مع قدمها الا انني اعود اليها بين حين وآخر تلك الدراسات المهمة عن المرأة، التي نشرتها دورية عالم الفكر وخصصت لها عددا كاملا في مجلدها الرابع والثلاثين الصادر في اكتوبر - ديسمبر 2005م (عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب).. ومن الدراسات التي لفتت نظري في ذلك العدد المميز دراسة للدكتورة نجمة عبدالله إدريس(أستاذ الأدب العربي الحديث - جامعة الكويت) التي قدمت موضوعها (مأزق المرأة الشاعرة -قراءة في الواقع الثقافي) بكلمات لفرجينيا وولف تقول: (إن أي امرأة تولد بموهبة عظيمة لابد أن تصبح مجنونة أو تنتحرأوتقضي أيامها وحيدة في كوخ منعزل خارج القرية نصف ساحرة نصف عرافة يخشاها الآخرون ويسخرون منها ذلك اننا بحاجة إلى قليل من الفهم لنتأكد من ان الفتاة الموهوبة تماما التي حاولت ان تستخدم موهبتها لكتابة الشعر سيخذلها الناس ويعوقونها وستعذبها وتمزقها غرائزها الشخصية المناقضة بحيث انها لابد أن تفقد صحتها وسلامة عقلها.

وفي دراستها تستقصي الدكتورة نجمة ادريس مكونات الفكر الاجتماعي وتحاور الواقع الثقافي الذي تأسس فيه وعي المرأة بذاتها وبالتالي هويتها الشعرية. ويستند بحثها على بعدين (أولا: البعد الجغرافي المحدد بالمجتمع العربي وثانيا على البعد التاريخي الممتد منذ العصر الجاهلي وحتى عصرنا الحديث).وبناءً عليه تتداخل مع مفهوم النسوية تختلف معه كمفهوم يكرس ابداع المرأة كجزء وكتابة الرجل ككل تنطوي تحت جناحه المرأة وغير ذلك من رؤى منطقية التحليل والوعي بمأزقها.

وأقف هنا عند كلمة (مأزق) وهو مفهوم تناولته الباحثة تحت عنوان (المأزق جذوره التاريخية): وعللت من خلاله اختيارها ل(هذا التعبير دون سواه من التعبيرات التقليدية المتاحة والأكثر مهادنة وحيادية. ولعل السبب في ذلك يعود إلى الرغبة في التدليل على مدى ارتباط إبداع المرأة بالحرج والعنت والقلق والاضطراب، إن لم يكن المحنة والمعاناة).

وفي هذا الجزء من بحثها تلمح نجمة ادريس إلى ظاهرة مهمة وهي مشكلة الصراع بين الجنسين من جانبها البدائي المنطوي على الرغبة في السيطرة والاخضاع وتكريس التبعية. وتلفت الانتباه إلى دور الشاهد التاريخي واشاراته البدائية بان الرجل سيد الكتابة.

وتحت مفهوم ثقافة التراث: حضور الفحولة / غياب الأنوثة). وفي تحليل لماطبعت عليه أغراض الشعر من معان ذكورية توضح تحولاتها وما طرأ لها.

تقول الدكتورة نجمة: (إن نظرة واحدة لأغراض الشعرالتي تأسست في العصر الجاهلي ثم مايليه من عصور تعطي ملمحا واضحا عن مدى ذكورية الاعراف الشعرية وصرامتها في الانتصار لقيم الفحولة والجموح ابتداء من الفخر والمدح والهجاء مرورا بشعر الفروسية والحرب والطرد والخمريات وانتهاء بالغزل والنسيب والتشبيب والغرض الاخير بالذات يكرس ماسبق ان قيل عن تحول المرأة من ذات إلى موضوع حيث يجري تضخيم الجانب الحسي في المرأة وتحويلها إلى مجرد جسد).

وتقف الباحثة عند هذه العبارة الاخيرة لتربطها بما حدث لتاريخ المرأة وابداعها تبعا لهذا التحول: (وحيث ان المرأة تحولت من ذات إلى موضوع فان الشعر وهو فن لغوي ذهني لاحسي لن يتاتى لها حسب الموروث الا ضمن شروط صارمة ذات علاقة بمفاهيم الانوثة الخفرة المتوارية خفيضة الصوت قليلة الاثر ومن هنا جرى تحجيم الخطاب الانثوي في الشعر وتحديد انطلاقاته بهدهدة طفل او تفجع على فقيد اي في غرض الامومة او الرثاء ليتناسب ذلك ومشاعر البراءة والاستسلام والانكسار التي غدت سمات بارزة لصوت الانثى وملامحها).

وتشير الباحثة إلى النتيجة التي ينطوي عليها ذلك و محاذير قول الشاعرة في الحب او الغزل مستشهدة ببعض المواقف السلبية التي سجلها التاريخ عن غضب بعض الشخصيات الذكورية الشهيرة في العصر العباسي إذا سمعت أحدا يردد شعرا عاطفيا وجدانيا ابدعته أخواتهن. وتذكر الباحثة ايضا عاملا آخر لا يقل أثراً في (المحافظة على هذا النسق الثقافي الموروث والاستماتة في حراسته وحفظه وتداوله ونعني به دور الرواة والتدوين في تكريس هذا الموقف المتحرز من شعر النساء وحجب اسمائهن واصواتهن فمؤرخو الادب - كما يرى رجا سمرين في كتابه (شعر المرأة المعاصرة): (قد حرصوا بإصرار متعمد على وضع المرأة العربية وآثارها في منطقة الظل).

وتقف نجمة ادريس على دور الرواة في حجب شعر المرأة عن الرواية وتداوله: (هناك مؤشرات إلى وجود شاعرات ولانعرف لهن شعرا أي أن الرواة تجاهلوا شعرهن فزهير ابن ابي سلمى له اختان شاعرتان كما أن للخنساء بنتا شاعرة ولانعرف عن شعرهن شيئا كما ان هناك مايشير إلى ان للخنساء شعرا لم يصل الينا وهوماجعل احد الباحثين يلاحظ ان شعر الخنساء مقطعات كله ممايعني تدخل الرواة في حجب الشعر). وربما يفاجئوكم مثلما فاجأني ما توصلت إليه الباحثة من تحليل يرمي إلى القول: (إن إقصاء صوت المرأة الشاعرة كان يرتكب حتى في حق أكثر الأسر والبيوتات العربية التصاقا بالشعر وتمثيلا له واعتزازا به كالحديث عن أختي زهير بن أبي سلمى وابنة الخنساء).

وتدلل الباحثة على واقع الشاعرة قديما بنموذج لذلك هي الشاعرة ليلى الأخيلية التي: (تأتي نموذجا آخر للتدليل على هذا المزاج الثقافي الضاغط إذ توحي الروايات بأنه لم تتح لها فرص القبول والاستماع في مجالس الخلفاء والولاة الا بعد وفاة حبيبها توبة بن الحمير التي قالت فيه معظم شعرها اي بعد تحولها من عاشقة إلى راثية مع الأخذ بعين الاعتبار أن ذلك لم يتم الا بعد مرور السنوات وتقدمها في العمر وبذلك لم تتمكن ليلى الاخيلية من فرض شاعريتها الا بعد امتثالها للشرط الثقافي وهوالحومان في المجال المرسوم لها سلفا وهو الرثاء مع الاغضاء الواضح عن زمن توهجها وفتوتها الوجدانية بشكل ضمني)!.

وتحت عنوان (خطاب شعري جديد: تكريس النسوية / مخاضات وتحديات) تنتقل الباحثة إلى مرحلة مهمة من تاريخ الشعر النسوي الحديث: (يمكن القول بشيء من الاطمئنان ان مسيرة اثبات الذات على مستوى الابداع النسوي عامة ومحاولة تغيير الصورة النمطية التقليدية الخفرة للانتاج الشعري النسوي على وجه الخصوص بدأت تشهد متغيرات جديرة بالاهتمام إبان خمسينيات وستينيات القرن العشرين....ناهيك عما اتيح لهذا الجيل من النساء من فرص التعليم الجامعي والعالي كالملك عبدالعزيز ونازك الملائكة وظروف قربهن من الاجواء والبيئات الادبية سواء في مجال الأسرة أو في إطار المؤسسات التعليمية والثقافية).

ومن جهة اخرى تتوقف الباحثة عند تحولات الشعر النسوي إلى اغراض شعرية ظلت مقصورة فترة طويلة من الزمن على الشعراء وتلقى من تقول فيها شعرا استهجانا ومذمة من الشعراء والنقاد ومن شاعرات أخريات ربما كن بوقا لأولئك الشعراء وربما تمتعن أكثر مماينبغي بنظرة محافظة لاتتناسب وثورة الشعر واللاشعور: (لقد ظلت الحرب الثقافية الذكورية مستعرة وشديدة الوطاة على المبدعات من الشواعر وسواهن وظلت التحصينات الدفاعية ضد قيم الانوثة وخطابها وقيمها الفنية تتخذ اشكالا وانماطا عدة من المواجهات تبدأ باللامبالاة والإهمال ثم تنتقل إلى الاستخفاف وعدم أخذ الأمر مأخذ الجد وقد تتطور نحو التسفيه فالهجوم والرد المضاد هذه الحركة الدائرية المطردة تجيء "بوصفها بعض ادوات الفحولة في الدفاع عن ثقافة الفحول" كما يقول عبدالله الغذامي متهكما وفي (رؤية استشرافية) كما سمتها الباحثة إدريس توصلت معها بعد المعاينة الاخيرة للمشهد الشعري في مرحلة الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين إلى نتائج اوجزتها في نقاط من اهمها: (ان النزوع نحو الذاتية والذاتية بماتعنيه من انكفاء وسفر نحو الذات تاتي ردة فعل طبيعية إزاء وسط ثقافي يحجم من قدرات المرأة ويحاصر جنوحها نحو التغيير والخروج عن التقاليد والاعراف اكانت اجتماعية عامة ام فنية تخص الشعر) ونتوصل مع الباحثة في تعليقها الاخير إلى ماتمثل من انجاز يحسب لهذه الشعرية النسوية: (يبقى الانجاز لهذه الشعرية النسوية متمثلا ليس في إلحاحها على تكريس هذه القيم المغايرة فقط وانما في قدرتها على تسريب هذه القيم الفنية إلى روح الفحولة الشعرية عامة وكسر صلفها وتعاليلها. ومن هنا لم يعد النص النسوي ومايطرحه من قيم فنية حكرا على المرأة وشعرها وانما اصبح نسقا وخطابا شعريا حديثا يتبناه الشعراء من الرجال ايضا).

ولا تغفل الباحثة الاشارة إلى جانب من القصور في البحث والنقد لشعر المرأة الذي لم ينل حظه من الدراسة والبحث ولم يزل كذلك: (ان المشهد الحديث للشعرالنسوي يبقى يتواصل بيد ان الناظر لنماذجه الشعرية خلال العقدين الاخيرين من القرن العشرين سيلاحظ انحسارا وتقلصا في الدراسات والبحوث المكرسة لها ولعل ضيق مساحة العناية بالشعر النسوي في الوقت الراهن صرف المبدعات من ناحية اخرى نحو القصة والرواية والقضايا الاجتماعية كون هذه الاجناس ايسر في التعبير - فنيا - عن قضيتهن من الشعر ذي الاعراف الفنية المستعصية على التغيير البطيئة التحول).

ومع اهتمام بحثها بحقبة ابداعية تنتمي لفترة الخمسينات والستينات من القرن العشرين لم تغفل الباحثة نجمة ادريس الاشارة المهمة في بحثها إلى محاولات التجريب النسوية الحديثة في مجال الشعر ومنجزها وابداعها مع ان اشارتها جاءت على عجل: (لا يمكن للمتابع لمحاولات التجريب النسوية في مجال الشعر الا ان ينظر بعين التقدير والاهتمام إلى تلك الجهود النسوية الجادة في ترسيخ وتأصيل قصيدة النثر التي باتت تحتل مكانة ملحوظة في المشهد الشعري المعاصر ويبدو للمتأمل ان لقصيدة النثر دوراً وأثراً في تكريس قيم الانوثة وابراز جانب آخر جديد من الهوية النسوية المعاصرة).