في اليوم الثاني لوفاة المفكر السعودي الشهير عبدالله القصيمي لم ينشر خبر موته إلا عدد قليل من الصحف. إلا أن هذا التجاهل الذي قامت به الصحف سواء كراهية لأفكاره المتمردة والمخيفة او خشية أن يفهم الناس قبول الصحيفة لكل أفكاره اذا ما قدمت تغطية موسعة لحياته. ولكن في الحقيقة ليس لوسائل الإعلام أن تحول المرء لشخص عظيم إذا منحت له مساحات لاطرائه ولن تحوله الى نكرة لو تجاهلته. هذا الأمر ينطبق تماماً على عبدالله القصيمي فلا يمكن أن تكنس افكاره الملتهبة بسهولة تحت بساط التاريخ بدون أن نتوقع انها لن تحرقه وهذا ما حدث بالفعل. لم يمض وقت طويل على عملية اخفاء القصيمي إلا ان أفكاره المتوهجة والحارقة عادت من جديد. منذ وفاته وعبدالله القصيمي يتحول عاماً بعد عام وعلى عكس الكتاب الآخرين الى كاتب عصري جداً من صنف الكتاب الغربيين الكبار الذين يعاد تسويقهم بين فترة واخرى والسبب يبدو واضحاً. فالقصيمي رغم انه مات منذ 11عاماً إلا انه ما زال يعد صاحب أفكار حديثة على مستوى الواقع الحالي (شكل عبدالله القصيمي قد يساعده ايضاً على ذلك ويقدم خدمة مجانية للمسوقين. أهيف القامة وطويل ويتمتع بوجه سينمائي وسيم ويرتدي نظارات هوليودية قاتمة). في الوقت الذي يجرف الزمن الكثير من المفكرين العرب ويحولهم الى مفكرين ولى زمنهم فإن افكار عبدالله القصيمي تعد الآن من اكثر الافكار الحية والتي يبدو انها ستعيش عمراً طويلاً. الآن توضع كتب عبدالله القصيمي على الرفوف الامامية في اكثر المكتبات وهناك اقبال متزايد عليها واسمه اصبح متداولاً بين الشباب وفي مواقع الانترنت وهو يعود من جديد ككاتب يعاد اكتشافه (عناوين كتب عبدالله القصيمي مثل "العرب ظاهرة صوتية"، "وأيها العقل من رآك؟!" و"هذه هي الاغلال" أصبحت متداولة في الصحافة العربية كعناوين للتقارير والمقالات). يقول الاستاذ خالد المعالي مالك دار الجمل التي تقوم بطبع كتب عبدالله القصيمي: (هناك اعتقاد سائد بأن احداث 11سبتمبر هي التي اعادت المفكر عبدالله القصيمي الى الواجهة من جديد ولكن هذا اعتقاد خاطئ. قبل احداث سبتمبر وكتب القصيمي كانت مطلوبة مني وتباع على وتيرة جيدة. الآن هناك اقبال متزايد على كتب عبدالله القصيمي خصوصاً في منطقة الخليج وعلى الرغم من ان كتبه تمنع في أماكن كثيرة إلا انها تطلب وتعد من الكتب الرائجة).

بسبب افكاره الصادمة والعنيفة لم يكن من السهولة على القصيمي طباعة كتبه بشكل مريح وسهل حيث كانت في بعض المرات تهرب وتطبع في الخارج ولكن وبما ان القصيمي اصبح الآن كما هي عادة الكتاب الكبار من الاسماء الشهيرة التي تحيى بعد موتها فإن كتبه اصبحت محل نزاع أكثر من دار نشر. يقول المعالي: (حينما توفي القصيمي تفاجأت بالردود الضعيفة على وفاته. اخبار صغيرة هنا وهنا وكتبه كانت مقدمة بطبعات قديمة قام هو بنشرها احياناً ولأني كنت معجباً به فقد قررت ان اقوم باعادة طباعة كتبه على الرغم من ان داري كانت صغيرة في ذلك الوقت. اتفقت مع ورثته على ذلك ونشرت كتاب "لكيلا يعود هارون الرشيد" الذي ضم مقالات لم تنشر له ولقاءات لانسي الحاج وادونيس تركز على تجربته ونشر الكتاب واشتهر وبيع وقامت بعد ذلك دور نشر باعادة طبع كتبه القديمة من جديد بدون اتفاقات. أصبح اسمه جاذب ولا زال).

من الواضح ان الاحداث السياسية المتلاحقة التي تحدث تؤكد مرة بعد اخرى ان عبدالله القصيمي مفكر نافذ البصيرة ويقرأ المستقبل ويتقدم على عصره الى درجة قال البعض عنه انه افضى الى احتراقه في آخر المطاف. هذه النوعية من الكتاب لا ينتمون الى مرحلة ومن الصعب الفكاك منهم وتجاوزهم وهم بالطبع على الرغم انهم لا يمثلون كتاباً مسوقين في حياتهم إلا انهم يتحولون الى نجوم بعد وفاتهم. يقول خالد المعالي عن سبب طبعه لكتب القصيمي بالذات: (عبدالله القصيمي كان كاتباً جاداً وهو يقدم رؤيته الخاصة بشكل مستقل جداً بدون أن يؤثر عليه أي شيء لذا كان ينتقد الواقع العربي بشكل صادق وبدون تلفيق. القصيمي كان كاتباً نافذ البصيرة وكل ما يجري حولنا يؤكد ذلك وهذه هي النوعية من الكتاب الذين يخلدهم الزمن).

مجرد اسم عبدالله القصيمي أمر مثير للجدل وهناك الكثيرون الذين لا يتفقون مع افكاره النهائية خصوصاً مع كتبه الاخيرة التي وصفت بالمتطرفة وغير المنطقية بعكس كتبه الاولى الاكثر عقلانية وهدوءاً. ولكن القصيمي كان كاتباً عبقرياً وساحراً وعميقاً ومفيداً وعلى عكس من يقول انه كاتب عدمي وسلبي إلا ان القارئ لكتبه يمكن ان يخرج من وسط الحطام الذي خلفه وراءه برؤية عاقلة وايجابية. عبدالله القصيمي كان اذكى من ان ينجرف خلف تيارات فكرية وسياسية ولم يسيئ لوطنه وكان يؤمن ان النقد الحقيقي هو الذي يمكن ان يساعد العالم العربي وهذا ما بات يؤمن به الكثير من المثقفين بعد ان اضاعوا الكثير من الوقت وهم يبحثون عن الحلول في غير مكانها.