يحاول دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي التبرير لحالة النهب والسلب، التي اجتاحت عاصمة العراق ومدنها الكبرى، إثر نجاح قوات التحالف في إزاحة نظام صدام حسين عن السلطة، بعد خمسة وثلاثين عاماً عجافاً، حكم فيها الشعب العراقي حكماً استبدادياً لا مثيل له في العالم.

نعم .. يبرر رامسفيلد سلوك النهب والسلب، بأنه تعبير العراقيين واحتفالهم بالحرية!! منفكين من ذلك النظام الحديدي.. ليمارسوا حريتهم لكن على هذا النحو المعيب!! صحيح أن علماء النفس يربطون نزعة السرقة عند الأفراد بالحرمان العائلي المضروب حولهم.. لكن هل ما حدث هو سلوك طارئ على بعض العراقيين، الذين أدخلوا مجتمعهم المنكوب بالخوف والمحروم من الأمل " في حالة من الفوضى وفقدان الأمن وكثرة السرقات وأعمال السطو وكان الشقاة - بتعبير الدكتور علي الوردي عالم العراق الاجتماعي ومؤرخه الحديث - يصولون ويجولون ولا أحد يستطيع ردعهم، حتى ساد قانون الغاب وأصبح همّ الناس أن يحرسوا ممتلكاتهم بأنفسهم، وأن يدافعوا عن حياتهم بسلاحهم، فكأن لم تكن حكومة وكأن لم يكن قانون".

@@ إن الوردي قد فارق الحياة بعد ما سكتت مدافع حرب الخليج الثانية بشهور.. لهذا فوصفه التاريخي هذا أسبق مما حدث مؤخراً في بغداد والبصرة والموصل، مع سقوط حكم الطاغية.. إذن هو يسجل وقائع حدثت في البصرة في العهد العثماني!! وتحديداً سنة 1904م، حيث فرض الوالي التركي الأمن بقوة السلاح!.. علماً بأن هذا السلوك الغوغائي، سوف يتكرر في حالات أخرى عند دخول البريطانيين إلى المدن العراقية، تاركين لهؤلاء الشقاة والسراق الحبل على الغارب.. حتى ضجّ الناس وطلبوا مساعدة المستعمر في استتباب أمنهم!! فعلوا ذلك مراراً كلما أعلن الأهالي في هذه البلدة أو تلك التمرد والعصيان.

@@ هذا وكل من اطلع على تاريخ العراق الحديث، سوف تستلفته ظاهرة الفرهود تجتاح بغداد بعد عودة الوصي عبدالإله من منفاه، على إثر حركة رشيد عالي الكيلاني، الذي حاول التحالف مع ألمانيا ضد بريطانيا في الحادثة المشهورة، فما كان من غياب السلطة إلا انفلات الأوضاع الأمنية وقد راح ضحيتها عدد من اليهود العراقيين، قبل تهجيرهم إلى إسرائيل سنة 1950م بالتعاون بين وزارة نوري السعيد، والوكالة اليهودية عبر قدر من المال أو قل الرشوة!

يقول الباحث العراقي باقر ياسين في كتابه "تاريخ العنف الدموي في العراق": ولعل الناس في العراق قد تعارفوا على تسمية تلك الأحداث من السلب باسم (فرهود بغداد) وكلمة فرهود باللغة الدارجة تعني النهب.. والعجيب أن معظم الأحداث السياسية في العراق القديم والحديث، كانت تنتهي في الغالب بأعمال السلب والنهب بنفس المظهر المخزي الذي ظهر مؤخراً، بما في ذلك سرقة أسرّة المستشفيات، ومقتنيات المتاحف العراقية!!

@@ وهنا نعود إلى تبرير رامسفيلد الأخلاقي، لظاهرة النهب "التحرري" في العراق! وكأنه بذلك يقوم بتغطية المطامع الأمريكية في سرقة ثروات العراق!! في حين قُصد من تشجيع القوات الأمريكية للسلوك العراقي "شرعنة" الحاجة العراقية إلى الحماية الأمريكية!! كما حدث مع الجنرال مود قائد الحملة البريطانية على العراق في بداية القرن العشرين، بنفس تماثل الخطاب والمصالح في حملة الجنرال الأمريكي تومي فرانكس في بداية القرن الحادي والعشرين!! يا ترى هل قرأ الأمريكان تاريخ العراق القديم والحديث.. واستنبطوا من بين سطوره مظاهر العنف الدموي والثقافي والسلوكي عند هؤلاء العراقيين، ليقوموا بتقديم طبعة جديدة من الفزعة الأجنبية! لمن أدت ديكتاتورية صدام حسين، إلى أن يعيثوا- بمجرد سقوط حكمه الفردي- فساداً في حالة من الانفلات الأمني، أرجعتهم إلى حياة الغاب، وكأنهم لم يذوقوا في سنوات حكمهم الجمهوري طعماً لحكم القانون، في انتظار عودة المستعمر اليهم مرة أخرى، ليعلمهم مفردات الحياة المدنية! كما فعل بهم البريطانيون بعد احتلالهم! بمحكمة دستورية وبرلمان وحرية تعبيرية!!

نعم إن عقد المقارنة بين العهد الاستعماري، والعهد الجمهوري الثوري في العراق، ستكون مع الأسف لصالح الأولى ضد الثانية.. وهي نتيحة مخجلة ومخيفة في آن واحد!