اذا نظرنا الى التاريخ الانساني بصورة موضوعية، ظهرت مفارقة لا يمكن قبولها، وهي استبعاد المرأة، والتحيز للرجل، وهو تحيز فرضته ظروف ثقافية واجتماعية وضعت المرأة في مقام ادنى بكثير من مقام الرجل، ان لم نقل انه اخرجها من دائرة صنع التاريخ، وكأن تاريخ المرأة عار ينبغي طمسه، وخطيئة يجب عدم الاعتراف بها. وفي حركة احتجاجية لا تخفى ظهرت الحركة النسوية لإحداث نوع من التوازن، فاتخذت طابعاً عملياً ونظرياً، وتعددت اتجاهاتها، وانتجت معجماً خاصاً بالاصطلاحات المتداولة في مجال الفكر النسوي، وتركز كثير من الاهتمام على مفهوم "الجنوسة" فالدراسات النسوية فرقت بين النوع البيولوجي "Sex" والنوع الاجتماعي "Gender" فالاول يعني الفروق الخلقية بين الذكر والانثى، اما الثاني فيندرج في سياق الدراسات الاجتماعية والثقافية لانه يهتم بالمكانة الاعتبارية للانسان تبعاً لجنسه.

وتكاد الثقافة العربية تجمع على ترجمة الكلمة "Gender" ب"الجنوسة" التي يقصد بها التنميط الاجتماعي والثقافي الذي يضع المرأة في موقع ادنى من موقع الرجل في الادوار والوظائف والمسؤوليات فقط لأنها امرأة، وتعزو الدراسات النسوية ذلك الى ان الثقافة الذكورية، وامتصاص التحيزات التي استوطنتها، ورد الاعتبار للانثى بوصفها كائناً انسانياً مناظراً للذكر، كفيل بتحويل العلاقة بين المرأة والرجل من علاقة "تبعية" الى علاقة "شراكة".

تقوم النسوية على فرضية نقد التباين بين الذكور والاناث، وتهدف بعض اتجاهاتها الى تشكيل هوية انثوية متميزة عن الهوية الذكورية، ومن الضروري التفريق بين كتابة النساء، والكتابة النسوية، فالاولى تتم بمنأى عن الرؤية الانثوية الا بما يتسرب دون قصد، والثانية تتقصد التعبير حال المرأة استناداً الى رؤية انثوية للذات والعالم، وتتم في اطار الفكر النسوي، وتستفيد من فرضياته وتصوراته ومقولاته، ومن اجل كشف الركيزة الاساسية التي يقوم عليها الفكر النسوي، فلا بد من الوقوف اولاً على مفهوم "النسوية" وتكاد تتفق الادبيات النسوية على ان هذا المفهوم يحيل على تصور ثقافي عام مفاده الاعتقاد بأن المرأة لا تعامل على قدم المساواة - لا لأي سبب سوى كونها امرأة - في مجتمع تنظم شؤونه، وتحدد اولوياته، حسب رؤية الرجل واهتماماته. وتذهب المصادر الاساسية للفكر النسوي الى انه في ظل النموذج الثقافي الابوي تصبح المرأة هي كل ما لا يميز الرجل، او كل ما لا يرضاه لنفسه، فالرجل يتسم بالقوة والمرأة بالضعف، والرجل بالعقلانية، والمرأة بالعاطفية، والرجل بالفعل الايجابي والمرأة بالسلبي... الخ، وذلك المنظور يقرن المرأة في كل مكان بالسلبية، وينكر عليها حق الانخراط في ميادين الحياة العامة على قدم المساواة مع الرجل، ومن هنا يمكن القول بأن النسوية هي حركة تعمل على تغيير هذه الاوضاع لتحقيق تلك المساواة الغائبة بين المرأة والرجل.

وعلى هذا تكون النسوية: كل جهد نظري او عملي يهدف الى مراجعة او مساءلة او نقد او تعديل النظام السائد في البنيات الاجتماعية، الذي يجعل الرجل هو المركز، وهو الانسان، والمرأة جنسا ثانياً، او كائناً آخر في منزلة ادنى، فتفرض عليها حدود وقيود، وتمنع عنها امكانات المشاركة لانها امرأة، وتبخس خبراتها لانها انثى، لتبدو الحضارة في شتى مناحيها انجازاً ذكورياً خالصاً، يؤكد ويوطد سلطة الرجل، وتبعية او هامشية المرأة. ولكي يعرض مفهوم "النسوية" بوضوح، يلزم كشف طبيعة المفهوم المعارض له، وهو "الابوية" الذي يشير الى علاقات القوة التي تخضع في اطارها مصالح المرأة لمصالح الرجل، وتتخذ هذه العلاقات صوراً متعددة بدءاً من تقسيم العمل على اساس الجنس والتنظيم الاجتماعي لعملية الانجاب الى المعايير الداخلية للانوثة، وتستند السلطة الابوية الى المعنى الاجتماعي الذي تم اضفاؤه على الفروق البيولوجية بين الجنسين، وترى يمنى طريف الخولي ان النسوية فلسفة نقدية للحضارة، لا توضع الا في سياق نقد الحضارة الغربية. من هنا كان ارتباط النسوية الجديدة بفلسفة ما بعد الحداثة، التي هي في جوهرها موقف شكي نقدي من منطلقات الحداثة، فالموجة النسوية الاولى احدى تجليات الحداثة التنويرية بمثلها العقلانية التي تجسد الذكورية، فعملت على طمس خصوصيات المرأة والاقتراب بها من هذا النموذج الذكوري لكي تنال بعض حقوق الانسان/الرجل.

اما الموجة الثانية، اي النسوية الجديدة نسوية ما بعد الحداثة، فأبرز ما يميزها هو نقد النموذج العقلاني الذكوري للانسان ورفض انفراده بالميدان كمركز للحضارة الغربية التي جعلها المد الاستعماري انموذجاً للحضارة المعاصرة بأسرها. انها تختلف بل تتناقش مع الموجة الاولى في تأكيدها على اختلاف النساء عن الرجال والعمل على اكتشاف وابراز وتفعيل مواطن الاختلاف، وما يميز الانثى والخبرات الخاصة بالمرأة التي طال حجبها مما ادى الى خلل اصحاب الحضارة، فالنسوية الجديدة اكتشاف وبلورة للانثوية، ورفض مركزية النموذج الذكوري للانسان التنويري الحداثي العاقل، وهو الوجه الآخر للمركزية الغربية التي سادت العالم. وتتلخص في ان مركزية العقل الذكوري الغربي قهرت المرأة، والطبيعة، والشعوب خارج المجال الاوروبي.

وكان لمفهوم الكتابة الانثوية الفضل في تحويل النقاش النسوي من البحث عن الكاتبات انفسهن، الى كشف الاسباب وراء التحيز ضد النساء، اذ فتحت ناقدات من امثال: هيلين سيسو، ولوسي ايريجاري، وجوليا كريستيفا، باب الجدل حول قضايا الهوية والذات. ومن اقدم ما يشار اليه في هذا المجال ما يعرف ب"النسوية الفرنسية" وهو اتجاه ركز اهتمامه على هذا المفهوم، وربطه بمفهوم الكتابة الانثوية، فمن الضروري في النسوية الفرنسية ان تكرس المرأة كتابتها لذاتها الانثوية، واختيار اللغة التي تعتمدها في تمثيل نفسها، فالاهتمام بالهوية الانثوية، وبالكتابة الانثوية، يقصد منه زحزحة الهيمنة الذكورية المتغلغلة في الثنائيات المتضادة السائدة: الرجل/المرأة، العقل/العاطفة، القوة/الضعف، اذ تضفي الثقافة السائدة قيمة اعلى على الطرف الاول من تلك الثنائية، وتخفض اهمية الطرف الثاني.

وتصر كريستيفا على ان "الذكورة" و"الانوثة" مواقع معينة للذات تشكلت بفعل عوامل اجتماعية، ولا علاقة لها بالاختلافات البيولوجية. وترى "ايلين شوالتر" ان كتابات المرأة تشبه الكتابات النابعة من اي ثقافة اخرى تابعة، وانها تمر بثلاث مراحل من التطور "محاكاة الاشكال السائدة للتقاليد الادبية المهيمنة" و"الاعتراض على هذه المعايير والقيم" واخيراً "اكتشاف الذات" أي "البحث عن الهوية". على ان كريستفيا تتطلع الى تأسيس مفهوم للهوية النسوية من خلال الربط بينها وبين الدوافع الفوضوية التي تتعرض للكبت في ظل النظام السائد المنظم لهذه الدوافع، والذي تسميه بالنظام السيميوطيقي، فهذا المفهوم لا يؤدي الى نشأة ذات مستقرة، بل الى نشأة ذات مائعة مؤقتة غير محددة المعالم.

وثمة مجموعة كبيرة من الاتجاهات المختلفة داخل النسوية تهتم بالكيفية التي تصاغ بها الهوية من خلال اللغة، على اساس ان اللغة نسق يؤدي الى تشفير هوية الذكر، لا هوية الانثى، ولذلك تطرح هيلين سيسو فكرة "الكتابة الانثوية" وتطرح لوسي اريجاري فكرة "الكلام المؤنث" كنقيض للتراكيب اللغوية التقليدية، بينما تدعو ديل سبندر النساء الى رفض دورهن الصامت في اطار ما تسميه "باللغة التي صنعها الرجل" وكثيراً ما نجد ان السرديات المكتوبة بضمير المتكلم مثل السيرة الذاتية تقدمها كاتبتها على انها وسيلة لصياغة احساس اكثر صدقاً بالذات عن طريق تسجيل تجارب المرأة التي تظل محجوبة عن التعبير في المجتمع العنصري او المتحيز للرجل، وهذه الاسس النظرية للفكر النسوي مهمة جداً، ولا يمكن تجاهلها لمن اراد الخوض في هذا الفكر الذي طرح نفسه بقوة منذ منتصف القرن العشرين ليصحح العار التاريخي للجنس البشري.