في الآونة الأخيرة بات من الطبيعي جداً ان نسمع مصطلحات عربية ممزوجة بكلمات انجليزية، او نقرأ كلمات عربية مكتوبة بحروف انجليزية بين أوساط الشباب او الطبقة المترفة من المجتمع، وهذا ما يطلق عليه البعض مصطلح (العربيزي) الامر الذي دفعني للبحث اكثر في ما هية اللغة وتأثيرها على الأمم، فاللغة ليست مجرد كلمات نرددها بل هي وسيلة الاتصال بين البشر، وهي وعاء الثقافة، لذا فهي الوحيدة القادرة على التعبير على ثقافة المجتمع أصدق تعبير، ولأن كل ثقافة تختلف عن الاخرى فكل لغة تحمل لأهلها معاني خاصة لا يقدرها غيرهم فمثلاً جملة "لقد أثلجت قلبي" تثير عند العربي الدفء عند سماعه لخبر سار، في حين نجد الفرنسي يعبر عن ذلك بقوله "لقد أدفأت قلبي" لأن البيئة تتحكم في مشاعرنا وأحكامنا. فالاعتزاز باللغة هو اعتزاز بالثقافة التي تمثلها تلك اللغة، لذا عندما تغلب المفردات الانجليزية على كلامنا فهذا إن دل على شيء فإنما يدل على التبعية للثقافة التي تمثلها اللغة الانجليزية. والغريب في الامر ان نرى الدول القريبة من بريطانيا مثل (فرنسا) حافظت على لغتها بل أصدرت قانوناً يمنع استخدام الكلمات الاجنبية اذا كان لها مقابل في الفرنسية خاصة في مجال الإعلام. في حين نرى ان بعض الدول العربية وللأسف الشديد تسعى لتغيير مناهجها من العربية الى الانجليزية بحجة مواكبة العصر! وفي الوقت ذاته يذكر خبراء الامم المتحدة ان 234لغة أصلية معاصرة اختفت كلياً في القرن العشرين! محذرين من ان 90% من اللغات المحلية في العالم سوف تختفي في القرن الحادي والعشرين.

واذا تأملنا حولنا لرأينا الكثير من مظاهر التبعية في اللغة، فالاغلبية يحادثون الاجانب في الدول العربية باللغة الانجليزية حتى لو كان بائعا في مطعم، وانتشار المسميات الاجنبية على واجهات المحلات والمراكز التجارية. كما ان اغلب المنتجات المصدرة للدول العربية كالآلات والادوية وحتى المنتجات الغذائية يكتب عليها بكل اللغات ما عدا العربية في حين انها مصدرة لدول عربية. وأتساءل عن سبب غياب القوانين التي توجب استخدام المسميات العربية على واجهات المحلات والمراكز التجارية، وتعريب مسميات المنتجات الاجنبية (الأمثلة كثيرة، ولكن المقام لا يكفي لسردها). وكنتيجة لهذه التبعية أصبحت أغلب الدول لا تعترف باللغة العربية فمثلاً في الاماكن السياحية في اوروبا وامريكا لا نجد مترجمين للغة العربية في حين نرى مترجمين للغات كثيرة في العالم، والغريب في الامر ان بعضها لا يتكلم بها سوى دولة واحدة كاليابان مثلاً على الرغم من ان اغلبية السياح هم من الدول العربية والحال ذاته في مواقع الانترنت فنجد الموقع مترجما لاغلب اللغات ما عدا اللغة العربية انا لا أدعو الى محاربة اللغة الانجليزية، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال (من تعلم لغة قوم أمن مكرهم)، ولكن لا يخفى على أحد ان التمسك باللغة من أهم عوامل تقدم ونهضة الشعوب، وأي أمة تعتز بدينها أولاً ومن ثم بلغتها تنهض وتفرض نفسها على جميع الأمم فكيف اذا كانت هذه اللغة هي لغة القرآن الكريم.

أتمنى ان ندرك أهمية لغتنا فمتى ما تمسكنا بها أمكننا مجاراة الأمم الاخرى في الانتاج الحضاري والتاريخ هو خير شاهد على ذلك.

وأختم بقول حافظ ابراهيم في تعظيمه للغة العربية:

أنا البحر في أحشائه الدر كامن

فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي