أنجز الدكتور عوض بن متيريك الجهني أستاذ علم البيئة والتنوع الإحيائي في كلية العلوم في جامعة الملك سعود، أحدث دراسة سعودية عن انتشار النمر العربي في المملكة وأماكن توزيعه وكيفية المحافظة عليه من الانقراض.

ويلاحظ أهمية الدراسة ومدى الجهد الذي بذله الباحث من خلال تعيينه لمنطقة الدراسة من حقل شمالا حتى حدود اليمن جنوبا، بامتداد حوالي 1800كم على امتداد الجبال المحاذية لساحل البحر الأحمر.

واعتنى الباحث بالدقة فهو يشير من خلال دراسته الى أن المواقع التي تمت زيارتها تمثل نسبة قليلة من المواقع التي يحتمل أن يوجد بها النمر وبخاصة في المنطقة الجنوبية من الطائف إلى حدود اليمن.

كما اشار الى امكانية مشاهدة وسماع صوت نفس الحيوان أكثر من مرة.

هنا تفاصيل أوسع عن الدراسة:

يشكل وجود النمر العربي على امتداد الجبال المحاذية لساحل البحر الاحمر من حقل حتى اليمن أمراً غامضا لكثير من عامة السكان بل وحتى المختصين بالكائنات الحية، ذلك أن هذا الحيوان الفريد نادراً ما يشاهد في بيئاته الطبيعية في أعالي الجبال فهو ليلي المعيشة يخرج للبحث عن غذائه ليلاً أو في الصباح الباكر. وهو شديد الحذر قوي الرؤية والشم وبذا يكتشف كل من يقترب من حرزه من مسافات بعيدة . ومن سلوكه أن يراقب هذا الدخيل دون ان يعلم به او يتعرض له . ولذا فليس من المستغرب أن يعتقد كثير من الناس عدم وجود النمر في بيئات المملكة لعدم تمكنهم من رؤيته مثل بقية الكائنات الأخرى التي تشاركه بيئاته مثل الضبع والذئب والثعالب وغيرها من الحيوانات المفترسة .

إن اكثر الناس معرفة بوجود النمر العربي هم الصيادون وبخاصة صيادو الوعل وكذلك الرعاة الذين يرعون اغنامهم في الجبال التي يوجد بها النمر العربي . فغالباً ما يرى اثره او يسمع صوته وفي بعض الاحيان يهاجم قطعانهم لاخذ فريسته منها . ولكل هؤلاء فالنمر العربي مجرد " آفة " فهو للصياد منافس على الصيد أو عدو يخشى من فجاءته وللراعي قاتل مرعب يأخذ النفيس من الماشية وربما يقتل عدداُ أكبر مما يتغذى عليه، كما أنه لعامة الناس الآخرين كائن مفترس لا يشكل أهمية كبيرة لهم . 



ولذا فإن قضية المحافظة على النمر العربي وغيرها من الحيوانات المشابهة من خطر الانقراض التي ينادي بها  المهتمون بالحياة الفطرية والعلماء وغيرهم أمر يحتاج إلى الكثير من الجهد والإقناع للفئات السابقة التي لا ترى في وجود مثل هذا الحيوان سوى "الإضرار" بمصالحهم الحياتية بالرغم من أن النمر العربي الموجود في الجزيرة العربية كائن فريد من جنس النمور الذي يمتد انتشارها من السنغال غرباً الى اليابان شرقاً . فهو صغير الحجم رشيق الجسم لا يتعدى وزن الحيوان في الغالب  35كجم، يعيش في المناطق الجبلية العالية . وهو حيوان حذر لم يعرف عن مهاجمته الانسان مثل نمر البنغال مثلاً الذي يهاجم كل من يراه في الغابة . 

منطقة الدراسة :

يعتبر النمر أكبر أنواع القطط الأربعة ( الوشق القط البري والقط الرملي ) المتبقية في الجزيرة العربية واكثرها عرضة للانقراض حسب تصنيف الاتحاد العالمي لصون الطبيعة (IUCN) . كان انتشار النمر العربي معروفاً على امتداد جبال مدين وجبال الحجاز والسروات من حقل شمالاً حتى حدود اليمن كما يوجد في اليمن وجبال حضرموت شرقاً وجبال عمان حتى مسندم في اقصى شمال عمان . ولكن توزيع النمر واماكن وجوده غير معروفة تماماً على امتداد منطقة انتشاره لقلة الدراسات على هذا النوع الفريد .



شملت الدراسة مناطق انتشار النمر العربي التاريخية من حقل شمالاً حتى حدود اليمن جنوباً بامتداد حوالي  1700كم على امتداد الجبال المحاذية لساحل البحر الأحمر . وقد تم جمع المعلومات عن وجود وانتشار النمر من المعلومات التي جمعها المؤلف من الرعاة والصيادين الذين يعيشون أو يتجولن في البيئات المحتمل وجوده بها بعد التأكد من معرفتهم الاكيدة بالنمر العربي . كما تم تسجيل نوع البيئة التي يوجد بها والنباتات وانواع الحيوانات التي تعيش في تلك المناطق. 



دلت الدراسات السابقة عن انتشار النمر العربي ووجوده في مناطق متفرقة على امتداد الجبال المحاذية للبحر الأحمر من حقل شمالا الى اليمن جنوباً وقد بنيت تلك الدراسات على المشاهدة والمواطن التي قتل فيها الحيوان والتي شوهدت آثاره فيها مثل منطقة جبال الطبيق والمناطق الجبلية جنوب مدينة تبوك وجنوب العلا وغرب المدينة بالاضافة الى منطقة الباحة وابها والجبال المجاورة لحدود اليمن (شكل  1) .

شكل (1)

يوضح تسجيلات النمر العربي السابقة حيث تشير الدوائر الكبيرة الى التسجيلات القديمة . أما النجوم فتشير الى تسجيلات أحدث في المملكة واليمن وعمان . (لاحظ وجوده في شمال غرب المملكة).

نتائج الدراسة :

اتضح من الدراسة الحالية أن النمر العربي ربما اختفى من منطقة جبال مدين ( حتى خط العرض  28شمالاً ) بمحاذاة مدينة ضبا حيث لم يعثر على أي أثر له في تلك المنطقة كما يفيد السكان المحليون أنهم لم يروه أو يشاهدوا أثره منذ حوالي  20عاماً في تلك المنطقة واهم المناطق التي اختفى منها جبال الطبيق وجبل اللوز وجبل زهد والشياطئ  وجبل حرب وشار والدبغ وجبل شيبان وحرة الرها . 



أظهرت الدراسة أن النمر لازال موجوداً في جبال الحجاز وبالتحديد من جبال الورد وأغلب وشيهوب ووادي عمودان وحرة عويرض (بداية خط العرض   27شمالاً ) . كما أشارت الدراسة الى وجوده بشكل أكبر في عدة مناطق غرب المدينة في جبال الهضب وورقان وجبل رضوى بالاضافة الى جبل نيس وشدا وجبال فيفا على الحدود اليمنية (شكل 2) وقد شوهد أكثر من فرد (ذكر وانثى، واحيانا مع الجراء) في بعض المناطق . 

تم مسح أكثر من 153موقعاً خلال الدراسة للتعرف على وجود أو عدم وجود النمر في مناطق انتشاره المعروفة سابقاً . وقد شوهد حوالي 65نمراً في 42موقعاً، حيث شوهد اكثر من حيوان في بعض المواقع . وفي 38موقعاً شوهدت آثار أقدام النمر وسماع صوته حوالي 30نمراً في بعض المواقع تم فيها نقل النمر . ولم يشاهد في 15موقعاً من المواقع التي كان يوجد بها سابقاً . ولا بد من الاشارة هنا الى ان المواقع التي تمت زيارتها تمثل نسبة قليلة من المواقع التي يحتمل ان يوجد بها النمر وبخاصة في المنطقة الجنوبية من منطقة الطائف الى حدود اليمن . وعليه فإن اعداد النمر الموجودة في البيئات الجبلية في المملكة ربما تكون أكثر من العدد الذي تمت مشاهدته أو الذي شوهدت آثاره أو سمع صوته ( 95فرداً) ويحتمل كذلك مشاهدة وسماع صوت نفس الحيوان أكثر من مرة .

 شكل (2)

تسجيلات وجود النمر خلال الدراسة الحالية حيث تشير المثلثات الى المناطق التي اختفت منها . النجوم تشير الى المناطق التي شوهدت فيها، أما الدوائر المفتوحة فتشير الى المناطق التي ذكر فيها ولم يشاهد .

المحافظة على النمر العربي :

تعتبر مشكلة افتراس النمر العربي للماشية في مناطق انتشاره المعضلة الاساسية بين الانسان والنمر العربي . ولا بد من الاشارة هنا الى أن المشكلة تفاقمت بعد تناقص الفرائس الطبيعية للنمر العربي في بيئته مثل الوعل والغزال الجبلي والأرانب والوبر وغيرها وذلك بسبب الصيد غير المتزن لهذه الحيوانات . ومن الطبيعي أن يبحث النمر عن الغذاء لبقائه، فلجأ الى الماشية التي ترعى حول مسكنه أو ينزل الى التجمعات السكانية في القرى القريبة منه .

وتجدر الاشارة هنا أن الاسباب الاخرى لقتل النمر لا تشكل عاملاً كبيراً في تناقص اعداده مثل قتله خوفاً منه أو لاستخدام بعض اجزائه او حتى للفخر والشهرة . 

ان قضية تناقص اعداد النمر العربي في الجزيرة العربية بشكل عام وفي المملكة بصورة خاصة يحتاج الى تحرك سريع وفاعل من الجهات المعنية بالمحافظة على الحياة الفطرية في المنطقة لتجنب تناقص افراده ومن ثم انقراضه من بيئاته الطبيعية، وقد خلصت الدراسة الى ثلاثة أسس رئيسة للمحافظة على النمر العربي وهي :

@ التوعية الاعلامية بأهمية النمر العربي لبيئات المملكة، توجه الى كل فئات المواطنين وبخاصة اولئك الذين يسكنون المناطق التي لا يزال النمر موجوداً بها .

@ الدراسات البيئية المكثفة لمعرفة البيئات التي لا يزال يوجد بها النمر ومحاولة معرفة الاعداد المتبقية منه بالإضافة إلى جمع المعلومات البيولوجية والسلوكية لضمان حسن إدارته .

@ العمل السريع لإيجاد محميات طبيعية آمنة للنمر العربي في المواطن التي لا يزال يوجد بها بأعداد جيدة ومناسبة من حيث قلة التجمعات السكانية بها أو حولها للتقليل من التأثير البشري على المحمية وكائناتها الفطرية .