كثيرا ما تساءلت إن بقي في العالم مواقع جغرافية لم تكتشف بعد ؛ فاليوم أصبح العالم قرية صغيرة يمكن الوصول لأبعد نقطة فيه خلال ساعات - كما أصبح مكشوفا للجميع بفضل المحطات الفضائية والأقمار الاصطناعية التي تمسحه صباح مساء!!

غير أن الوضع كان مختلفا بالتأكيد حتى مائة عام مضت .. ففي الماضي كان الذهاب "لأقصى الأرض" مغامرة تُغلف بالسحر وتُطعم بالأساطير . وكان الحديث عن الصين والهند والسند - وجزر الواق الواق - يلهب الخيال أكثر من زيارة أي كوكب بعيد . وكان جهل العامة بالجغرافية - وصعوبة التأكد من روايات الرحالة - فرصة لطرح الكثير من الأكاذيب والمبالغات .. وهكذا نجد الكثير من المبالغات والخرافات في رحلات ابن بطوطة وابن جبير وابن حوقل (مثل رؤية عمالقة يفوقون الجبال، وفقراء يرمون الحبال في الهواء ثم يتسلقونها حتى السحاب، ناهيك عن بساط الريح، ونبع الحياة، وحجر الفلاسفة، وطائر العنقاء ووو ... )!!!

... وبالطبع لم يسلم من هذه الآفة حتى المستكشفين والرحالة الغربيين . ولدي في مكتبتي كتاب بعنوان "أعظم الخدع الجغرافية" لمؤرخ أمريكي يدعى ديفيد روبرت . وهو كتاب يتحدث عن رحالة مشهورين ادعوا قيامهم برحلات استشكافية لم تحدث في الحقيقة .. فهو يشكك مثلا في وصول بيري ريتنش إلى القطب الشمالي، وفريدرك كوك إلى أعلى جبل في آلاسكا، والبريطاني جيمس كوك إلى استراليا قبل الهولنديين، ورحلة ريتشارد بيري بالطائرة فوق القطب الجنوبي عام 1926- كما يؤكد تراجع المستكشف الانجليزي سكوت عن رحلته إلى القطب الجنوبي حين سمع بوصول النرويجيين قبله ...

والقصص الواردة في الكتاب ذكرتني بقضية - سبق أن أبديت شكي فيها - تتعلق بالرحالة الإيطالي ماركو بولو .. فماركو بولو يعد أعظم رحالة في الغرب - ويقارن بابن بطوطة في ثقافتنا العربية . وقد فتحت رحلته إلى الصين (التي بدأها عام 1271) عيون أوروبا على حضارات الشرق وثقافاتها العريقة . وحسب المذكرات (التي أملاها في السجن بعد عودته) عاش في الصين 23عاما شاهد فيها خرافات كثيرة كالتنين الطائر والصخور الناطقة والرجال ذوي الرؤوس المتعددة ولكنه لم يتحدث أبدا عن أعظم شيئين لا يمكن تجاهلهما في الصين .. الشاي، وسورها العظيم!

.. وتجاهله لهذين المعلمين جزء من ثغرات كثيرة تنبهت اليها رئيسة القسم الصيني في المكتبة البريطانية الدكتورة "فرانسيز وود" .. فبعد خمسة عشر عاما قضتها في دراسة رحلة ماركو بولو توصلت إلى القناعات التالية :

  • أن ماركو بولو لم يزر الصين يوما ولم يسمع بسورها العظيم!

  • أنه ادعى رؤيته لأشياء خرافية لايمكن تصديقها نقلها عن أهالي الشرق الأوسط!

    انه بالكاد وصل لبلاد فارس، وهناك سمع عن الصين وحاكمها قبلاي خان ...

    وما يؤيد النقطة الأخيرة أن أسماء المدن الصينية التي ذكرها في مذكراته مكتوبة باللهجة الفارسية..

  • وأن طريق الرحلة الذي ادعى السير فيه ليس هو الطريق المعتاد والمعروف بطريق الحرير ؛ بل كان متعرجا بشكل مضحك لم يسلكه احد قبله ولا بعده!

  • وأن سجلات المدينة التي ادعى حكمه لها (أثناء وجوده بالصين) تشير إلى وجود حاكم غيره في نفس الفترة!

  • والأهم من هذا كله أن الشخص الذي أملى عليه رحلته (أثناء وجوده في السجن) روائي مغمور يدعى روستيشيلو سبق أن اختلق قصصا خيالية عن شخصيات مشهورة (كيوليوس قيصر والملك آرثر) ومن غير المستبعد ان يكون اختلق معظم ما جاء في رحلات ماركو بوللو!

... أنا شخصيا سعيد بظهوري في زمن يمكن فيه (احتواء كامل الكوكب) في صورة فضائية واحدة

Fahmadi@alriyadh.com