يرقد الطفل محمد طريح الفراش في مستشفى مخصص لعلاج الأطفال بالعاصمة السودانية الخرطوم بمعية أبيه وأمه القادمين من إقليم دارفور المضطرب غربي البلاد، وينتظر الصغير جراحة في الرأس لم يحدد الأطباء ميقاتها حتى الآن من أجل استئصال عظم في الرأس.

وطبقاً للتقارير الطبية فإن إصابة الصغير بالغة وتحتاج إلى جراحة من نوع خاص حتى لا يؤثر العظم في الدماغ، إلى هنا تبدو قصة محمد عادية لكن غير العادي فيها أن الإصابة ليس بفعل ضربات الرصاص أو قصف الطائرات، وإنما نتاج لمعركة وهمية دارت بينه وعدد من أقرانه في أحد أحياء مدينة الفاشر حاضرة الجزء الشمالي من الإقليم استخدمت فيها العصي والحجارة بعد أن تحولت الحرب التي يعيشها الإقليم منذ قرابة الأربع سنوات لعبة مفضلة عندهم يتعاطونها ويترجمونها في أساليب وألعاب مختلفة.

وأدت الظاهرة التي سرت كالهشيم وسط الأطفال متفوقة على كل لعبهم المعروفة إلى انعاش تجارة لم تكن مزدهرة من قبل بالإقليم هي تجارة اللعب، ويكاد أي صغير في دارفور يملك اليوم عشرات من بنادق اللعب وملابس مخصصة تأخذ الطابع العسكري في تصميمها، كما أن كثيراً من هؤلاء يطلقون على أنفسهم ألقاباً بأسماء محاربين معروفين في مليشيات "الجنجويد" العربية و"التوراورا" الأفريقية التي عاثت فساداً في دارفور ويقول قادمون من ولايات الإقليم الثلاث ل "الرياض" إن الظاهرة أصبحت تشكل عبئاً ثقيلاً على أسر انهكتها الحرب أصلاً فكثيراً ما يجبر الأطفال آباءهم على شراء هذه اللعب، كما أن الأخطر في ذلك كله أن الفقراء من الأطفال يترجمون المعارك مباشرة في عراك شرس بالعصي والحجارة كما فعل محمد وآخرون كثر أصيبوا مثله، ربما لم تسمح لهم ظروفهم الاقتصادية بالسفر إلى العاصمة الخرطوم.

ولم يقف عبث صغار دارفور عند هذا الحد فقد حول كثيرون منهم حصص الرسم في المدارس إلى معارض للمعارك التي ربما عايشوها أو سمعوا روايتها عن الدمار والموت من الكبار، وقال والد محمد ل "الرياض" إن الصغير دائماً ما كان يعبث بكل كراساته المدرسية بسبب الرسم الأمر الذي كلف الأسرة البسيطة كثيراً، ويتابع "منذ شهور رفضت أن اشتري له أي لعب جديدة بعد أن عبث بكل ألعابه السابقة وربما هذا هو الذي دفعه إلى شلة الأطفال الذين يتعاركون بالأيدي والحجار.

ويرى أستاذ علم النفس في جامعة النيلين السودانية أبو بكر عبدالفتاح أن الظاهرة انعكاس طبيعي لحالة الرعب التي يعيشها أطفال دارفور منذ بداية الحرب في عام 2004، ويضيف "هذه الحرب تركت آثاراً على الطفولة تعجز السنوات عن محوها بسهولة وينبه عبدالفتاح إلى أن الطفل بين الرابعة والتاسعة من عمره تتكون شخصيته على ما شاهد ومر في حياته من أحداث، ويضيف "هؤلاء الصغار الذين عايشوا الحرب ستولد عندهم بلا شك في المستقبل عقدا أقلها الضغوط النفسية التي عايشوها وسوف تظهر في المستقبل من خلال سلوكهم العدائي، لأن العنف لا يولد إلا العنف.

ويقول إن هاجس الطفل في هذه المرحلة هو معرفة ما يحدث حوله فالحرب تولد في هذه الحالة خوفاً عارماً لديه.

أما الصغير المصاب محمد فيحمل في ذاكرته تفاصيل الهجوم الشهير للمتمردين على الفاشر قبل عامين كما أنه يحفظ عن ظهر قلب كثيرا من المفردات العسكرية وحكايات أخرى قال والده انه نسجها من خياله، ويفضل محمد أن يحمل معه من الخرطوم عند عودته إلى دارفور طائرات حربية قال إن أقرانه لا يملكونها هناك.

مهما يكن من أمر فإن الكثيرين من أطفال دارفور يبدعون في تصوير المشاهد التي عايشوها من خلال الحرب أو عملية نزوحهم مع ذويهم إلى المخيمات الضخمة التي أقيمت حول المدن الكبيرة، فضلاً عن آخرين يتحدثون من مخيلتهم عن مبالغات إن لم تكن مستحيلات، كما يقدم آخرون أنفسهم على أنهم أبطال نضال.