من أشهر أعلام الجزيرة العربية في القرن العاشر شريف مكة بركات بن محمد بن بركات وقد تميز رحمه الله بأن اجتمعت فيه عدة صفات قل أن تجدها في غيره من الأعلام من شجاعة وفروسية وحكمة اضافة لكونه شاعرا مميزا.

نسبه

بركات بن محمد بن بركات بن حسن بن عجلان بن رميثة بن أبي نمي محمد بن أبي حسن بن علي بن أبي عزيز قتادة الحسني الهاشمي، ولد في مكة المكرمة سنة احدى وستين وثمانمائة، أمه الشريفة عمرة ابنة محمد آل أبي نمي.

تعليمه

تلقى العلم على يد مجموعة من العلماء قال عنه ابن فهد في كتابه غاية المرام: في طفولته استجاز له والدي الحافظ نجم الدين عمر بن فهد الهاشمي المكي - رحمه الله - جماعة من المشائخ، أهل الإسناد والعلم الراسخ(1)

الخلط مابينه ومابين آخرين يشبهونه في الاسم:

ان من ترجم للشريف بركات في كتب الشعر اختلط عليهم الأمر ما بين عدة شخصيات تحمل اسم بركة وبركات في أزمنة مختلفة وهم:

1- جدة الشريف بركات.

2- بركة بن عبدالمطلب المشعشي:

أحد أمراء المشعشين في الحويزة، ونسبه له في بعض كتب التراجم قصائد بالفصحى، إلا أن الشبر شكك في صحتها حيث قال (لم يعرف السيد بركة بالشاعرية) ومن القصائد المنسوبة له:

عفى الله عن عين غضاها محاربه

وقلب دنيف زابد الهم حاربه

ويامورد الأسياف بيض حدودها

وصادرها حرا من الدم شاربه

بنيت لنا بيتا من المجد شامخا

عسى الله لا يهدم من الضد جانبه(2)

وقد جزم العريفي في كتابه الشريف بركات أن بركة هو الشاعر الشهير الشريف بركات(3) وتبعه في هذا الاستنتاج الدكتور سعد الصويان، ويبدو لي أن هذا الاستنتاج ليس صحيحا لعدة أسباب منها:

أ - الاختلاف في الأسم ما بين (بركة) و(بركات).

ب - لم يعرف بلقب الأشراف سواء أمراء مكة المكرمة دون غيرهم من آل البيت، والمشهور استخدام لقب السيد في بقية أرجاء العالم الإسلامي.

ج - لم يكن بركة شخصية ذات شهرة بل لم يتول السلطة في إمارة المشعشين.

د - عرف شعراء المشعشين بأسلوب ولهجة تختلف تماماً عن ما نقل عن الشريف بركات.

ولعل إصرار العريفي والصويان على جعل جميع القصائد من تأليف شخصية أو شخصيتين فقط هو الذي أوقعهما في هذا الوهم، في حين تشير المصادر الى وجود أكثر من بركات وبركة قالوا الشعر، وقيل فيهم قصائد من قبل شعراء في أزمنة وأمكنة مختلفة.

3- بركات بن حسين بن بركات.

4- المولي بركات بن المولي مطلب المشعشي من أهل القرن الثالث عشر(4).

لمحات من حياته

مدة ملكه شريكاً لأبيه سبع وعشرون سنة، وجملة ولايته استقلالا وشراكة أربع وخمسون سنة حيث وقع الخلاف ما بينه وما بين أخيه الشريف هزاع، ثم أخيه الشريف محمد الملقب بالجيزاني، ثم الشريف حميضه بن محمد.

وقد مرت فترة ولايته بفترات عصيبة قضى بعضها محبوسا في مصر الى أن فر وقضى على منافسيه في العام 910هجرية.

وأقام ابنه علي علي نصف الامارة وأخوه الشريف قاتباي على النصف الثاني(5).

ويذكر المؤرخون حادثة في العام 908تدل على شجاعته حيث انه في احدى الوقعات مع أخيه الشريف الجازاني ثبت بعد أن فر غالب من معه وابلا بلى حسنا حيث يصف الطبري تلك الحادثة بقوله: أخبرني من أثق به أنه كان تحته ذلك اليوم فرس تسمى الجرادة وأنه أفحمها الخندق الذي حفرته الأتراك حول المعلا وهو بمفرده يضرب في الجيش بسيفه فانهزموا وهو يضربهم حتى أبعدهم(6).

علاقته بنجد

لقد كان لأشراف الحجاز علاقة وثيقة بنجد وخاصة عاليتها التي كانت تتبع الحجاز في بعض الأزمنة، ولذا فإن بعض شعراء نجد قد مادحوا الشريف بركات منهم عامر السمين أحد أشهر شعراء نجد في القرن العاشر، ومن أشهر قصائده قصيدة طويلة سميت بالذهبية منها:

لمن طلل بين الخمائل والخالي

خلا واختفى عن منزله بالخلا الخالي

دوارس خلي لا أنيس بربعها

سوى البوم والسرحان والبرم والرال

تنكر عن العهد الذي كنت خابر

وغير صروف البين من حالها حال(7)

علاقة الشريف بركات بالقبائل والإمارات الأخرى في الجزيرة العربية:

شهد بداية القرن العاشر نزاعاً بين ورثة السلطة في أبرز إمارتين في الجزيرة العربية في ذلك الزمن هما امارتا الجبور في شرق الجزيرة العربية والأشراف في مكة، وقد استعان أطراف النزاع بقوى محيطة من قبائل ودول وإمارات مجاورة، ومنها استعانة الشريف بركات بأمير بني جبر محمد بن أجود بعد زواجه من ابنته(8)، ثم نجد أن قبائل بني لام وأحلافها تناصر الشريف بركات لاستعادة حكمه وهو ما حدث بالفعل(9)، لتساهم أيضا قبائل بني لام في إسقاط دولة الجبور(10)، ولعل البحث في طبيعة العلاقات ما بين الجبور والأشراف والقبائل في الجزيرة العربية في القرن العاشر تحتاج للكثير من التفصيل مما لا يتسع له المجال في هذا المقال.

الشريف بركات الشاعر

ومن قصائده يمدح السلطان:

من يقيم بباب الله

بالخضوع والذلة

طائع لأمر الله

يكس في الجنان حلة

إن ترد تكن ناجي

قم لخالقك ناجي

والزم في الدجى الداجي

بابه وثق بالله

واجر الدمع في الأسحار

وابك الذنب والأوزار

واسأل ربك الغفار

أن يعفو عن الزلة(11)

وله أيضاً معارضا السلطان الغوري:

اكتم السر وبك لا تفشى

بالرشا الألعس

فهو يزرى الصون اذ يمشى

في الرداء السندسي

ما على الصب في الهوى من عار

إنما تمادى الكمد(12)

شاعره الغليف

إن أشهر شعراء الحجاز في القرن العاشر هو الشيخ الخطيب احمد بن الحسين بن الحسن العليف مصغر الغليف العدناني اليمني ثم المكي، لقب بشاعر البطحاء(13)، قلت: ويبدو أنه هو الكليف أو الجليف الذي يرد ذكره عند الرواة وبعض كتب الشعر، فلقد عاش في نفس الحيز الزمني فلعل جليف وكليف تصحيف غليف. ومما قاله مادحا الشريف بركات:

إذا سار الجود يحدو ركابه

وإن بركت عن سيرها فهو بارك

وفي التاج غيث بالحيا متهلل

وفي الدرع ليث والتريكة زامك

أباد العدى فاستدرك السيف فوته

ومن قبلها في الغمد لا يتماسك(14)

ويبدو أن قصيدة الغليف الشهيرة التي قالها في مقرن بن أجود مدحا إيه ثم ناصحا له بالحذر من الأعداء وممالأته، سببها زواجه من ابنة مالك الزبيدي شيخ زبيد وخال أخيه ومناسه عدو الشريف بركات، ومنها قول الغليف:

الى غريري من أولاد المضا

راعي عطايا مايمن جزالها

شيخ العشيرة مقرن زاكي الوفا

حمال من جل الخطوب ثقالها

قد شاف بالأعمام ما لا يرتضى

بالدار واقفى زاهد بأعمالها

متسلل عن ديرته واصحابه

خوف القطيعة بالصديق وقالها(15)

وفاة الشريف بركات

توفي رحمه الله ليلة الأربعاء رابع عشر ذي القعدة على فراشه في مكة المكرمة سنة 931هجرية وله من العمر احدى وسبعون سنة.

عقبه:

وله من الأبناء ثقبة، أبا القاسم، حازم، واصل، سند، علي، محمد أبانمي(16).

ختاما أتمنى أن أكون في هذا المقال قد أوضحت شيئاً من الغموض الذي كان يحيط شخصية بركات الشريف وشاعره الغليف

(1) غاية المرام بأخبار سلطنة البلد الحرام، عز الدين عبدالعزيز بن فهد، ج 3ص

35(2) تاريخ المشعشعين وتراجم أعلامهم، جاسم شبر، ص

229(3) للمزيد من التفاصيل راجع كتاب الشريف بركات، تأليف احمد فهد العريفي، ص

32(4) المصدر السابق، ص

214(5) للمزيد من التفاصيل راجع تاريخ مكة ج 1من ص 289الى ص

321(6) المصدر السابق ص

309(7) الشعر النبطي، مصدر سابق ص

334(8) المصدر السابق، ص

331(9) مفاتح الكرم في أخبار مكة والبيت وولاة الحرم، لعلي السنجاري ج 3ص

153(10) امارة آل شبيب د. عبداللطيف الحميدان، ص

43(11) غاية المرام ج 3ص

160(12) تاريخ مكة اتحاف فضلاء الزمن بتاريخ ولاية بني الحسن، للجمال الأخير محمد الطبري ج 1، ص

(13) المصدر السابق ص

368(14) المصدر السابق ج 3ص

202(15) الشعر النبطي، مصدر سابق ص

294(16) اتحاف الفضلاء ج1، ص 4-