جمادها..

ليتني

شجنها.

دراسة انطباعية ل:(شجن الجماد)

  • (شجن الجماد) آخر ديوان صدر للشاعرة ابو خالد التي كرمتها الدولة ممثلة في وزارة الثقافة والاعلام مؤخرا في معرض الرياض الدولي للكتاب 2007م الذي أشرفت عليه ورعته الوزارة هذا الشهر بين 27- 2وحتى 9- 2007/3م اعترافا وعرفانا بإبداعها وفكرها..

وفي ديوان شجن الجماد تتدفق طفولة فوزية ابو خالد من تعابيرها وعمق مشاهدها وشاعرية افكارها. وذلك كل تناغم في ذاكرة وذكريات الشاعرة ابو خالد واهداب عينيها وهي ترصد التاريخ وتنظرله حدثا وتتحدثه في مشاهدها ايضا وتطل على متلقيها من نافذة اشتعاله بوقود معناها وتلقيه اياها وكيفية التقائها به في تعابيرها المتنوعة والمتوجهة اليه بصداقة وصدق وجرأة.

ولابد لي قبل تناول النصوص ان اقف على أولى الصفحات التي قدمت بها ابو خالد ديوانها وعنوانها (شهقة أولى). ومن خلالها عبرت الشاعرة بكتابة دواعي شجن الجماد وشجنها ايضا وهي شرحت حزن الشيء وحزنها بعد فقدها اخاها محمداً ا، وتحدثت عن ذلك الشاعرة متلمسة نحيب التفاصيل العالقة باخيها تفاصيل مكانة وتفاصيل مسكنه وشاركتها الشاعرة فقدها اياه تعبيريا ووجدانيا. وابو خالد وهي تنثر مقالتها كأنها تكتب شعرا هكذا تحول النثر بخيال فوزية ويدها المبدعة نصا شعريا.

و بتناول ابداعها من خلال قراءتي خمسا وثمانين نصا تقريبا تضمنها ديوان شجن الجماد يتضح معها ان هناك تجربة جديدة في تلك النصوص مغايرة لماسبق من شعر في تجربة تدبرتها ابو خالد وبدءا من عنوان ديوانها (شجن الجماد) دلت قارئها اليها.

وبعد (الشهقة الأولى) وهي مقالة مقدمتها يطل علينا نص (ورقة) فيعيدنا إلى حالة الشغب بالأشياء الحبيبة وطفولة اللعب..ففوزية تشاغب إبداعيا وهي تمارس مع ورقتها طفولتها المتذكرة:

(يحسبونني شيئا أو جماد

لايحفلون بمشاعري الحبيسة

بين فراغات الخطوط

يمرون مسرعين

لايسمعون دقات قلبي.). ومن خلال لحظتها الموصوفة توحي الشاعرة لقارئها بوعي يعيش معه وكانها تكتب للمرة الاولى قصيدة ويتضح ذلك ربما بقصد او من غير قصد وهو مايدعونا الى القول بتجربتها الجديدة في هذا الديوان فنص (ورقة) وطريقة الشاعرة النافذة الى الجماد وأنسنته ونفيها الجمود عنه يوضحان تأمل الشاعرة طويلا وتمييزها جماداتها التي اتخذتها ادوات اساسية تسلط عليها حسها فتجيد استحضارها فتخرج بها من اطار التعبير التقليدي وتنقلب بها ومعها على السائد والمالوف وما يتصور عن جمادها وهويقصد الحياة من خلال صورها النابضة. ومما يشير الى ذلك: (قلة يكتشفون أنني شرسوشفيف).

وتستلهم فوزية خبرتها المعرفية لخواص جمادها ومزاياه وتكثف نظرة المتلقي الى الجماد بماتؤوله الشاعرة فيه من حركية ليحيا في نصوصها ويتالق فيقع في عشقه.

ومن خلال نصوص فوزية أبو خالد يرتسم المعنى معبرا عن شخصيتها التحليلية الفكرية/المفكرة المنظرة وتحضر شخصية فوزية أبو خالد بشاعرية وفلسفية تستوقف متلقيها الذي يحب احيانا منطق الشعر خاصة اذا تمتع بوصف ورؤية مقنعة تعبر عن المفكرة ابو خالد أيضا فتتحول الكلمات بين يديها وهي تفتح صندوق ذاكرتها معان فكرية ساحرة بما فيها من نماء وتشكل ابداعي مدروس بانتظام ووضوح لايغلب عليه كونها مفكرة على حساب حسها وكونها شاعرة. واحد النماذج لذلك نص (كرة): (بقدر مايكره الحجر الأصم

استسلامه لقانون السكون

لو أن من يسأله أحاسيسه

بقدر ماأحب تلك الحركة الفتية

وأنتشي بالهواء المشرب بعبير أنفاسهم

وهم يتبارون بحماس وصخب

ودون أن نتفق

نتعاون برعونة وبتعمد فننزع جبروت الجاذبية

أو على القل نوتر تلك العلاقات المستتبة).

ويدرك التاريخ ايضا فلسفته التي بالإضافة إلى تعبيرها عن الشاعرة فوزية أبو خالد فهي تعبرايضا عن خبرتها. من ذلك نص (الحجر الأسود) وفيه يتحدث التاريخ مع الاحساس في ثنائية مميزة ويتكافآن كقوتين شعوريتين ولاشعورتين فتتصاعدان بقيمة النص وشاعريته وتقربان موروثه الديني والفكري أيضا في الذات فيخرج المعنى البعيد لهما عن تقليديته ووعظيته الى مضمون نوعي بما يتأمل في هيكله المحفوظ في ذاكرة الشاعرة ومكانته الشعائرية في ذهن متلقيه بحيث يستثير حواسه الايمانية بشعر لاشعوره في مشهد ذهنه الذي لايكون جامدا في نص فوزية ومحاطا بهالة من الطاقة الايمانية.

ومن زاوية اخرى ترصد الشاعرة شجن بعض جوامد التقنية مثل الهاتف الجوال بما يتصف به من قدرة على تجاوز المكان والزمان ايضا فيرحل بصاحبه الى مايشاء ولايرحل عنه وجعلته متمردا وماردا في ذات الوقت لكنه مع ذلك يحزن اذا صار بلا اصل او هوية ولايستدل به الى سبيل ثابت وضاع عن انسانه وتشرد.

و لدى الشاعرة حالتان فريدتان تقع معهما في اسر الواقعية التي تكتب نصها وتبدعه حالة بين لحظة التلقي التي يعيشها متلقي الابداع وفي بعض نصوصها تخص الشاعرة معناها لحالتها تلك فتدخل الى نصها وكأنها تكتبه بابداعها وشاعريتها فتذهب بيقيننا الى ماتتمتع به الشاعرة من مهارة ابداعية في نصها وكتابتها وحالة اخرى تخرج بها الشاعرة احيانا من نصها وتعيشها متلقية لتعبر في ذات اللحظة التي تكتبها عن حسها النقدي تجاه ابداعها ووصف حالتين وموقفين قلما يستطيع شاعر ان يجمع بينهما ويلتقطهما في نصه وهما صنعة المنطق وفكر التلقي يدفعني الى القول بما تتمتع به من عقلانية وصنعة الشعروإلهام شعري يحفل بالحس والنقد والفكر في آن. ومن النماذج لما اعني (كاميرا، قفص، العباءة، المكيف) وبفطرية تامة تنطلق من طبيعة الموقف لاتصنعه تعبر الشاعرة عن قضايا المراة وعنائها ومعاناتها من خلال ادراكها لما يحدث لها في واقعها من تهميش وسلبية مقنعة بدعوى المحافظة التي لا اصل لها.مثل ذلك المعنى جاء في نص (قفص):

(تؤلمني هده العصافير

المزعجة كلما خبطت أجنحتها في

الفضاء وراحت تغني وكأنها

تسخر من سطوتي

أو تظنني وحدي في الحصار).

ولاينكر دارسو الأدب العلاقة الازلية بين الشعر والموسيقى ويؤرخها الشعراء. ايضا تعبر عن ذلك الشاعرة وعن حبها آلة العود في قصيدة تهديها العازف العراقي المعروف نصير شمه وعوده:(يفز زرياب

يشهق الخشب على ركبتيه/كان كمثرى سقطت/في حجره وانحبست.....).

ومن ناحية أخرى فباستثمار المتضادات والتلاعب بها بين جدوى ولاجدوى ينبع النص ويتخلق في ذهن الشاعرة باتقان تدل عليه براعتها في الوصف وتفجير مشاهدها وجدانيا وعقليا دون جهد يتفكر فيه المتلقي يتأكد به ذكاء الشاعرة وهي تتعامل ببلاغة محببة مع اللغة الشعرية والتضاد المعنوي الذي تحدثه البلاغة.

ولا تنظرالشاعرة من زاوية متشائمة الى قيمة مايفرضه عليها احيانا الواقع الاجتماعي مقل كثير من الشعر المنشور ولاتقتنع بسلبية الواقع لكنها تحاول ان تحول من ذلك مشهدا تعبر من خلاله عن صورة مضيئة تربطها بقيم مؤثرة ومعان عميقة مثل التفاؤل او الامل الآتي او العشق اوالفرح وهي افكار ايجابية عبرت الشاعرة عن واقع نظرتها الى احداها في قصيدة (العباءة):

(من الموسلين الأسود/ أو من القطن الممتقع /من حرير القز/ أومن الشالكي الكشميري/من الدمسق الشامي.......غير أن لاشيء يبلي/روحي من الظلام/إلا ظلفة وجهها تطل من شقوق التل/وتفتح على عوالمي الباب).

لا تصبح الجوامد في نظر الشاعر ة جوامد أيضا من خلال احيائها لها وجعلها تنبض شعورا وهب تعبر عن نفسها وشجنها وربما تاسف على حالها ومثل يبدو ذلك في نص (التاج):

(تجيء الأمجاد/ وت\هب/ فلا آبه إلا بما يتوجني/ به جمالها/ أنحني/ خلسة/لأقبل رهجة/جبينها/ وأتيه بما لم أوت).

تستعير الشاعرة مفهومي الذكورة والانوثة في نصوصها بإشاراتها لافتة الى شكل من العشق ينشأ ويتنامى بين كائنين هما الجماد والانسان معهما يتانسن الجماد معبرا عن تاثيره في انسانه وتاثره به وعلاقته العميقة به الى درجة تجعل انسانه يكن لها الاخلاص والوفاء ويخلع روحه ليهبها اياه فينبض الجماد ويزيد نبضه حياة الانسان ويتمازج بها وهوماياتي مضمنونا في نص (المكيف): (من يخالني ألطف الجو/لايعلم شيئا عن تجرعي/لكل تلك السموم التي/لاتتركني إلا وقد جربت /كل أنواع البكاء).

وتعبر الشاعرة فوزية أبو خالد عن موقفها الفكري ايضا من خلال رصدها لاثر الموهبة وهي تتنقل بالذهن وترحل به الى امانيه وتطلعاته التي لايدركها الواقع وحالته فيه مثلها في ذلك مثل الشعر. ونص (النافذة) دلالة للمستقبل الطموح الذي لايتناهى وهو يقفز بهاعن محيطها الى ماعداه وما يسترعي خيالها ويفقه لغتها الخفية التي تتجاوز واقع حروفها الى مدى ابعد من ذلك في معانيها. وفي (دلة القهوة) تضج الحكايا شعرا وشعورا يتشاركان والنص في مكوناته واخيلته: الآنية، والقهوة، والطعم، التأثير، والايدي القاطفة،..وبين قلم فوزية ويدها يتشعب النص وبين تلك المكونات وماتمليه عليه الذاكرة الشعرية وتتخيله من ذكريات واحاديث.. يصل بمتلقيه إلى صورة مقترحة للشراكة.:(أستمتع برائحة البن والهيل بكل حواسي/أترك عبيرها النفاد ينكل بالذاكرة/فتشقني نصفين /أنفاس اليد التي شقت التربة والأفواه التي اشتهيت الفاكهة السوداء وأحضان الثواب الرثة/التي التقطت القطاف.......).

ولانها تحسبه مثل انسانه لاتعمم الشاعرة على الجماد امتلاكه روحا خيرة ونية صالحة فمن خلال نصها (آلة الحلاقة) تعبر عن حدة الجماد وعصيانه وتمرده وسوء تربيته اوبعض مواقفه وشرورها.

وتعبرفوزية ايضا عن موقفها السياسي ونظرتها وقضاياها من خلال دلالات تحفل بها بعض قصائد ها مثل (التاج، الحجر).

ومن ناحية نحوية فاستخدام الشاعرة الضمائر مرة بصيغة المفرد ومرة بصيغة الجمع في نصوصها وعناوينها ايضا مسألة لا استطيع فهمها اوتأويل سببها (االمحمول،كفن، السجادة، مدفأة،منظار، النافذة، - الأنابيب المصاقيل، العدسات) واتت بعض العناوين معرفة وبعضها جاء نكرة.

ومن ناحية شكلية بحتة فانه يلاحظ على بعض عناوين النصوص مباشرتها احيانا الى درجة يشعرقارئها معها ان الشاعرة لم تبذل جهدا في اختيار عناوينها اوتنظيمها الى درجة تلفت معها نظر قارئها وربما طال بعضها بلاداع ودون دور، مثل عناوينها (جوال، مشط،الكاميرا...) واظن ان للشاعرة ابو خالد غاية من ذلك تهمس بها في ذهن المتلقي وتوجهه الى ضرورة الدخول العاجل الى الانشغال بفضاء نصها لا الشرود بذهنه عنه فتلك النصوص لاتحتمل ان تحفل بعناوين ذات صور مركبة مكثفة تشرد بذهن المتلقي ويضيع بين النص اومافي عنوانه من ايحاء.يطيل الوقوف معه عند باب العنوان ويمارس التسلي بلعبة الانشاء التي تحدث غالبا اذا تصدر النص عنوانا يكون نصا داخل النص.

وناحية اخرى تتعلق باللغة وتحسب للشاعرة وهي جرأتها في استخدام اللغة المحكية (الكشتبان، الروب، برغي، مريول، المدوان، البسكليت، المصاقيل، التليفون، الكاميرا، البالونة) وبعض العناوين ايضا لم يكن فصيح اللغة وربما أرادت الشاعرة كباحثة ومفكرة اجتماعية من ذلك أن تحتفظ للكلمات بتراثها المحكي ومنطوقها الاجتماعي وتنقلها بمدلولها التقليدي المتعارف عليه لدى العامة وحالتها الحسية وذكرياتها في ذاكرة انسانها بهدف تقربها تعبيريا من متلقيها واختصار علاقتها الابداعية بتلقائية تعيده إلى إرشيفه المعنوى ومرجعيته الطفولية فيتلقى شعرها بطريقته الفطرية الخاصة وهي طريقة قلما يلجأ إليها الشعراء والشعر الحديث بسبب ما تعرض اليه ولايزال وينسبه معارضوه الى شعرائه من تهم ونقد يتعلق بنواحي اللغة الفصحى واتقانها ومفاهيمها مما جعل الشعراء يقعون في فخ الفصيح ويتناسون او يغضون البصيرة عن الموروث والمخبأ في الذاكرة وماتوحي به اللغة المحكية من طفولة وحميمية وحنان يتفاعل والشاعروشعره.

وابوخالد مفكرة تجيد تحليل الواقع الاجتماعي وتكتب في السياسة والتنمية وتهتم بالبحث في شئون الثقافة والفكر وقضايا الإصلاح وشئون التعليم والتربية.وهي ناشطة حقوقية تهتم بقضايا المراة وشاركت مؤسسات الدولة وساهمت معها في تصحيح واقع المرأة السعودية ومشاركتها التنموية والاجتماعية في شئون الحياة الاجتماعية وشجونها. لاعجب ان تكون مفكرة ناشطة مثقفة من الدرجة الأولى شاعرة.

وهذا الديوان يكشف قدرة الشاعرة فوزية ابو خالد وجراتها على تفكيك ونقد الوضع الاجتماعي وهي جراة اتسمت بمعالجتها المتانية لفكرتها وقضيتها وتشريح السائد شعريا وانسانيا بما فيه والتعاطف مع واقع المرأة اجتماعيا وتقليديا.

ويمكن القول بان ديوان (شجن الجماد) اضافة اخرى تؤكد بها الشاعرة فوزية ابوخالد ريادتها لقصيدة النثر والشعر السعودي الحديث التي تسحقها بجدارة، وللشاعرة فوزية أبو خالد بالاضافة الى ذلك كتاب (قراءة في السر لتاريخ الصمت العربي....؟ شعر او نثر ولها ايضا (ماء السراب - دار الجديد)و(مرثية الماء - دار المفردات).

ومن المناسب الإشارة إلى ما لتكريم وزارة الثقافة والإعلام للشاعرة فوزية ابوخالد الذي تم مؤخرا في معرض الرياض الدولي للكتاب 2007م الذي أشرفت عليه ورعته الوزارة هذا الشهر بين 27- 2وحتى 9- 2007/3م من قيمة وأثر أيضا على الساحة الثقافة ومعطياتها.