صدرت رواية "حكومة الظل" للدكتور الطبيب منذر قباني لتقول شيئاً أو تحقق نقلة ما وعلى صعيد ما ولتطبع بصمة ما بعد الحداثة بكل تقاطعاتها العلمية والأدبية والرمزية العارية على شتى التفاصيل تداخلات المشاهد تشي بالفوضى الخلاقة.. انها محاولة إلى بلوغ المطلق الرمزي.. يقول آحادهم انها طقوسية مُعربة لرواية دان براون سيما ان الغياب الفلسفي والشاعرية يكرّس لهذا التناص والمقاربة.. يقول آخر انها إثارية لا أكثر، ولجت بكل شجاعة سينمائية إلى مرحلة (الأكشن) الروائي.

(ثقافة اليوم) احتملت الاشكالات إلى د.منذر الذي تجاوب معها وفض رمزية هذه المقاربات يبسط لنا رأياً يكاد يكون مكيناً في استقلاليته كما هو شأن الروائي أو الإنسان الجديد.

@ يذهب البعض إلى ان روايتك هي صدى لطقوسية ولغزية رواية شفرة دافينشي، هل ثمة خيال عولمي تلتئم فيها الحقول الدلالية في الروايتين؟

  • لاشك أن بعد صدور رواية حكومة الظل، الكثيرون قارنوا بينها وبين شفرة دافينشي من حيث الشكل الظاهري للأسلوب السردي المعتمد على التشويق والتنقلات السريعة بين الأحداث مع مزج طابع الغموض المستمد من ضبابية بعض الفترات المجهولة لدى عامة الناس من التاريخ. مع الأسف الكثير من القراء في العالم العربي لم يطلع على هذا القالب من الرواية إلا من خلال دان براون بعد النجاح الأسطوري لروايته شفرة دافينشي فاعتقد ان هذا الأسلوب وهذا القالب هو من اختراع دان براون نفسه وان أي رواية تأتي في هذا السياق هي بالتالي تقليد. الحقيقة ان هذا النوع من الروايات موجود من قبل شفرة دافينشي ودان براون لم يخترع هذا النوع من الروايات.

من جهة أخرى رواية حكومة الظل وان كانت تعتمد في ظاهرها على الغموض والتشويق إلا انني قمت بإضافة جانب جديد لهذا النوع من الروايات ألا وهو الجانب الفكري المعرفي لكي اصنع خطاً جديداً ومتميزاً للرواية يعتمد على المتعة الهادفة الموجهة إلى جمهور القراء والنخبة المثقفة في آن واحد. بالطبع هذا أمر ليس باليسير لأني كنت أراعي اثناء كتابة حكومة الظل ألا أجعل الطابع المعرفي والفكري يطغى على حساب الجانب الامتاعي فيصبح عملاً ثقيلاً ومملاً، في نفس الوقت كنت حريصاً على ألا يطغى الجانب الامتاعي على الجانب الثقافي فتصبح حكومة الظل مجرد رواية تسلية لا أكثر. اعتقد ان هذا المزج بين المتعة والثقافة هو ما ساهم في انجاح روايتي.

لاشك مع هذا في أن هناك نقاط التقاء بين حكومة الظل وبين شفرة دافينشي في ان الروايتين يعتمدان في أحداثهما على التاريخ المعولم، أي بمعنى ان هناك تاريخاً مشتركاً بين مجموعة من الشعوب يؤثر بمعطياته على واقعهم المعاصر بطريقة مباشرة وغير مباشرة في شفرة دافينشي على سبيل المثال كانت الخلفية التاريخية هي ما جرى في عهد الامبراطور الروماني قسطنطين في القرن الرابع بعد الميلاد من إعادة تشكيل للديانة المسيحية لتتلاءم مع المفهوم الوثني للرومان بحيث ينطهر الدينان. في حكومة الظل كانت الخلفية التاريخية هي إسقاط الخلافة الإسلامية وتقسيم العالم الإسلامي إلى دويلات مع القضاء على أي روح للنهضة وخصوصاً إذا كانت هذه النهضة مستمدة من فكر إسلامي تنويري. ففي الروايتين تجد أن هناك اخفاء للحقيقة، مما ينتج عنه البحث من قبل الأبطال لهذه الحقيقة المغيبة. عملية البحث هذه ليست خاصة لأفراد دون أفراد ينتمون لمجتمع معين، بل تكاد تكون ظاهرة عالمية في جميع المجتمعات ولذلك تجد أن الكثير من الكتاب تناولوا في أعمالهم فكرة بحث البطل عن حقيقة ما مجهولة.

@ هل تصنيف روايتك انها تمثل نموذج رواية ما بعد الحداثة حيث يتقاطع الخيال الأدبي بالعلمي؟

  • من الصعب على المؤلف أن يصنف هو روايته فهذا أمر عادة ما يترك للنقاد، ولكن مما قيل من قبل البعض ان رواية حكومة الظل تشكل نقلة جديدة في الرواية السعودية والعربية بحيث انها تتحرر من نمطية المواضيع المطروحة ونمطية اللغة الشعرية والأسلوب السردي. فعلى سبيل المثال انت تجد ان احداث الرواية تنتقل ما بين الماضي والحاضر والقارئ يعيش ما بين زمنين يفصل بينهما مئة عام، وهذا التمازج ما بين الزمنين هو الذي يكشف للقارئ عن غموض الرواية. ايضاً هناك جانب تزامن الأحداث والذي يرى القارئ ما يحدث في نفس الأثناء ولكن في أماكن مختلفة. هذا الأسلوب السردي لم يعتد عليه القارئ في الرواية العربية وهو ما شكل بالنسبة لي تحدياً ومخاطرة في نفس الوقت.

التحدي مصدره أني أريد ان آتي بشيء جديد وغير مألوف يشكل نقطة تميز لي كروائي ناشئ، أما المخاطرة فكانت في أن حكومة الظل جاءت في موجة من الروايات الفضائحية والتي اخذ يهتم بها الإعلام على سبيل انها ظاهرة جديدة نوعاً ما وقد لاقت رواجاً كبيراً من قبل القراء. في هذا الجو الأدبي لم يكن من السهل ان تقدم شكلاً جديداً ويتقبله القراء ويلتفت إليه الإعلام. ولكني توكلت على الله وقمت بطرح تجربة حكومة الظل والتي لاقت نجاحاً فاق تصوري وتصور الناشر، وهذا إن دل على شيء فهو يدل على ان القارئ الواعي موجود ويبحث عن كل ما هو جديد.

@ عمدت إلى الوضوح في اللغة، فعبارات (غرفة نوم وسيعة)، (لابد لي ان اصحى)، (أخذ جواله ودق على الرقم)، عامية مفَصَّحة... هل ترى أن مثل هذه العبارات ترقى إلى مستوى الإثارة التي طرحتها روايتك؟

  • هذه العبارات التي وصفتها بأنها عامية مفصحة أصفها أنا بأنها فصيحة مبسطة وهذه هي اللغة التي اعتمد عليها في الرواية لأنها تتصف بالسهل الممتنع والتي يفهمها الجميع. مع الأسف تجد بعض الكتّاب يعتمدون على لغة متشدقة وكأنهم يتعالون بها على القارئ فلا ينتج عنها إلا عزوف القراء عن الكتاب. أنا اعتمد في كتاباتي على لغة بسيطة ومعبرة في نفس الوقت تجذب القارئ، ولا أريد ان اكتب من على برج عاجي لصفوة محدودة العدد. واعتقد ان هذه اللغة التي استخدمتها هي أحد أسباب نجاح رواية حكومة الظل. ثم لا تنس ان رواية التشويق والإثارة تتطلب مثل هذه اللغة المبسطة التي تساعد على التنقلات السريعة في صنع الأحداث بدون ان ينشغل القارئ في فهم العبارات المنمقة التي يلجأ إليها بعض الروائيين. تذكر ايضاً انني طرحت بعض الأفكار والرموز التي رغبت من خلالها ان استثير تفكير القارئ اثناء قراءته للعمل وبذلك كان لا ينبغي لي ان أضيف عامل صعوبة اللغة فيفقد العمل متعته وهذه النقطة الأخيرة تشكل أهمية خاصة لي لأنني حريص على ان أجذب أكبر عدد من الناس إلى متعة القراءة، وكم تتصور كانت متعتي وأنا أرى أشخاصاً كانت رواية حكومة الظل هي أول عمل يقرؤونه منذ فترة طويلة وشجعهم اعجابهم بهذه الرواية إلى المزيد من القراءة لينكسر الحاجز النفسي بينهم وبين الكتاب. هذا في حد ذاته اعتبره نجاحاً كبيراً لي ويعود بنفع للكتاب بشكل عام. نحن أمام تحد كبير حيث ان وسائل الترفيه من الفضائيات وما تبثه من مسلسلات وأفلام وبرامج مختلفة وزد على ذلك الانترنت وحتى الألعاب الالكترونية التي يقبل عليها الكثير من الشباب، كل هذا يشكل منافساً قوياً للكتاب وهذا يتطلب من أصحاب الأقلام أن يستعينوا بطرق جديدة حتى يتمكنوا من المنافسة.

@ اللغة الشاعرية غير حاضرة في الرواية.. هل حيوية الأحداث هي من زاحم الشاعرية؟

  • اتفق معك بأن حكومة الظل لا تعتمد على اللغة الشاعرية بل على اللغة المباشرة الواضحة. أنا لست ممن يهوون كتابة خمس صفحات أصف فيها غروب الشمس أو حيرة البطل، فهذا ليس أسلوبي واعتقد ان القارئ اليوم لا وقت لديه لمثل هذه الاطالات السردية. حكومة الظل اعتمدت في بنيتها الدرامية على الأحداث السريعة والمتغيرة مع التنقلات ما بين الحاضر والماضي. مثل هذه الرواية تتطلب لغة مباشرة تواكب الأحداث. الأمر الآخر، أنا لا أحب التكلف والتصنع في الكتابة، وهذا ما أراه يقع فيه مع الأسف بعض الكتاب من الاعتماد المبالغ فيه الذي يصل إلى درجة التكلف على الجانب الإنشائي من النص الروائي على حساب المضمون مما قد يصيب القارئ بالملل والعزوف عن الرواية. ومع ذلك أقول ان لا مانع من وجود كتاب يكتبون بأساليب مختلفة حتى ترضي جميع الأذواق ومما ينتج عنه اثراء للساحة الأدبية. اعتقد انك تتفق معي بأننا لا نريد أن يكون هناك نمط واحد لا يتغير من الرواية، فمأدبة الأدب لابد ان تكون متنوعة حتى تصبح شهية للمزيد من القراء.

@ هل ترى ان استثمار مفردات وأجواء البيئة البعيدة أضفى شيئاً من الإثارة والنجاح؟

  • نحن اليوم لسنا كما كنا منذ مئة عام، فلم نعد منعزلين عن باقي العالم ولا يمكن لنا أن نضع أنفسنا في قوقعة ونبتعد عن كل ما يدور من حولنا في باقي المجتمعات. العولمة اليوم صنعت من العالم قرية صغيرة وما يدور في أقصى الأرض تجد له صدى في أدناها. لذلك كانت روايتي تدور أحداثها عبر عدة مدن في بلدان مختلفة وكلها تنصب في نفس مجرى الأحداث بحيث لا يمكن عزل حدث عن الآخر. اعتقد اننا تجاوزنا مرحلة التحدث عن القرية والبلدة فهذا لم يعد من الواقع بشيء والمواطن السعودي اليوم أصبح أكثر من أي وقت مضى على اتصال بباقي الشعوب إما عن طريق العمالة الوافدة أو عن طريق السفر إلى أقطار الأرض المختلفة. ولذلك أنا كما تفضلت قمت باستخدام مفردات وأجواء بيئات مختلفة بجانب البيئة السعودية وهذا مما أضفى على حكومة الظل طابعاً عالمياً منطلقاً من المحلية. من التعليقات التي سمعتها من بعض القراء ان هذه الأحداث التي جابت عدة بلدان أضافت إلى الرواية عنصراً من الحيوية والتشويق والإثارة. وهناك جانب آخر جعلني أطوف بالرواية عبر مختلف المدن وهو أن الإنسان في ظل العولمة التي نعيشها لا يمكن له ان يكون بمعزل عما يدور حول في باقي البلدان. وأصبحنا نرى اليوم كيف انه إذا كحت أمريكا يصاب العرب بالزكام. اعتقد ان المعنى واضح ولا يحتاج إلى المزيد من الشرح.

@ كيف تقيم ما كتبه عبدالواحد الانصاري عن روايتك بأنها إثارية ومعلوماتية فقط؟

  • مع إني أكن لعبدالواحد الأنصاري كل الاحترام إلا أني أعتقد بأنه نظر إلى حكومة الظل نظرة ضيقة ولم يفهمها جيداً. لا شك أن الرواية في بنيتها الهيكلية اعتمدت على طابع الإثارة والتشويق ولكن كان هناك الجانب الفكري والرمزي الذي لم يتطرق له البتة. فخذ على سبيل المثال الربط بين أحداث الرواية ما بين الحاضر والماضي الممثل في زمن حكم السلطان عبدالحميد الثاني، والمؤامرة التي كان الحفيد يكتشفها في الحاضر والمؤامرة التي كان الجد يكتشفها ومما أدت إلى سقوط الدولة العثمانية. أما بالنسبة للجانب الثقافي أو ما تسميه بالمعلوماتي، فصحيح أني تعمدت أن أطعم الرواية بالمعلومات الثقافية، ولكن بشكل غير مباشر بحيث لا يفقد الرواية متعتها ويجعل منها مجرد استعراض للمعلومات. وأعتقد أن هذا الأسلوب راق لكثير من القراء لما وجدوه من فائدة ملموسة بجانب متعة قراءة العمل. لا أخفيك سراً أن هذه التوليفة هي جديدة بالنسبة للقارئ العربي الذي لم يعتد على مثل هذا النمط من الأعمال الروائية. في المقابل أعتقد أن من الظلم لحكومة الظل تشبيهها بالرواية التشويقية الغربية لأنها ليست مجرد رواية إثارة وتشويق. فالجانب الفكري والثقافي للرواية حتم علي أن لا أنساق وراء مجرد أحداث مغامرات الواحدة تلو الأخرى كما هو الحال في الرواية الغربية. القارئ للرواية سيلاحظ أن لغة الحوار بين الشخصيات شكلت جانباً مهماً لطرح العديد من الأفكار التي أردت للقارئ أن يلتفت إليها. لا شك أن هذا المزج بين متعة الإثارة والتشويق وجدية الفكر والثقافة لم يكن بالأمر الهين أثناء كتابة العمل وقد تطلب مني جهداً مضاعفاً في الصياغة الدرامية بجانب أني أمضيت فترة لا بأس بها في البحث والمراجعة من أجل جمع المعلومات اللازمة لرواية حكومة الظل.

أعتقد أن كل هذه الجوانب التي ذكرتها مع الأسف لم يتطرق لها عبدالواحد الأنصاري، وفقط ركز على جزئية محدودة وقام بتضخيمها وأعتقد أن كثيراً من القراء لم يتفقوا معه في طرحه.

@ إلى أي شيء تعزو غياب الطابع الإثاري البوليسي الجنائي عن الرواية السعودية؟

  • أعزوه إلى غياب الخيال والاستعاضة عنه بالمبالغة في وصف الواقع. انظر مثلاً إلى كثير من الروايات لدينا، ستجد أن أغلبها تتحدث عن سير ذاتية حتى وإن كان الروائي الذي كتب العمل ما زال في العشرينات من عمره وتجربته في الحياة محدودة لا تؤهله لكتابة مثل هذه السير الذاتية التي عادة ما نراها في الأدب الغربي في مرحلة متأخرة من عمر الكاتب. أذكر أني قرأت لأنيس منصور في كتابه في صالون العقاد كانت لنا أيام، أنه في حوار مع أحد الأشخاص عن ما إذا كانت الرواية الوحيدة للكاتب الكبير عباس محمود العقاد، سارة، ما إذا كانت مجرد خيال أم هي من وحي تجربة حقيقية مر بها هو. كانت إجابة أنيس منصور بأن رواية سارة هي حتماً تجربة واقعية جرت للعقاد والسبب في هذا الجزم أن العقاد ليس لديه خيال واسع، فهو مفكر فذ وناقد بارع ولكنه ليس صاحب خيال ولذلك كانت روايته الوحيدة هي هذه والتي كانت سرداً لتجربة شخصية مر بها.

هذا لا يعني أني أعيب في الروائيين الذين يكتبون أدب الواقع، على الإطلاق فهذا النوع من الأدب يتطلب مهارة ومقدرة لا شك في ذلك، ولكني فقط أجيب على سؤالك وعلى سؤال الكثيرين عن سبب غياب الأنماط الأخرى من الروايات التي تعتمد على الخيال بشكل كبير كالرواية البوليسية والخيال العلمي وخيال الطفل والرواية الجنائية والتشويقية التاريخية وغيرها من الأنماط التي لا نكاد نراها في أدبنا السعودي وهي قليلة جداً في الأدب العربي بشكل عام. وأعزو هذا الفقدان للخيال في شعوبنا إلى الطريقة التي ننشئ ونعلم بها أطفالنا بحيث أننا نقتل فيهم هذا الجانب الإبداعي عن طريق الإفراط في الاعتماد على أسلوب التلقين الخالي من الحث على مهارات الاستكشاف والإبداع. مع الأسف نحن نكرس مفهوم الانصياع لما يقال له من قبل المعلم ولا نزرع في الطفل فن التساؤل وأدب الاختلاف ولذلك تراه ينشأ وهو لا يرى في الحياة إلا لونين الأبيض والأسود فقط، ولا ينظر الى باقي ألوان الطيف التي تملأ الدنيا.

الإبداع يتطلب الخيال والخيال يحتاج إلى أن يزيح الإنسان من عينيه النظارة السوداء وأن ينظر إلى كافة الألوان حتى يتمكن من مزجها والايتان بلون جديد. لذلك لا بد لنا كمجتمع أن نزيح مفهوم أن الخيال الواسع هو أمر سلبي لا ينبغي له أن يكون، وأن نعزز في أطفالنا قيمة التخيل والتساؤل والاستكشاف وأن لا نخشى الفشل فنتجنب الإجهاد،. ولا بد أن نتذكر أن رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام علمنا أن للمجتهد أجر المحاولة حتى وإن أخطأ.

@ روايتك ذات مخيلة سينمائية.. هل يساهم المخزون السينمائي في توفير الحدث وملابساته؟

  • لا شك أني حاولت أن استخدم بعض المفردات السينمائية في كتابة حكومة الظل وهذا كان على سبيل التجديد والإتيان بشكل مختلف للرواية بحيث تتميز عن غيرها من باقي الروايات. وأنت ترى هذا ليس فقط في نص الرواية بل حتى من شكل الغلاف غير التقليدي إذا ما قارناه بما هو موجود حالياً في عالمنا العربي، وهذا عائد إلى إيماني أن الغلاف هو أول ما يلفت القارئ إلى الكتاب فكان لا بد لي أن أجذب القارئ وأثير فضوله من النظرة الأولى للكتاب. مع الأسف أرى أن كثيرا من المؤلفين ودور النشر لا يهتمون بالغلاف فتجده باهتاً لا يعكس روح الكتاب أو في كثير من الأحيان مجرد صورة للوحة عالمية مشهورة لا صلة لها من قريب أو من بعيد بالعمل المتناول.

لا بد لنا أن ننظر إلى الكتاب بشكل عام على أنه منتج ثقافي يحتاج إلى تسويق حتى يصل إلى المتلقي بشكل مرض. وكأي منتج لابد من وجود عناصر جذب بدءاً من الغلاف ومروراً بشكل النص من حيث طريقة السرد وجاذبية الأحداث. هذا الكلام لا ينطبق فقط على الرواية، فخذ مثلاً كتاب التاريخ المصور لفلسطين للدكتور طارق السويدان فهو مثال للكتاب الذي يقدم المعلومة القيمة مع إضافة عناصر جذب من خلال الإخراج الجميل وسلاسة اللغة وتشويق الأحداث. نحن مع الأسف بشكل عام ما زلنا نتعامل مع الكتاب بنفس النظرة التقليدية القديمة ولا نريد أن نستعين بآليات جديدة تساهم في لفت انتباه القارئ ثم نتساءل بعد ذلك عن سبب عزوف القارئ العربي عن القراءة. دائماً نضع اللوم على الغير ولا ننظر إلى أنفسنا كصانعي الكتب من مؤلفين ودور طباعة ونشر. ينبغي لنا أن نسأل أنفسنا هل قمنا بكل ما يمكن القيام به حتى نجذب القارئ عن باقي الملهيات؟

@ ثمة هبوط في مستوى الرواية السعودية الحديثة... هل تعيش الرواية السعودية فترة الزخم والتألق أم الأدلجة والاتجار؟

  • لا أعتقد أني أتفق معك بأن هناك هبوطاً في مستوى الرواية السعودية، فهي حديثة العهد ولا يوجد لها رصيد كبير بحيث نستطيع القول بأن هناك هبوطاً. نحن ما زلنا في مرحلة البداية والتجربة. لا شك أن في السنتين الأخيرتين شاهدت الساحة الرواية السعودية طفرة ملحوظة في كمية الأعمال المطبوعة وهذا يشكل في اعتقادي ظاهرة إيجابية حتى وإن كان أغلب هذه الروايات دون المستوى لأني أؤمن بأن في الكم سيتولد الكيف والعمل الجيد هو الذي سيبقى. لذلك استغرب حينما أجد البعض يبدي تخوفاً من كمية الروايات السعودية التي طرحت في 2006والتي فاقت عدد الروايات في باقي العالم العربي لنفس العام. الطريف أن أحد المنتقدين هو ممن صدر له كتاب في 2006ولاقى نجاحاً بالرغم من تواضع العمل وضعف قيمته الثقافية. مع الأسف البعض يعطي لنفسه حقاً لا يعطيه لغيره ويتحدث كما لو أن الابداع هو حكر لفئة دون غيرها.

أتفق معك في أن بعض الأعمال الروائية التي شاهدناها في العشر سنوات الأخيرة مفعمة في الأدلجة كروايات تركي الحمد على سبيل المثال. ولكن وإن كنت اختلف مع طرحه لقضايا المجتمع السعودي إلا أن من حق كل كاتب أن يعبر عن نفسه بالطريقة التي تروق له شريطة أن لا يتطاول على ثوابت الدين، أما فيما عدا ذلك فكل المواضيع هي طرح للنقاش ومن حق الروائي أن يكون رأيه وفكره ظاهراً في العمل. أما بالنسبة للاتجار في الرواية السعودية، فلا شك أن مع الأسف بعض الروايات التي ظهرت في السنة الأخيرة هي كذلك. وأنا هنا لا أضع اللوم فقط على المؤلف ولكن على دار النشر التي وافقت على خروج مثل هذه النوعية من الأعمال، وأضع اللوم الأكبر على القارئ الذي يقبل عليها ويساهم في نشرها على حساب الأعمال الأكثر جودة وقيمة ورزانة. ومع ذلك أنا متفائل لأني أرى أن الساحة الثقافية في السعودية هي خصبة والمجتمع السعودي هو من أكثر المجتمعات قراءة في العالم العربي وهذا ليس رأيي أنا ولكن رأي غالبية دور النشر التي تقول إحصائياتها بأن حوالي 51% من مبيعاتها هي في السوق السعودي.

@ هل يكتب الطبيب الرواية لتحقق له المجد الذي لم تحققه له مهنة الطب؟

  • أضحكتني، فهل يرجى مجد من الكتابة في عالمنا العربي؟ أعتقد بأنك تتفق معي في أن الذين حققوا مجداً من الرواية في عالمنا العربي هم قلة قليلة جداً. الرواية هي عمل شاق يأخذ الكثير من الوقت والجهد لذلك تستغرق كتابتها وقتاً طويلاً خصوصاً إذا كان المؤلف مثلي غير متفرغ فلا يكتب إلا في الاجازات وأوقات الفراغ المحدودة. أما عن السبب الذي يجعل أي إنسان يكتب فهو رغبته في التعبير عن الذات والتواصل مع الآخرين عن طريق طرح الأفكار، وأعتقد أن كل إنسان لديه ما يقوله ولديه من التجارب ما يمكن الاستفادة منه. المشكلة تكمن في أن الكثير من الناس لا يجيدون فن التعبير. هم يتحدثون ولكن لا يعبرون مما ينتج عنه عدم فهم الآخرين لهم.

أذكر أنني قرأت في كتاب يتحدث عن أعظم عشرة مديرين تنفيذيين في العالم وكان أحدهم بيل جيتس مؤسس شركة ميكروسوفت، كيف أنه من الخصال التي جعلت منه رجل أعمال ناجحا هو قدرته على التواصل مع موظفيه حتى وإن لم يكونوا في الإدارة العليا. ويذكر الملف كيف أن دخول شركة ميكروسوفت في مجال برمجة الانترنت كان مبنياً على اقتراح من موظف صغير وجد في حينه، قبل ثورة الانترنت التي نشهدها حالياً، أن المستقبل يكمن في هذا المجال. عبقرية بيل جيتس هي التي جعلته يستمع ويقيم اقتراح موظف صغير كان من الممكن له أن لا يعيره أي اهتمام. أردت أن أذكر هذه القصة فقط لكي أبين كيف أن لكل إنسان مهما كان شأنه ما يستطيع أن يضيفه للآخر. وأن الشخص الذكي هو الذي يستمع إلى الآخر راغباً في الاستفادة مما يقوله دون أن يستصغره أو يتكبر على آرائه.