من سوق المحناط وسط مدينة عمران العتيقة ( 50كم شمال صنعاء) وقبل ثلاثين عاما قصدت بائعة المرجان الأرياف المحيطة بالمدينة، جابت بقدميها مسالك وعرة تبيع على النساء قلائد المرجان والأقمشة لتصنع لنفسها فضاء من الضوء رغم ظلمة الأمية التي حرمتها من القراءة والكتابة فكانت رحلتها محفوفة بالمخاطر والمتاعب، مع أحلامها التي تكبر في كل جولة، ونشاطها التي يتسع في كل يوم حتى امتد إلى القرى المجاورة لمدينة صنعاء، تحمل المرجان والملابس وبعضا مما تحتاجه النساء، تبيع بالنقد وبالآجل، وتواصل رحلتها سيرا على الأقدام.

وذات مرة عادت إلى قرية سناع جنوب غرب صنعاء لتتقاضى دينها عند نساء القرية، لكنها وجدت من تستميلها أو تعرض عليها اخذ ثمار البرقوق عوضا عن المال، كانت لحظة حاسمة أن تغامر بقبول الصفقة وتختار طريقا لم تألفه، لم تتردد آمنة العمراني وبتشجيع من زوجها- الذي كان اغترابه في السعودية وانقطاع اخباره عنها لثماني سنوات قبل ذلك دافع لخروجها الى سوق العمل لتتمكن من تربية بناتها- قبلت التحدي وانطلقت بأول شحنة لها من ثمار البرقوق إلى مدينة تعز جنوب صنعاء.

كانت صفقة البرقوق نقطة البداية في التحول المثير لحياة آمنة العمراني، حيث اكتشفت أن تجارة الفواكه تدر أرباحا طائلة في وقت قصير وجهد اقل، كررت التجربة بشحنة ثانية إلى مدينة أخرى، فحصدت النتائج ذاتها، وقتئذ قررت الاستمرار في تجارة الفواكه متنقلة من مدينة إلى أخرى، اتسعت أنشطة تاجرة الفواكه فأصبحت تفاوض في المزارع تشتري من المزارعين وتبيع إلى تجار التجزئة.

ومن بائعة صغيرة في سوق الملح وسط صنعاء القديمة في سبعينيات القرن الماضي أظهرت آمنة العمراني الأمية ( 60عاما ) التي تعتمد على البصمة في توقيع الشيكات نبوغا في فهم مناخ السوق وأساليب المنافسة، ورغم أنها لم تنل حظا من التعليم إلا أنها سرعان ما أزاحت كبار المنافسين من الرجال وأسست سوقا خاصا بها لبيع الفواكه بالجملة، لديها مكتب به موظفون وكافة وسائل الاتصال الحديث.. ولكنها تعتمد على نفسها في إدارة أعمالها.. كما أن لديها محامياً ومحاسباً مالياً، تشغّل ما يزيد على 500عامل وموظف.. رأس مالها نحو مليون دولار، وأسطول شاحنات يزيد عددها على 10شاحنات. متسيدة تجارة البرتقال حتى غدت تعرف بملكة البرتقال.تمكنت بعزيمة من تجاوز مشاكل ومعوقات منها ما تقول انه حسد التجار لتتسع تجارتها حيث بدأت التصدير 1995إلى السعودية ودبي وحاليا بدأت التصدير إلى القاهرة حيث صدرت مؤخرا 350طنا من البرتقال.

وعن لقبها بملكة البرتقال تقول العمراني: "ذات مرة ذهبت إلي محافظة مأرب لتسويق وبيع بعض أنواع الفاكهة. كان ذلك في العام 1982م حيث وجدت المزارعين لا يعرفون قيمة البرتقال ولا قيمة الحمضيات.. لأن البرتقال والحمضيات لم تكن معروفة في المناطق الريفية اليمنية وكان وجودها مقصوراً على عواصم المدن الكبرى والتي كان يباع فيها البرتقال المصري حيث قمت بشراء كمية من محصول البرتقال من المزارعين الذين استغربوا بداية الأمر وتعجبوا بأني دفعت فلوساً مقابل فاكهة لا يتناولونها ويعطونها طعاماً للجمال والمواشي- وقمت ببيعها في محافظات أخرى.. لتتكرر مرة ثانية الصدفة مع البرتقال كما حدث مع المشمش.. والحمد لله الآن صار البرتقال من أفضل المحاصيل الزراعية الغنية وأكثرها زراعة وانتشاراً في مختلف المناطق والمدن وصار الكل الغني والفقير يأكل البرتقال".

جابت العديد من الدول فمن مصر إلى السودان، اسبانيا، الأردن، لبنان، السعودية بدعوات من بعض الاتحادات الزراعية واطلعت خلالها على المزارع والأسواق التجارية في هذه الدول ووجدت أن منتجاتها من الخضروات والفواكه جيدة ويمكن أن تنافس بقوة، لنجدها الآن تحتل المرتبة ال 34من بين اقوى 50سيدة اعمال عربية وفقا لتصنيف مجلة Forbes المنشور في ابريل من العام الحالي.

ورغم ثرائها ما تزال الحاجة آمنة العمراني ببساطة امرأة الريف اليمني ولباسها التقليدي، تحرص على متابعة أعمالها خطوة بخطوة، تتنقل بين مزارع البرتقال من منطقة إلى أخرى بسيارتها الحديثة، تفحص جودة الثمار وتشرف على عمليات القطف والتعبئة والنقل، وما تزال تخرج باكرة من بيتها تتجه إلى السوق وتمارس البيع والشراء.

قصة نجاح السيدة العمراني التي ولدت وعاشت في وسط مجتمع قبلي محافظ لم تخل من المعاناة والقهر والحرمان وتقاليد عمياء تفرض على المرأة الصمت والانكفاء خلف الأستار. اذ تعرضت للعزلة الاجتماعية من قبل أشقائها وأسرتها التي رأت في خروجها للسوق ومزاحمة الرجال في مجتمع ذكوري عيبا ونقصا في كرامتها، مضايقات دفعتها الى ترك قريتها لتسكن في مدينة صنعاء. طموحها اللا محدود في النجاح جعلها تدير ظهرها لكل العوائق وتنطلق نحو افاق رحبة من العمل والمثابرة مكنها من استحقاق لقب "ملكة البرتقال".