قصة أو تراجيديا إحدى فئات المهمشين أو ما يسمون ب "الاخدام" في اليمن تمتد منذ عدة قرون وكأنها لعنة التاريخ المطاردة لأبناء هذه الفئة التي امتزج تاريخها بالواقع والأسطورة. ولم تقتصر الخرافة أو الأسطورة على تاريخهم واصل وجودهم بل امتددت إلى حياتهم وطرق معيشتهم وعاداتهم الاجتماعية وتقاليدهم وطقوسهم الخاصة الدينية وحتى الأخلاقية. وتقول بعض الدراسات التاريخية أن أصل الاخدام يعود إلى الغزو الحبشي الفاشل لليمن في القرن السادس الميلادي على يد ابرها الأشرم وترى هذه الدراسات أن الاخدام كانوا من بين المواطنين العامة أو المحاربين الذين قدموا إلى اليمن وتم استعبادهم بعد فشل غزوهم لليمن وطرد بعضهم على يد سيف بن ذي يزن. بينما يرى بعض أبناء هذه الطائفة ذات البشرة السوداء والملامح الأفريقية أنهم إحدى القبائل التي سكنت مدينة زبيد في محافظة الحديدة جنوب غرب اليمن.

وعلى الرغم من مرور القرون وتعاقب السنوات فان حال أبناء هذه الفئة لم يتغير على الإطلاق، إذ لازال هؤلاء الناس يمارسون الوظائف الدونية في المجتمع كتنظيف الشوارع وتقديم الخدمة لأبناء المجتمع الآخرين وفي الوظيفة الحكومية يكاد أبناء هذه الشريحة الاجتماعية لا يتواجدون إلا في البلدية ووظائف تتعلق بتنظيف الشوارع. كما أنهم يعيشون في بيوت من الصفيح في بعض الأماكن غيرالنظيفة في العاصمة صنعاء أو المدن الأخرى، حياة لا تتوفر فيها الخدمات الرئيسة من ماء وكهرباء ومجاري، إذ يعيش معظم أبناء هذه الفئة على التسول في الشوارع أو تنظيف السيارات وغيرها وخاصة وسط فئة الشباب الأمر الذي يحرمهم من التعليم، ويرى البعض أن الحياة المزرية التي يعيشها هؤلاء والتي تتميز غالبا بانعدام النظافة في أوساط أبناء هذه الفئة المهشمة بالإضافة إلى العديد من الشائعات القاسية كلها فرضت عليهم نوعاً من العزلة الاجتماعية التي خلقت عالما خاصا بهم بعيدا عن حياة الناس الآخرين.

الاستمرار في حلقة مفرغة من التهميش

ويرى الدكتور فؤاد الصلاحي (أستاذ علم الاجتماع في جامعة صنعاء) أن: "عدم الاعتراف الاجتماعي في هذه الفئة في المجتمع اليمني أدى إلى إعادة إنتاج هذه الجماعة لنشاطاتها وثقافتها، ومن ثم استمرارها في حلقة مفرغة غير قادرة على الاستفادة من المتغيرات الاقتصادية الحديثة والاجتماعية، وهي في هذا الصدد أصبحت مجالاً للاستبعاد والتهميش السياسي والاقتصادي والاجتماعي، علاوة على أنها تعاني من أزمات سيكولوجية نتيجةً لهذه النظرة الدونية من المجتمع".

ويؤكد الصلاحي أن "المجتمع اليمني الريفي والحضري يحتقر هذه الجماعات، ولا يريد لها أن تندمج في إطار بنيته الاجتماعية، فكثير من الأنشطة الاقتصادية الحديثة والوظائف الرسمية تستبعد هذه الفئات من بنيتها، وأكثر مجال في هذا الصدد أن الدولة لم تستطع أن تدمج هذه الجماعات بقوة القانون في بنية التعليم الرسمية. في النظام التعليمي، في البنى الوظيفية الحديثة".

محمد القيرعي رئيس منظمة الأحرار السود في اليمن يؤكد أن 99% من عمال النظافة والصرف الصحي في اليمن هم من فئة الأخدام، و95% منهم يعملون بواقع الأجر اليومي وبدون عقود رسمية تكفل لهم حقوقهم، منوها إلى أن هذا القطاع العمالي الواسع محروم من حقوقه التي يكفلها القانون لبقية مواطني اليمن مثل الإجازات الأسبوعية والسنوية والموسمية، وحقوق التأمين الصحي والمعيشي والسكني وغيرها، الأمر الذي يترتب عليه توسيع دائرة الفقر، والعزلة والتهميش للأخدام.

لا يأكلون موتاهم

ولعل أقسى الشائعات القاسية الأكثر رواجاً في الأوساط الشعبية اليمنية أن الأخدام يأكلون موتاهم، فيما يقول آخرون إنهم يدفنوهم في منازلهم أو يذيبونهم بالأسيد فيما يقول البعض لا تأكل مع الاخدام لان الدود تخرج من صحون أكلهم.

وبغضب شديد يدحض محمد المسيب رئيس جمعية الاعتزاز واحد أفراد هذه الفئة في منطقة بني حشيش في ضواحي صنعاء خرافة أكل الاخدام لموتاهم ويقول "نحن نمارس كافة الطقوس بدفن موتانا، ونحن نحمل الميت إلى المقبرة بعد غسله والصلاة لكن من دون مشاركة أحد من غير أفراد الطائفة. ولأننا نعيش حياة عزلة بعيدا عن بقية أفراد المجتمع فإنهم لا يعرفون عن موتانا ولا يشاركوننا في جنائزنا ويجري دفن الميت بصمت تام ودون معرفة أحد به، ولهذا يعتقد الكثيرون أن الأخدام يأكلون موتاهم أو يقومون بدفنهم في منازلهم".

كما يعتبر أبناء القبائل الزواج من احدى بنات الاخدام أو تزويج احد أبنائها عارا. وذكر احد أبناء القبائل ل "الرياض" انه أحب فتاة من الاخدام وأراد أن يتزوجها ودفع ثمن قراره غاليا إذ طردته أسرته وجردته من السيارة وكل ما كان لديه لكنه الآن يعيش حياته مع أفراد هذه الفئة كنوع من الوفاء للمحبوبة.

وفيما يتهم القيرعي سلطات الدولة بممارسة التهميش ضد الأخدام بشكل أخطر، فان علي صالح عبدالله وكيل وزارة الشؤون الاجتماعية يرى أن الحكومة لا تقر بأي نوع من التمييز ضد أبناء هذه الشريحة وأنهم مواطنون يمنيون يتمتعون بكافة الحقوق المكفولة في الدستور والقانون. ويؤكد انه لدى الدولة مشاريع لتحسين الظروف المعيشية لهم. ويقول: "الصورة النمطية هذه هي مسألة تاريخية واجتماعية ونحن لسنا مسؤلين عنها ونعمل جاهدين لتحسين ظروفهم. ونحن نشجع تعليمهم المجاني وتدريبهم ليكتسبوا مهارات تمكنهم من العمل والاندماج في إطار المجتمع.

وفيما يحمل البعض الاخدام مسؤولية العزلة الاجتماعية المفروضة عليهم وعدم قدرتهم الاندماج في المجتمع رغم مرور مئات السنين فان القيرعي يرفض هذه المزاعم ويشدد على أن الأخدام فئة اجتماعية كرست تجاهها القيم الدونية، وأنهم من أفقر طبقات المجتمع كما لا يحق لهم امتلاك الأرض أو أدوات الإنتاج، حتى أن بعض المهن الوضيعة فرضت عليهم وحدهم. ويضيف "ثمة عنف اجتماعي يلتهم كل يوم أعدادا من الأخدام، والثقافة الاجتماعية تجيز انتهاك عرض الخادمات".

ورغم محاولات منظمات محلية وبالتعاون مع منظمات دولية من تحسين الظروف المعيشية لبعض أبناء هذه الفئة وبناء المدن السكنية لهم كمدينة الأمل بتعز جنوب صنعاء فان مسألة الإدماج الاجتماعي وإزالة الوصمة الدونية والصورة الدونية الملتصقة بهؤلاء الناس والتمييز الممارس ضدهم واستعادتهم لهويتهم المفقودة ربما يحتاج للكثير من الوقت والجهد وإرادة من الجميع.