آخر رموز الفن الجميل وصاحبة الصوت العذب الذي مازال عنوانا للحب في زخم الحياة.

صوتها الحساس وأداؤها الراقي رافق الجماهير لسنوات طويلة، فمنحتهم المحبة والاحترام وقدمت ما يليق بالأذن العربية طوال مشوارها الفني.

ولدت وردة الجزائرية واسمها الحقيقي وردة محمد فتوكي في فرنسا عام 1939لأب جزائري وأم لبنانية واشتهرت في بلدها الجزائر بالأغاني الحماسية والعاطفية لكنها مارست الغناء وهي صغيرة في ملهى والدها في فرنسا وكانت تقدم أروع الأغاني للفنانين الكبار مثل أم كلثوم وأسمهان وعبد الحليم حافظ حتى اقفل هذا الملهى وعادت مع والدتها إلى لبنان وهناك قدمت مجموعة من الأغاني الخاصة بها، حتى غنت في فيلمها الشهير (ألمظ وعبدو الحامولي)، بعدها طلب الرئيس الراحل جمال عبدالناصر من الموسيقى العربية إضافتها كصوت جميل وبمقطع في أوبريت (وطني الأكبر).

اعتزلت الغناء لسنوات طويلة بعد زواجها لكنها ما لبثت أن عادت إليه مرة أخرى عندما طلب منها الرئيس الجزائري هواري بومدين العودة مجددا إلى الغناء وفي عيد استقلال الجزائر في عام 1972م، فعادت إليه وبعد العودة انفصلت عن زوجها الأول بعد صراع طويل.بعدها عادت إلى القاهرة مرة أخرى وكونت مع الموسيقار بليغ حمدي ثنائيا فنيا لا يمكن أن يتكرر في هذا العصر وغنت له العديد من الأغاني الطربية التي رسمت لوردة لونا غنائيا جميلا يشابه إلى حد ما أغاني أم كلثوم. ولعل زواجها الذي استمر سبع سنوات وقصة الحب الشهيرة التي دارت بينها وبين بليغ حمدي هو ما جعلها تقترب منه أكثر وأكثر وتفوز بأجمل الأغاني.

كان ميلادها الفني الحقيقي في أغنية (أوقاتي بتحلو) التي أطلقتها في عام 1979م في حفل فني مباشر من ألحان الراحل سيد مكاوي.

ولهذه الاغنية قصة جميلة جدا حيث كانت تنوي كوكب الشرق أم كلثوم تقديمها في عام 1975لكن الموت فاجأها لتعيش سنوات طويلة في إدراج سيد مكاوي حتى جاء دور وردة في غنائها وقدمتها كأفضل ما غنت حتى الآن.

شفافية الكلام الرقيق وروح أم كلثوم التي يشعر بها المستمع في حنايا هذا العمل الجميل كان له بالغ الأثر في نجاحها فالكلمات كانت موغلة في الحب والصدق والرجاء المبطن تقول بعض أبياتها الشهيرة:

ياسلام

ياسلام لما الأيام

تضحك وتروق

والحب أما بحيي الأرواح

مع كل شروق

وأنا بلمح بكره معاك

فتان مليان أفراح

وجمال أشكال وألوان

كما أن اهتمام عبدالوهاب بصوتها منحها طاقة فنية هائلة فتواجدت وسط الزخم الهائل من العمالقة في الساحة الفنية آنذاك وإلى جانب أم كلثوم وحليم وفريد الأطرش.

وظلت وردة الجزائرية قريبة جدا من الملحن محمد عبد الوهاب حتى وفاته وقد بقيت في سيارتها الخاصة تبكي وتنتحب أمام بيته لأكثر من ثلاث ساعات متواصلة.

وكما جرى على غيرها من الفنانين جرى علي المطربة وردة، حيث انجرفت فنيا في تيار الأغنية البسيطة بعد رحيل محمد عبدالوهاب وبليغ حمدي وكانت آخر أعمالهم الفنية بودعك، وكأنها على إحساس بما تخبىء لها وقدمت بعد ذلك مع الملحن الشاب في ذلك الوقت صلاح الشرنوبي العمل الشهير (بتونس بيك) الذي أضاف لصلاح الشرنوبي مساحة جماهيرية عريضة وقدم وردة في اللون الطربي الخفيف الذي يجاري الوقت والعصر مع الاحتفاظ بآخر مذاق لطعم الفن.

شاركت وردة الجزائرية في العديد من الأفلام منها ألمظ وعبدو الحامولي مع عادل مأمون ومع رشدي اباظة أميرة العرب وحكايتي مع الزمان وكذلك مع حسن يوسف في فيلم صوت الحب وكان أول أفلامها السينمائية بعد عودتها من الجزائر وكانت قلقة وخائفة وتعيد المشاهد أكثر من مرة حتى ضاق ذرعا بها حسن يوسف، حيث صرخ فيها (والنبي يا وردة لما تبقي عايزة تعملي فيلم تاني ماتبعتليش).

تقول وردة عن الزمن الجميل:

أيام جميلة جدا وحكايات تمر أمامي وكأنها بالأمس لكن للأسف أحاول أن أبحث عن بليغ وعبدالوهاب ورشدي اباظة وأصدقائي، ولكنني لا أجدهم، أحزن وأتأثر كثيرا وأعود لأغني حتى أفرغ ما في قلبي من أحزان على فراقهم.

وتقول أيضا عن العودة إلى الأعمال الطربية:

لن أعود إلى مثل تقديم تلك الأغاني إلا إذا وجدت تحفة فنية من نوع خاص ساعتها سوف أعود.

قدمت وردة العديد من الأغاني التي أصبحت كتاريخ لمشوارها الفني ومنها:

أوقاتي بتحلو وأحبابنا يا عيني ومقادير لطلال مداح ومادريتوش وبودعك وماتعودناش وأوراق الورد واسمعوني، وعادت مؤخرا بمسلسل آن الأوان الذي لم يحقق النجاح المطلوب بالرغم من الملايين التي صرفت على هذا العمل وقدمت فيه مجموعة من الأغاني الجديدة وجسدت فيها حياتها الشخصية بنصف الحقيقة على الأقل لكنها لم تعد مجددا إلينا بعمل فني جميل يذكرنا بتلك الأيام الخوالي،

ونحن نقول لها بدورنا بعد هذا الغياب الطويل:

أوعى البعد يا روحي يطول

ولا القسوة تكون على طول

والي يقولك ولا يقولي

سيبك منه

مهما يقول