المستشفى أصبح بحاجة ماسة إلى مشرط إداري ماهر يجيد إعادة هيكلته وتنظيمه وتخليصه من الزوائد والترهلات التي أصبحت تشوه جسده وتخفي محاسنه، وتحديداً أشير إلى الخطوط الرئيسية التالية كمدخل رئيسي لتطوير وتنمية مستشفيي الملك فيصل التخصصيين بكل من الرياض وجدة وما يتبعهما من مراكز وفروع

يمر مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث بمرحلة لا توازن بدأت تبرز في النقد الظاهري له، بعد ان كان المستشفى حصناً منيعاً ضد النقد وبعد ان كان يشكِّل المثال الذي يتغنى به في المجال الصحي. لا شك بأن النقد يكون مزعجاً حينما يخلط بين نقد المؤسسة الصحية إدارياً ونظامياً وبين مستوى العاملين فيها مهنيا، وهذا ما أحاول تجنبه في كتابتي هذه عن مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الابحاث الذي يضم بين جنباته كفاءات مهنية طبية وصحية متميزة وطنية واجنبية، يكاد ان يخفيها ويلغي تميزها الظاهر بعض السلبيات الإدارية والتنظيمية التي يمر بها المستشفى، والتي لم يعد بالإمكان تجاهلها من قبل المتابع لهذا الصرح الصحي.

مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث يصلح مثالاً لحال بعض المؤسسات التي لم تستوعب قياداتها بعد بأننا في طور تجاوز، ان لم نتجاوز بشكل كامل، الطفرة المادية وبأننا أصبحنا كذلك خارج السيطرة الإعلامية، حيث لم يكن هناك إشكالية في أيام الطفرة أو الوفرة المادية بينما الآن نرى الوضع يختلف والجميع يجب ان يوضع تحت المجهر ويساءل ويقارن مع أقرانه، وتحديداً يجب ان يسأل هل مخرجاته تتوازى مع ما يقدم له من دعم وإمكانيات...؟ في أيام الطفرة كان الإعلام مشغولاً بالدعاية ولم يكن هناك ما يحفزه على النقد أما بفعل الترف المادي أو بفعل الضعف المهني والسيطرة الرقابية الإعلامية، والآن ما شاء الله الإعلام فتحت شهيته على نقد الخدمات المحلية.

أعود إلى وضع مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الابحاث، فأشير إلى ان ابرز ما يعانيه يتمثَّل في الآتي:

أولاً: التضخم الإداري والوظيفي في أجهزته الإدارية والفنية، وبالتالي المالي في المصروفات مقابل الإنتاجية، فلا اعتقد انه يوجد مستشفى متقدم عالمياً، على اعتبار المستشفى عالمي ولا يقارن بالمستشفيات الجامعية أو مستشفيات وزارة الصحة المحلية، عدد أسرته حوالي ستمائة سرير وموظفوه يزيدون على ستة آلاف موظف، مستشفى يعمل به أكثر من ثلاثمائة استشاري، أكثر من 30% من هؤلاء الاستشاريين يتقاضى الواحد منهم ما يفوق نصف مليون ريال سنوياً، ولم يستفد منهم بالشكل الامثل بدليل النسبة المتدنية للمتدربين (أطباء الزمالات والتحضير للتخصصات الدقيقة) التي تعادل متدرب واحد مقابل كل ثلاثة استشاريين، فقط... ليس ذلك فقط بل ان الضخم يبرز في المجالات الإدارية والمساندة حيث يوجد بالمستشفى ما يقارب عشرين مسؤولاً أو أكثر (مدير تنفيذي، مدير مشارك، مستشار وغيرهم) يحصل كل منهم على مميزات تعادل أو تفوق ما يحصل عليه وكلاء الوزارات العاملين في الدولة.

ثانياً: فقدان أو عدم وضوح الأهداف والهوية التنظيمية للمستشفى بكافة فروعه؛ مستشفى الرياض، مركز الابحاث، مستشفى الملك فهد لسرطان الأطفال، مستشفى جدة والعيادات الخاصة الملحقة بالمستشفى، فتارة هو حكومي وتارة هو خاص وتارة هو متخصص في الأمراض المتقدمة وتارة هو خاص بفئات محددة .. تارة يقوم بشراء فلل في الحي الدبلوماسي وتارة يبحث عن الاستثمار في الفندقة.. تارة يسهم في مؤتمر في الولايات المتحدة وتارة يسهم في برنامج دبي للتسوق... ومن يدري فمن ضمن الافكار كذلك إنشاء كلية طب وكلية إدارة أعمال... وغيرها.

ربما نتجادل في الاسباب حول ما يحدث ولكن اعتقد ان الخلل الإداري في الرؤية وفي التخطيط والتنفيذ قاد إلى التضخم والترهل والتخبط، وهذا الخلل ليس وليد اليوم بل هو تراكمات إبتدأت منذ فترة طويلة، اسهمت الوفرة المادية التي أشرت إليها اعلاه وما حظي به المستشفى من امتيازات كبيرة اقتصادية ومعنوية، بما في ذلك الامتيازات المعنوية التي تأتي عبر نجاحات فردية لبعض العاملين به، في إخفائه.

مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الابحاث صدرت الموافقة بتحويله إلى مؤسسة طبية مستقلة إدارياً ومالياً، وهو وضع إداري تحلم به كثير من القطاعات وبالذات الصحية والتعليمية كالجامعات، ولكن رغم مرور الاشهر لايبدو ان هناك اية تغيير في الهيكلة الإدارية والتنظيمية للمستشفى، رغم أنني كنت أعتقد بوجود تصور واضح لتلك الهيكلة قبل صدور قرار تحويله إلى مؤسسة، وإلا فما هو مبرر تحويله إلى مؤسسة دون أهداف واضحة من جراء ذلك التحويل؟

المستشفى يحظي بميزانية تقدر بمليار وثلاثمائة ألف ريال حسب تصريح مسؤولية، وهي ميزانية تعد ممتازة جداً مقارنة بميزانيات القطاعات الصحية والتعليمية الاخرى، ولتقريب الصورة، هنا، فإن ميزانية مستشفى الملك فيصل التخصصي تفوق ميزانيتي جامعتي الملك فيصل والملك خالد، وهما الجامعتان اللتان تديران ثلاث كليات طب بمستشفياتها الجامعية وحوالي خمسة عشر كلية أخرى صحية وغير صحية، علماً بأن للمستشفى موارد أخرى عن طريق العلاج وبعض الإستثمارات الذاتية، وعلماً كذلك بأن مستشفى تخصصي جدة حصل على دعم خاص من لدن خادم الحرمين الشريفين حفظه الله، بمبلغ 300مليون ريال حسب تصريح سعادة مدير المستشفى، ويتجه للعمل كمستشفى خاص (مع تحفظنا لهذا التوجه). كل ذلك يعني ان المادة لايفترض ان تكون المبرر أو الشكوى....

إذاً المستشفى لا يعاني من ضغوطات إدارية عليا بحكم استقلاليته الإدارية، ولا يعاني من نقص في الموارد فهو يحظى بمالم تحظ به كثير من القطاعات الصحية والتعليمية والبحثية المشابهة، فهل نعتبر بأن الثقة والكرم الذي تمنحه الدولة لهذا المستشفى ادى إلى جعل القائمين عليه يتيهون دلالاً وبخترة كالذي ينعم بكل شيء فيتحول الدلال الذي ينعم به إلى بذخ وعدم قدرة على تحديد الأولويات...؟!

بعيداً عن الغوص في تفاصيل كثيرة أراه واجبي كمتابع للشأن الصحي المصارحة بأن المستشفى أصبح بحاجة ماسة إلى مشرط إداري ماهر يجيد إعادة هيكلته وتنظيمه وتخليصه من الزوائد والترهلات التي أصبحت تشوه جسده وتخفي محاسنه، وتحديداً أشير إلى الخطوط الرئيسية التالية كمدخل رئيسي لتطوير وتنمية مستشفيي الملك فيصل التخصصيين بكل من الرياض وجدة وما يتبعهما من مراكز وفروع:

طالما تم تحويل المستشفى إلى مؤسسة، فإنه من الواجب ايضاح المرجعية العليا لتلك المؤسسة، وبحكم طبيعة تخصص المؤسسة، فالمرجعية الطبيعية يجب ان يكون لها علاقة بالمجال الصحي.

هل تكون المرجعية وزارة الصحة، أم يتم إيجاد مرجعية أعلى كمجلس صحي أعلى أو هيئة صحية عليا تشرف على الخدمات الصحية بجميع القطاعات وليس فقط المستشفى التخصصي؟ هذا السؤال يجب ان يطرح، حتى لا يتصور المعنيون بإدارات بعض القطاعات الصحية بأن الثقة الممنوحة لهم والاستقلالية في القرار الإداري لا تبيح البذخ والتخبط في المسير دون حسيب أو رقيب...

حينما نشير إلى مؤسسة فهذا يعني مجلس إدارة وأهداف يتبناها مجلس الإدارة وقطاعات محددة تشرف عليها تلك المؤسسة.. إلخ. بكل أسف لم يشكل حتى الآن اية مجلس إدارة للمؤسسة ولم تتضح أهدافها ولم يعاد ترتيب قطاعات المؤسسة ضمن هيكل إداري مؤسسي واضح، بل ان المسمى للمؤسسة لم يوجد بعد، حيث ان المستشفى ان يكون جزءاً من المؤسسة وليس المؤسسة بذاتها وبالتالي فلا استسيغ ما يسمى مؤسسة مستشفى الملك فيصل ومركز الابحاث، وإنما شيء مثل مؤسسة الملك فيصل الطبية ويتبعها مستشفى الملك فيصل بالرياض، مستشفى الملك فيصل بجدة، مستشفى الملك فهد لسرطان الأطفال، مركز الملك فيصل للأبحاث الطبية والبيولوجية.. إلخ.

حينما يعاد أو يوجد الترتيب الأعلى للمؤسسة سنطالب حتماً بأن تكون أولى الخطوات هي الهيكلة الإدارية، أو إعادة التنظيم الإداري، لكل قطاع من قطاعاتها، والهيكلة يجب ان تبدأ بوضع أهداف محدده تراقب وتقيم بشكل منظم لكل قطاع أو مستشفى أو مركز يمنع عنها الترهل والفوضى، اهداف يتم تقييمها بناء على جودة المخرجات مقابل المدخلات لكل منها، وفق أسس علمية مهنية متخصصة.. الهيكلة يجب ان تشمل مراجعة الكادر الوظيفي والتخلص من التضخم الوظيفي لتلك القطاعات، كأية مؤسسة يعاد تأهيلها وهيكلتها، سواء عبر عدم تجديد العقود أو إيجاد ميزات تقاعدية مبكرة تسهم في التخلص من الاعداد، الزائدة... أو حتى بالتعاون مع القطاعات الأخرى الصحية وتوجيه بعض الكفاءات للعمل بها وفق ميزات معينة... وغير ذلك مما تقتضيه هيكلة المؤسسة وتنظيمها وفق أسس إدارية مهنية واضحة المعالم تضمن لها التطور والنماء بعيداً عن المحسوبيات والمجاملات والمصالح الخاصة، وبالذات مستشفيات الملك فيصل التخصصية ومراكزها تتبع عقود سنوية في التعاقد مع موظفيها وليست مصلحة ضمان اجتماعي للعاطلين والمتقاعدين وغير المنتجين...

تلك خطوات رئيسية يتبعها بالتأكيد تفاصيل كثيرة، نسوقها لاننا نعتقد بأن مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الابحاث يشكل واجهة طبية وعلمية على مستوى الوطن، ومن منطلق يراعي المصلحة الوطنية نرجو له دائماً المكانة اللائقة به والتي لا يمكن ان تتحقق دون الالتفات إلى ما يدور في الهمس والعلن حوله وإلى ما يعانيه موظفوه غير الإداريين من الإحباط وإلى شكوى عملائه، المرضى، بأنه لم يعد ذلك النموذج الاسطوري في خدماته وعنايته بعملاءه.

أكرر التقدير لمستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الابحاث، وأعترف، رغم ان هذا الاعتراف قد لا يعني القراء، بأنه كان يمثِّل لي مدرسة تعلمت فيها الكثير من بداية حياتي المهنية والعملية، وما زلت احتفظ لكثير من الزملاء فيه وفي مركز ابحاثه بالود والتقدير والمحبة، رغم مرور السنين منذ ان تركت العمل به. ذلك التقدير الذي يجعلني اصنف كتابتي هذه تجاهه كرسالة حب لا تتنكر لما قدمه لي وإنما تبث الامنيات بأن اراه صرخاً شامخاً نفاخر به ليس على المستوى المحلي والاقليمي بل والعالمي كذلك...

تعقيب:

تعقيباً على موضوع الخدمات الصحية بالحرس الوطني: حتى لا يكون العزف منفرداً، الذي نشر هنا قبل عدة أسابيع، لم يفرِّق البعض بين نظرتي للخدمات الصحية كجزء من المنظومة الصحية الحكومية بصفة عامة ونظرة البعض لها كجزء مستقل لا يعنيه ما يحدث في القطاعات الاخرى، وكما أنني أعترفت أعلاه بما للمستشفى التخصصي من أفضال علي في بداية حياتي المهنية، فإنني أشير إلى ان جزءاً من ذلك كان وراءه معالي الدكتور فهد العبدالجبار مدير الشؤون الصحية بالحرس الوطني، حينما كان مديراً لمستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الابحاث.

هذه الإشارة ابعثها لمن يحاول الاصطياد وإحالة الموضوع العام الذي نطرحه إلى قضية شخصية، غير مدركين بأن التقدير الشخصي الذي أكنه للدكتور فهد العبدالجبار، لن يخل به طرح رؤية عامة وليست شخصية تجاه الخدمات الصحية بالحرس الوطني، وبأن معاليه شخصية إدارية لها بصماتها الإيجابية ضمن مسيرتنا الصحية والتنموية، سواء على مستوى الوطن أو على مستوى المؤسسات الصحية والتعليمية التي تولى معاليه إدارتها.