التراث الشعبي أصالة الماضي يتغنى بها أجيال الحاضر لما يمثله هذا التراث من قيمة فنية جميلة.

إذ لا حضارة ولا أصالة بدون ماض أرسى لأبنائه موروثاً شعبياً سيبقى خالد متوارثاً إلى الأبد جيل بعد جيل.

والمجتمع السعودي يتميز بحمد الله بتراثه الأصيل النادر الذي يزخر بالكثير من الموروثات الشعبية الأصيلة النادرة التي خلفها لنا آباءنا وأجدادنا.. ورغم التطور الذي تشهده مملكتنا الغالية إلا أن هذا التراث لا يزال تحتفظ به الغالبية والرجوع إليه في وقت انشغلت الناس عنه بالطفرة الصناعية والتجارية وغيرها بل أصبحت تلك الموروثات تجارة جديدة دخل معتركها محبو هذه الهواية عبر متاحف للفرجة والتفكر والاقتناء.

وسوق بريدة المعروف ب "الجردة" اشتهر منذ القدم بهذا الاسم له أكثر من مائة عام كان محط انطلاقة رحلات العقيلات بواسطة الإبل إلى بلاد الشام والعراق وفلسطين للتجارة تنطلق من هذا المكان في رحلة تستغرق شهوراً..

واستمرت "الجردة" على هذا الحال تجمع بين جنباتها مبيعة الأغنام والإبل والبرسيم والمواد الغذائية بكافة أنواعها ومكان لمزاولة التجارة بأنواعها المختلفة.

وبعد أن اتسعت المدينة بسكانها وعمرانها وتخصيص أسواق للماشية وآخر للخضراوات والمواد الغذائية.. مازال هذا السوق الشعبي بالجردة يحتفظ بتاريخه العريق وزبائنه إلى يومنا هذا من كل مكان حتى من الجاليات العربية والإسلامية تعتبر هذا السوق سوق سياحة وفرجة واطلاع يقتني منه الجميع موروثاتهم وحاجياتهم لما يحتويه من سوق للمشالح الذي يضم أفخر الأنواع النادرة وكذلك أنواع الملبوسات الثقيلة الشتوية.

هذا السوق يزدحم بالمتسوقين طوال العام وغالبية أصحابه التجار من كبار السن وأبنائهم الذين توارثوا مزاولة التجارة عن آبائهم وأجدادهم وما يكمل هذا السوق ويزيد من شعبيته هو تواجد سوق اطلق عليه "سوق الربيع" يتم فيه بيع الفقع والاقط والجراد والزيوت البرية وعند دخول الزائر لأول وهلة لهذا السوق تعيش في لحظة تأمل حيث المحلات الطينية والأبواب الخشبية التي تنقلك إلى الماضي عبر لوحة القائية جذابة ممتعة فتعالوا معنا داخل هذا السوق نعش سوياً رائحته الزكية والأسلوب المميز داخله.

وفي أثناء تجول "الرياض" بسوق الجردة هناك قسم خاص بالمشالح والفري والبشوت والأشمغة والسجاد وغيرها من الملبوسات حيث استوقفنا عند أحد الأشخاص في أحد المحلات الذي اطلق عليها في الزمان السابق ومازال عنواناً للجميع هي "الوسعة" التي تتميز بمحلاتها الصغيرة الكبيرة في محتواها ذات الصبغة والرائحة المميزة تراثية تنبعث من الهيل والقهوة والدهن والعود لتأتي مجتمعة برائحة زكية.

استضفنا محمد بن عواد العواد الذي ورث هذه المهنة عن والده وأصبح مستلماً هذه الهواية لتتوارث للأجيال القادمة. فيقول هي بلا شك هواية لا نستغني عنها وأقضي كل وقتي في هذا المكان الذي نستقبل فيه بحمد الله العدد الكبير من المتسوقين لهذه الوسعة أو ما يطلق عليها "المجلس".

وقال العواد إن هذه المهنة التراثية الخاصة أصبحت العمالة الوافدة تنافسنا عليها وعلى تفصيلها "خبن" وهم لا يعرفون تلك المهنة إلا عن طريقنا ومن ثم يزاولونها بأنفسهم الآن ويجب أن يكون لنا خصوصية في هذا السوق وخاصة صناعة وبيع المشالح مطالباً العواد بسعودة السوق الشعبي للمشالح.

وعن أنواعها قال: مشالح سورية، مكسر زري مكسر بريسم - زري جيب، وكذلك أيضاً البضاعة المحلية "الحساوي" والأسعار تتراوح ما بين 150- 1200ريال.

ويضيف بأن أغلب المتعاملين مع السوق هم فئة الشباب المتوسطين في العمر.

وفصل الشتاء هو الأكثر بيعاً من فصل الصيف أما المواسم الأخرى مثل الأعياد والمناسبات والعطل الصيفية فهي تنشط السوق أيضاً.

صناعة الأحذية

وهناك ميزة ينفرد بها السوق الشعبي بالجردة ببريدة هي صناعة الأحذية الجلدية بأيد وطنية حيث التقينا بأحد المعاصرين لهذه الصناعة الجميلة والذي كان يزاولها علي بن إبراهيم الهزاعي قرابة الخمسين سنة في هذا السوق يقول ورثت هذه الصناعة من شقيقي - رحمه الله - وما زلت أمارسها حتى الآن.

يقول الهزاعي بأن عملنا السابق أفضل بكثير من الآن والسبب رغبة الجميع في اقتناء هذه الصناعة وإنتاجها المحلي وكثرة الراغبين في هذا التميز واللبس الفريد أما الآن فإن الأشغال التقليدية كثرت وغزت الأسواق وأصبح التقليدي بجانب الوطني والأغلبية لا تفرق هذا وذاك ورغبة المتسوقين هي لمعان السلعة وشكلها فقط ولا يعلمون أن هذه الصناعة التقليدية لا تدوم لها طويلاً والمهم أنها تكون في نظرهم الأجمل في منظرها.

  • هل هذا يعني أن زبائنك تقلصوا؟

  • أجاب بالنفي الزبائن هم ما زالوا يرتادون المكان ويطلبون تلك الصناعة لأنهم عرفوها منذ القدم وتكيفوا معها ونحن نصنع لهم الأحذية المحلية التي يرغبونها وعلى الشكل واللون والنقش المطلوب.

وعن زبائنه قال يأتون من كل مكان من هنا من القصيم والمناطق الأخرى بالمملكة وكذلك من دول الخليج العربي أما بحضورهم أو بارسال المطلوب لهم وفق معرفة المقاس والشكل المطلوب.

ويشير الهزاعي بأن الأشكال متعددة للحذاء الجلدي منها ما هو "منقوش - سادة - أبو لمعة - بت - حبك - أصفر - أحمر".

وأعلى سعر للحذاء الجلدي هو "المنقوش" الذي يتكون من 9سلاسل وهو المرغوب وسعره 150ريالاً وكان في السابق يصل سعره إلى 250ريالاً،

وكثيراً ما يطلبه الراغبون في الزواج لاستعماله ليلة الزواج لشكله الجذاب أو المناسبات الأخرى موضحاً الهزاعي بأن العام الماضي أفضل تسويق من هذا العام ودائماً موسمنا يأتي مع بداية فصل الصيف حيث رغبة الجميع في اقتناء هذه الاحذية في فصل الصيف.

اما في فصل الشتاء فيقل التسويق

ملمحاً إلى أن الحذاء يتكون من الوطية والشراك والتشكيلات والأشياء الأخرى التكميلية كالتلوين والذي يعد بواسطة الدلك باليد أو التلوين بواسطة الشمس عند عرضه لمدة ليست بالطويلة حتى يتم التلوين الطبيعي التلقائي.

وفي مكان آخر من سوق الجردة يأتي سوق تراثي اشتهر بتقديم كل ما يتعلق بذكريات من الماضي هكذا اطلق عليه صاحبه محمد بن صالح الصمعاني هذا اللقب الذي يكتنز بداخله كل المقتنيات الأثرية النادرة.

يقول إن الهدف من إقامة هذا المعرض التراثي هو احياء لذكرى الآباء والأجداد الذين مارسوا تلك الأدوات التراثية لننقلها إلى جيلنا الحاضر بكل إبداعات الماضي والحفاظ على تراثهم القيم ومعرضنا ليمكن للزائر ان يطلع على التراث أو الشراء أو البيع إذا يوجد لديه مقتنيات قديمة جداً.

يشير الصمعاني بأن الأسعار تتفاوت حسب نوعية وأقدمية القطعة وندرتها فلا يمكن الوصف بالقيمة بعينها.

وعن أهم التراث الموجود لديه يقول: هناك مخطوطات نادرة جداً إضافة إلى عملات قديمة ورقية ومعدنية وفضة وذهب وبرونزي وروماني وبيزنطي وأموي وعباسي.

كذلك يوجد لدينا أجهزة الاتصالات القديمة بكافة أنواعها تليفون و برقيات (جهاز المقانيت) أبو هندل يرجع تاريخه إلى أكثر من مائة سنة.

كذلك يوجد لدينا لوحة دراجة سيكل تحمل رقم (1) صادر ترخيصها من هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عام 1382ه، مع استيقاء كامل رسومها من البلدية كما يوجد في المعرض ساعات قديمة "ويستن" أم صليب، راسكوا، بقبن و ساعات خشبية والمعرض يضم ايضاً خارطة نادرة من الحجر تعود إلى الزمن القديم جداً.

إضافة إلى قطع مرجانية وفيروز بحري وعاج الفيل وأنوار اضاءة للدراجات النارية شيء يعمل بالغاز وايضاً بالماء والكربون.

كما يوجد لدينا أول جهاز قياس درجة الحرارة سجل بها درجة الحرارة لعام 1979م اضافة الى الادوات النحاسية والأواني المنزلية والقطع الأثرية مثل "النقيرة".

منع السيارات من المرور

وفي سوق المجلس بالجردة استضفنا العم محمد بن عبدالعزيز الخويلدي في دكانه الصغير جداً جالس على عتبته، حيث ابدى لنا ملاحظته على سوق المجلس الذي يربط الوسعة الغربية بالجردة فقال فكما تلاحظون بأن هذا الطريق الذي تتجمع فيه المحلات التجارية على جانبيه بمساحة 4أمتار ضيق جداً لا يستوعب المتسوقين وكذلك السيارات الواقفة عليه.

وتقدمنا بطلب للمرور والبلدية بحجة إصلاحه أو على الأقل منع السيارات للمرور أو حتى تخصيصه طريق بأتجاه واحد و تم التجاوب في حينه ولكن رجع الأمر الآن كما كان سابقاً كل يوم نطالب اصحاب السيارات بالخروج من هذا المكان وإيقافها في مكان آخر ولكن لا فائدة.

نأمل من المسؤولين وفقهم الله التجاوب لاسيما وان هذا السوق مضى عليه حوالي مائة سنة كذلك الشينكو المغطى لهذا السوق قديم ونتأذى من هطول الأمطار.

دهن العود

ويأتي مكملاً لهذا السوق الشعبي محلات العطورات والبخور ودهن العود التقينا بصاحب احد المحلات سليمان بن ابراهيم السعوي الذي قال : إن الموجودات لدينا في هذا السوق الشعبي دهن العود الفاخر حيث تصل التولة إلى 3200ريال وينتهي بحدود 100ريال هندي السوبر وبورمي معتق والكمبودي بأنواعه.

أما البخور يوجد الكمبودي والكلمنتان والمروكي وكذلك البخور الصناعي.

والأسعار تتراوح من 20ألف ريال إلى حد أدنى 2500ريال.

وقال السعوي ان الاقبال يتزايد خلال شهر رمضان المبارك وخاصة البخور للمساجد وكذلك الاجازات والزواجات ومواسم حفل التخرج. وزبائننا من متوسطي الأعمار أما الشباب فإنهم أتجهوا الى العطورات الشرقية.

ملابس صوفية

استوقفنا اثناء تجوالنا على سوق الجردة فشاهدنا رجلاً يجلس على كرسي ومتلحف بالفروة في بوابة المحل الذي يمتليء بالملابس الصوفية الداخلية والخارجية والبالطوات الصناعية والطفيلية هو العم محمد بن عبدالله الصييفي سألناه عن السوق والمتسوقين فقال نحمد الله كل شيء على ما يرام فكما تلاحظون نبيع كل ما يتعلق بالأقمشة الشتوية والملابس وغيرها والمكان هذا مناسب جداً بحكم سوقه الشعبي ونستقبل جميع زبائننا من كل مكان في منطقة القصيم.

سوق الربيع

وفي مكان آخر وزواية قائمة من هذا السوق هناك مكان يطلق عليه سوق الربيع والذي يتم فيه عرض المنتجات الربيعية مثل الفقع والجراد والأقط والسمن البري وغيره حيث يزاول فيه يومياً الحراج على تلك المنتوجات.

استضفنا احد المتسوقين وهو احمد بن عبدالله المبارك (مدرس) فقال بأن هذا السوق يمارس فيه بيع الاحتياجات من المواد الغذائية بواسطة الحراج إذا لم يكن هناك عرض لمنتجات الربيع ويلقى هذا السوق نجاحاً كبيراً بالحضور اليومي من المتسوقين لهذا المكان.

وأغلب ما يعرض فيه السمن البري والبقل الآن وحقيقة بأن المكان لا يفي بالغرض من ناحية المساحة فهو يقع بجانب سوق الجردة الشعبي وسوق المواد الغذائية ومواقف السيارات فإننا نأمل من البلدية إيجاد مكان مناسب جداً وواسع لهذا السوق المتميز.

أما ابراهيم بن سليمان الفوزان فقال: تعتبر تلك الاسواق الشعبية في الجردة مكملات لبعضها حيث ان الزائر يجد كل ما يحتاجه في مكان واحد من مواد غذائية وملابس شتوية ومشالح ودهن عود وغيره.

آمل من المسؤولين وفقهم الله لو درسوا تلك الاسواق وتم توسيع اماكن البيع والشراء وفك الازدحام والاختناقات المرورية متمنياً ان يحظى السوق بالاهتمام الكبير لأنه واجهة سياحية ومعلم تراثي يجب الاهتمام به.