في نتائج الضعف في اللغة العربية، وفي بيان مدى خطورته على مستقبل اللغة ومستقبل الأمة. كما أن على الوزارة البحث في السبل العلمية والتربوية الحديثة لعلاج الضعف اللغوي لدى طلاب التعليم العام، وتعرّف أسباب تعثر تنفيذ التوصيات والخطط والمناشط التي سبق أن اقترحت من جهات عدة لعلاج مشكلة الضعف اللغوي، وإعداد وتنفيذ البرامج والأنشطة العلمية والتربوية والتقنية والإعلامية المعينة على علاج الضعف اللغوي في البيئة المدرسية.

وفي رأيي، فإن علاج ضعف الطلاب في اللغة العربية ممكن وغير عسير، لكنه يحتاج إلى وعي وإدراك بخطورة المشكلة أولاً، وبسرعة المعالجة ثانياً، وبتضافر الجهود وتعاون المخلصين والغيورين على هذه اللغة ثالثاً. وفوق ذلك، تحتاج تلك الجهود إلى قرارات شجاعة تترجم نتائجها إلى برامج وأنشطة وخطط ترتقي بتعليم اللغة العربية داخل المدرسة، وتهتم بسلامتها خارج المدرسة.

إن على وزارة التربية والتعليم أن تسعى إلى إبراز مكانة اللغة العربية في نفوس الناشئة والطلاب في جميع مراحل التعليم العام، وأن تعمل جاهدة على تنمية حبها في نفوسهم، وتقوية اعتزازهم بها، وتكافئ المبدعين والمبرزين فيها، وتحاسب الذين يتعمدون الإساءة إليها في البيئة التعليمية. أخيراً، فلابد من الاهتمام بتنمية ميول واتجاهات الطلاب نحو اللغة العربية، وأن تنتشر في بيئة التعليم الشعارات التي تشير إلى أن رفعة الأمم من رفعة لغتها، وقوتها من قوة لغتها، وانتشارها من انتشار لغتها، وأن اللغة العربية تعد اللغة الحية الأبرز والأكمل والأشرف في سياق لغات العالم الإنساني بالنظر إلى أن الله قد اختارها لتكون وعاءً لكلامه تعالى في كتابه المحكم المبين. يقول تعالى في محكم التنزيل في تشريف اللسان العربي: "وإنه لتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين، على قلبك لتكون من المنذرين، بلسان عربي مبين". وللحديث بقية عن مناهج تعليم اللغة العربية بوصفها متهمة في مجال الضعف في اللغة العربية.

* أستاذ المناهج وتعليم اللغة العربية المشارك

كلية التربية - جامعة الملك سعود



عفواً هذه الخدمة متاحة للأعضاء فقط... يرجى تسجيل الدخول أو اضغط هنا للتسجيل
احصل على رابط الخبر عبر رمز الإستجابة السريع QRcode


التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الرياض" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر، وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى الضغط على زر "التنبيه" أسفل كل تعليق ..

عدد التعليقات : 1
ترتيب التعليقات : الأحدث أولا , الأقدم أولا , حسب التقييم
عفواً ترتيب التعليقات متاح للأعضاء فقط...
سجل معنا بالضغط هنا
  • 1

    للأسف الشديد أصبحنا الآن لا نتكلم باللغة العربية بتاتاً,, أليس رسولنا يتكلم
    باللغة العربية,,أليس القرآن باللغة العربية,,أليست الأحاديث النبوية تكتب
    باللغة العربية,,أليست الكتب المدرسية التي تعلمنا منها تكتب باللغة العربية,,أليست خطب المساجد تتحدث باللغة العربية...
    أين القصور إذاً؟...
    -في المعلمين أنفسهم؟
    -في وزارة التربية والتعليم؟
    -في الآباء والأمهات؟
    -في البيئة التي نعيش فيها؟
    لابد أن نبحث عن الخلل ونصححه ونجعل لغتنا الحقيقية هي اللغة العربية الفصحى
    يجب أن نخاطب أبنائنا باللغة العربية الفصحى وكذلك المعلمين يجب أن يخاطبوا الطلاب باللغة العربية الفصحى لكي يمارسوها سواءً في المدرسة او المنزل او الشارع..نسأل الله عز وجل العفو والعافية وان يوفقنا لإتقان لغتنا العربية الفصحى
    وان يحفظها من النسيان.

    ابونواف (زائر)

    UP 0 DOWN

    09:41 صباحاً 2007/04/20


مختارات من الأرشيف

نقترح لك المواضيع التالية