(أيها السادة لا بأس أن نخسر القليل من المال في سبيل الفن.. فمثلما ربحنا الملايين من أفلام الحركة والإثارة الرخيصة فإن من واجبنا كمنتجين وقادة لصناعة السينما أن ننتج أفلاماً جادة ورصينة، حتى لو خسرنا من أجل ذلك القليل من المال). هذا الكلام قاله النجم (روبرت دي نيرو) على لسان شخصيةِ المنتج السينمائي التي جسدها في فيلم (الإمبراطور الأخير) وذلك أثناء محاولته إقناع ملاّك شركة الإنتاج التي يديرها لتمويل فيلمٍ جاد وثقيل يبتعد تماماً عن سياق السينما التجارية الرخيصة.

وبغض النظر عن مدى اقتناع هؤلاء الملاّك بتمويل الفيلم من عدمه، فإن ما يهم هنا هو رأي المُنتج وإيمانه بالدور المنوط به، فكما أن من حق شركات الإنتاج أن تربح، فهي في المقابل مطالبة بالمحافظة على (طهر) الفكرة السينمائية وتنقيتها من كافة الأغراض المادية النفعية، وذلك عبر إنتاج أفلام ذات جودة فنية عالية بغض النظر عن عامل الربح والخسارة. والمتأمل لحال السينما الغربية وما حققته من نجاح وانتشار، ومن تدفق واستمرار، يدرك أن أمثال هذا المُنتج الواعي والمثقف موجودون على رأس الكثير من شركات الإنتاج السينمائي في هوليود وفي غيرها من المدن الأوروبية، وهؤلاء هم السبب في احتفاظ السينما ببهائها وجمالها الفكري والفني.

التاجر الغربي، أو صاحب رأس المال، يمتلك عمقاً معرفياً وثقافياً يؤهله لتمييز الحد الفاصل بين حقه في الكسب وبين التزامه الأخلاقي وواجبه تجاه الفن والمجتمع. بينما في الدول العربية، وفي قطاع السينما المصرية تحديداً، فإن التاجر أو المنتج غالباً هو مَحدَثٌ وطارئ وناشئ من العدم! بلا عمق، فهو آتٍ من خلفية تجارية خالصة لا تلقي بالاً ولا اهتماماً إلا للربح المادي فقط، أما قضايا الفن والفكر والجمال والأخلاق فليست من ضمن اهتماماتهم أبداً. وهذا ما يفسر هشاشة الأفلام المصرية في السنوات الأخيرة وتفاهتها التي تصل إلى حد السخف.. وكيف لا يحدث هذا وأحد أبرز المنتجين المصريين يتعامل مع صناعة الفيلم بنفس الفلسفة التي يدير بها محلات بيع اللحم!.

لكن برغم السيطرة الواضحة لهذا النوع من المنتجين على السينما المصرية المعاصرة، يبقى هناك بصيص من أمل، يتجسد في شخصِ رجل واحد هو الإعلامي والمنتج السينمائي المصري (عماد الدين أديب) الذي أنشأ قبل سنوات قليلة مجموعة (غودنيوز)، ليقدم من خلالها رؤية سينمائية أصيلة، واعية ومختلفة، وينتج أفلاماً ناصعة الجمال تحافظ على توازن السينما المصرية. وأرشيفه الإنتاجي يشي بعمق رؤيته وإدراكه لأهمية دوره كمنتج، كما يكشف عن عشقه للمجازفة في سبيل تحقيق مشروعه التصحيحي للسينما المصرية، ومن ذلك جرأته على تحويل الرواية الناجحة (عمارة يعقوبيان) إلى فيلم سينمائي بكلفة ضخمة وبشكل جاد لا ينتمي إلى موجة الأفلام الشبابية ذات الأرباح العالية. ولتكون النتيجة عملاً رائعاً هو الأفضل في السينما العربية خلال العقد الأخير. والجميل هنا أن الفيلم حقق ربحاً معقولاً ليؤكد صحة ما ذهب إليه (عماد الدين أديب) من أن الفن والجمال لا يتضادان في الحقيقة مع رأس المال؛ شريطة وجود المنتج المثقف!.