النخيل مصدر إقتصادي واعد

تشهد المملكة نهضة اقتصادية شاملة في مختلف قطاعاتها الإنتاجية بصفة عامة والزراعة بصفة خاصة. والسياسة التي اتبعتها المملكة في دعم المشاريع الزراعية تعتبر اتجاهاً رائداً في تحقيق الاستراتيجية الرامية الى تنويع القاعدة الاقتصادية فأهمية الزراعة في المملكة تنعكس في امور كثيرة منها المساهمة في الناتج الوطني وتوفير فرص العمل في القطاع الزراعي وفي الصناعات الزراعية المرتبطة به فضلاً عن تقليل الواردات ورفع مستوى الدخل وبالتالي تحسين مستوى المعيشة ويعد التكامل الزراعي- الصناعي القائم على الصلة الوثيقة بين القطاعين من اهم عوامل تحقيق التنمية الاقتصادية.

وعلى اية حال فإن الاقتصاديات المرتبطة في زراعة النخيل كبيرة وواعدة ذلك ان النخلة شجرة مباركة حبى الله سبحانه وتعالى بها أرض العرب والمسلمين وغني عن القول ان تلك الشجرة تمتاز بأن كل جزء فيها مفيدا إذا احسنا الاستفادة منه فالثمر غذاء الآباء والأجداد وبقية منتجات النخلة كان يتم الاستفادة منها بصورة مباشرة او غير مباشرة إلى وقت قريب لكي تفي بالغرض: لقد كان هناك كثير من الصناعات اليدوية التي تعتمد على مشتقات النخلة وعليه فان النخلة لها اهمية كبيرة وقد ورد اسم النخلة في القرآن الكريم اكثر من عشرين مرة قال تعالى:" ونزلنا من السماء ماء مباركاً فأنبتنا به جنات وحب الحصيد والنخل باسقات لها طلع نضيد رزقاً للعباد، وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج". وقد اوصى الرسول الكريم بالنخلة فقال "اكرموا عمتكم النخلة" او كما قال.

كما ذ كرها الرسول صلى الله عليه وسلم في كثير من الأحاديث، فقد قال صلى الله عليه وسلم" إذا قامت الساعة وفي يد احدكم فسيلة فان استطاع إلا يقوم حتى يغرسها فليغرسها او كما قال. وهذا دليل على اهميتها واهمية زراعتها، فهي من اشجار الجنة.

والنخلة تعتبر شجرة البيئة المحلية فهي تتحمل درجة عالية من الحرارة كما انها تقاوم البرودة وتصبر على العطش والإهمال ناهيك عن انها تتحمل الملوحة وعلى الرغم من كل الندوات والبحوث والكتب والدراسات التي اهتمت بالنخلة إلا ان النخلة لازالت تعامل بنفس الطريقة القديمة من حيث الزراعة والاستثمار ولم تتجه الأنظار إلى تلك الشجرة المباركة سيدة الشجر لتجعلها تمثل ركناً اساسياً ورافداً اقتصادياً من روافد الثروة الوطنية.

إن اعداد النخيل قد تناقص في كثير من الدول الأخرى بصورة كبيرة من خلال العقدين الماضيين ففي العراق نقص عدد النخيل بنسبة تصل إلى 53% وفي المغرب نقص عدد النخيل بنسبة تصل إلى 25%.

وبالمقارنة فقد تضاعف عدد النخيل في المملكة العربية السعودية عدة مرات خلال العقدين الماضيين وذلك بسبب تشجيع الدولة وحرصها على شقيقة جدنا آدم عليه السلام.

ولعل أهم الشواهد الظاهرة حالياً تشير إلى ما يلي:

1- لاشك ان هناك إقبالاً كبيراً على زراعة النخيل في المملكة حيث ان معدل النمو يتراوح بين 3-4% وطبقاً لإحصائيات وزارة الزراعة لعام 1416فقد وصل عدد النخيل في المملكة إلى اكثر من 18مليون نخلة وهذا العدد مرشح لان يتصاعد في السنوات القليلة القادمة وهو ما سوف يترتب عليه زيادة في كمية العرض، وذلك بفضل تشجيع الدولة للاستثمار في هذا المجال الحيوي حيث يتم دعم المزارع بخمسين ريالاً لكل فسيلة نخل تزرع. ناهيك عن شراء الدولة لكميات كبيرة من التمور لصالح برنامج الغذاء العالمي.

2- إن اسلوب استهلاك التمور لم يتطور وذلك بسبب بقاء الطرق التقليدية في اسلوب الاستهلاك والحفظ وعدم توفر قنوات تستوعب هذه الكميات المتزايدة في اغراض التصنيع على الرغم من وجود اكثر من 20مصنعاً للتمور في المملكة إلا انها محدودة القدرة والمقدرة.

3- طبقاً لبيانات وزارة الزراعة لعام 1416فقد تراجعت أسعار التمور في الثلاث سنوات السابقة لذلك التاريخ حتى بلغ متوسط سعر التجزئة لأهم التمور في المملكة وعددها 11صنفاً لتبلغ (,131) ريالاً للكيلو ثم انخفض في عام 1417هـ إلى (,122) ريالاً ثم تراجع حتى بلغ (,94) ريالات للكيلو في عام 1419هـ اما سعر الجملة فقد تراجع من (,86) ريالات للكيلو عام 1416هـ إلى (,64) ريالات للكيلو عام 1419هـ..

4- إن حجم صادرات المملكة من التمور لا يتجاوز 5% من نسبة الإنتاج الكلي مع العلم ان 90-95% من الكمية المصدرة تتجه إلى دول مجلس التعاون الخليجي وبقية الدول العربية الأخرى ونسبة قليلة جداً لاتتجاوز 1% تتجه إلى الأسواق الأوروبية ومثلها إلى الأسواق الأفريقية اما دول آسيا فلا يتجه إليها اي كمية تصديرية تذكر من تمور المملكة رغم امكانياتها الاستيعابية والاستهلاكية الكبيرة والسبب في ذلك يعود إلى جهات عديدة مثل التاجر والمصنع اللذين اخذا بحاجة المستهلك المحلي فقط، وبصورة تقليدية ليس فيها ابداع. وعلى أية حال فإن السوق العالمية للتمور كبيرة جداً إلا انه مهمل. وأكبر تلك الأسواق تتمثل في الهند والصين واندونيسيا وماليزيا والجمهوريات الإسلامية في وسط آسيا. كما ان غيرها من دول العالم يمكن ان تستورد المواد المصنعة من التمور مثل الشيكولاتة والخل وغيرها.

5- بلغ عدد مصانع التمور المسجلة في قوائم وزارة الصناعة حتى عام 1418هـ حوالي 18مصنعاً طاقتها الانتاجية مجتمعة تبلغ حوالي 46000طن ورأس مالها مجتمعة يبلغ حوالي 400مليون ريال فقط وعدد العاملين بها يقدر بحوالي 1000وهذا قليل جداً بالنسبة للإنتاج الوطني البالغ 670الف طن.

ولاشك ان شعار الأمن الغذائي الذي رفعته المملكة منذ سنين قد نجح نسبياً في مجال زراعة القمح إلا أننا نتوقع ان يكون نجاحه اكبر بكثير في مجال زراعة النخيل خصوصاً ان النخيل لاتحتاج إلى كميات كبيرة من المياه كما هو الحال في زراعة القمح فالنخلة بنت الصحراء والبيئة المحلية. ولذلك فإن التوجه إلى زراعة النخيل يعتبر توجهاً إيجابياً يفترض تدعيمه بقيام صناعة متكاملة تعتمد على منتجات النخلة من تمور وألياف وخشب وسعف وغيرها.

وحيث ان المملكة من اكبر المنتجين للتمور في العالم، وحيث ان الإمكانيات القائمة تؤهل المملكة ان تكون رائدة في مجال صناعة التمور خصوصاً إذا علمنا ان هذا لم يتم الالتفات له من قبل الدول الأخرى.

مع محدودية عددها وقلة امكانياتها وهنا يحبذ أن يكون طموحنا كبيراً بحيث نتجه إلى استثمار النخيل ليس من اجل الأمن الغذائي فقط بل باعتباره مصدراً اقتصادياً كبيراً يمكن ان يشكل احد مصادر الدخل القومي للبلد عندما يتم تحويل جميع منتجات النخلة إلى سلع اقتصادية لها استعمالاتها المتعددة تتنافس اسواق العالم على استيرادها وهنا يمكن ان نشير إلى ان:

1- التمور من أغنى الفواكة في الطاقة الحرارية ولهذا فقد صدق العربي عندما قال بأن التمر واللبن غذاء كامل فالتمر يحتوي على البروتين والكربوهيدرات والسكريات وكذلك الماء والأملاح المعدنية والفيتامينات ناهيك عن القيمة الغذائية العالية للنوى الذي يمكن ان يستعمل كأعلاف. وللتمور فوائد كثيرة لايمكن حصرها في مقال قصير.

2- إنتاج السكر العالي والفركتوز: إن تطوير هذا المنتج سوف يوفر اكثر من ألفي مليون ريال من الواردات ومما يجدر ذكره انه لاتوجد مصانع حتى الأن منتجة لهذا النوع من السكريات وهذا السكر يدخل في كثير من الصناعات الغذائية المعروفة.

3- حمض الليمون يتم استيراده حالياً من الخارج مع انه يمكن ان يصنع من التمور وهذا الحمض يدخل في كثير من الصناعات الغذائية والدوائية. والجدير بالذكر ان المملكة تستورد كميات كبيرة من هذه المادة من دول متعددة مثل المانيا وبلجيكا والصين وإندونيسيا ولا توجد مصانع محلية لإنتاج هذه المادة ويتم استيراد حاجة البلاد بالكامل من الخارج.

4- وعلى أية حال فإن هناك صناعات عديدة اخرى تعتمد على التمور مثل تصنيع التمور صناعة الدبس، صناعة السكر السائل وصناعة الجلوكوز وصناعة انتاج الخل والخميرة بأنواعها وصناعة مربى التمر.

5- صناعة المنتجات السليلوزية للنخلة ومن اهمها، صناعة الورق صناعة الفورفورال، صناعة الخشب المضغوط، صناعة الريون، وصناعة الألياف والكنبار بالإضافة الى صناعة الأعلاف والحصر وغيرها.

6- كثير من الصناعات الغذائية يمكن ان يدخل بها التمر بصورة مباشرة او غير مباشرة مثل الايسكريم والبسكويت والحلويات المختلفة والكراميل واغذية الأطفال ومشروبات التمر المرطبة، ناهيك عن إمكانية احلال التمر ومشتقاته محل بعض الفواكة المستعملة حالياً في إنتاج كثير من المواد الغذائية.

7- لقد اكتشفت الدول ان إضافة الإيثالون إلى البنزين امر مفيد فهو مصدر من مصادر الطاقة النظيفة والمتجددة لذلك فإن كلاً من امريكا واليابان تقومان بإضافة الإيثالون إلى البنزين وقد وضعا هدفاً هو ان يتم الاستغناء عن استيراد 20% من حاجاتها من البنزين عن طريق تعويض ذلك بالإيثانول. وعليه فإن صناعة الإيثانول من مخلفات التمورسوف يكون له مردود اقتصادي واعد كمصدر من مصادر الطاقة.

من ذلك كله يتضح ان النخلة مصدر اقتصادي هام للمواد الغذائية ومواد خام اخرى يمكن ان تقوم عليها صناعات متعددة لها عوائد اقتصادية مؤكدة إذا احسن التخطيط لها وتمت حمايتها من المنافسة الخارجية ناهيك عن كونها صناعة لم يلتفت إليها، والسبب هو ان 90% من الإنتاج العالمي من التمور والذي بلغ حوالي , 418مليون طن عام 1417هـ هو من انتاج الدول العربية والإسلامية موزعة كالآتي:

إيران(795) ألف طن، مصر(650) الف طن، السعودية (670) ألف طن، العراق(600) ألف طن، الجزائر (318) ألف طن، والباكستان (290) ألف طن، والإمارات العربية المتحدة (270) ألف طن بينما يبلغ انتاج الولايات المتحدة الأمريكية حوالي (23) ألف طن فقط من التمور سنوياً وذلك حسب احصائيات منظمة الأغذية والزراعة الدولية. وبالطبع فإنه نظراً لضعف امكانيات البحوث والتطوير والإنجازات التقنية المتقدمة في الدول النامية لم يحدث اهتمام يذكر في تطوير النظم الهندسية المناسبة وخطوط الإنتاج الملائمة للتمور وحيث ان هذه الثروة توجد بصورة رئيسية في الدول العربية والإسلامية فإنه لم يكن هناك دافع لدى الدول المتقدمة للاهتمام بهذا الجانب وعليه فإنه لاتوجد حتى اليوم شركة عالمية متخصصة ومتميزة في تطوير وتصنيع آليات جديدة للإستفادة من النخلة ومنتجاتها. ليس هذا فحسب بل إن الأمر المؤكد ان المصنعين في الخارج لديهم ادراك ووعي كبيرين بأهمية الصناعات التحويلية القائمة على التمور لذا فهم يحاربون صناعة التمور في المملكة ويفرضون حظراً تقنياً على كلما يطور تلك الصناعة خصوصاً ان التمور لديها إمكانيات كبيرة لمنافسة كثير من المنتجات العالمية مثل الكاكاو والشكولاته.

لقد حبى الله هذا الوطن بنعم كثيرة واهمها نعمة الإسلام ثم الأمن في الأوطان والصحة في الأبدان مدعومة بنعمتين رئسيتين الأولى البترول والذي استفدنا منه ولازلنا نستفيد منه بصورته الخام وعلينا ان نستفيد منه عن طريق تصنيعه إلى مشتقاته، حيث ان ذلك اربح من ناحية، واطول عمراً له من ناحية ثانية. اما النعمة الثانية فهي تلك الشجرة المباركة وهي النخلة التي يلقى المزارعون كل التشجيع من قبل الدولة- سلمها الله- لزراعتها فهل نحول تلك النعمة إلى مصدر اقتصادي آخر يدر على الوطن امناً غذائياً ومصدراً اقتصادياً يعتمد عليه إذا احسن اعداد الخطط الطموحة للإستفادة من جميع منتجات النخيل من تمور وغيرها وتمت حمايتها من المنافسة الخارجية ناهيك عن اعداد الأرضية المناسبة لتسويق تلك المنتجات في الأسواق العالمية من خلال الاستفادة من منظمة التجارة العالمية خصوصاً عند انضمام المملكة المتوقع إلى تلك المنظمة حيث ان ذلك سيفتح أسواق الدول الأخرى امام منتجات المملكة من التمور وغيرها وعلى أية حال فإن الاتجاه المدروس للاستفادة من التمور والمنتجات الأخرى للنخلة يجب ان يكون مقروناً بتذليل الصعاب التي تواجه الاستثمارة من هذه الثروة الوطنية خصوصاً بعد إنشاء وزارة المياه والذي جعل وزارة الزراعة متفرغة لتطوير مفهموم الأمن الغذائي بشقيه النباتي والحيواني وبالتالي فإن اهتمام الوزارة بالنخلة وهي موضوع حديثنا اليوم سوف يشمل الأمور المختلفة التي تحدثنا عنها ناهيك عن اهمية دور البنك الزراعي الذي اعلن عن تطوير كثير من البرامج التي يمكن ان تتلقى دعمه والتي تدخل ضمن الأمور المشجعة على الاستفادة من التطوير التقني والاتجاه إلى الاعتماد على التقنية كوسيلة إنتاجية وتصنيعية فاعلة من ذلك كله فإن الاتجاه إلى إنشاء مؤسسة صناعية كبرى تعمل في مجال تصنيع المنتجات الزراعية خصوصاً منتجات النخيل والاستفادة من مخلفاتها في صناعات اخرى بحيث تكون تلك الشركة على غرار شركة سابك التي تعمل في مجال البتروكيماويات ويمكن ان تقوم تلك الشركة الصناعية الزراعية في إنشاء مدن صناعية في المناطق الزراعية الرئيسية التي تتوفر فيها النخيل وغيرها مثل مناطق المدينة المنورة والقصيم والاحساء ونجران وغيرها ويمكن ان ينضوي تحت تلك الشركة بعض الشركات الزراعية الناجحة التي ربما تجد فيها وسيلة لمزيد من النجاح وعليه فإن الاتجاه إلى دعم هذا التوجه وانتشال المصانع التي بدأت تخرج من السوق بسبب المنافسة الخارجية يصبح امراً ضرورياً وهنا يجب ان نشير إلى ان جريدة الرياض وهي الرائدة كعادتها في طرح كثير من الأمور الوطنية الهامة، قد فتحت ملف التمور وصناعتها قبل اكثر من عام ناهيك عن ان الغرفة الصناعية والتجارية بالرياض قد قامت بدراسة جدوى عن صناعة التمور ومشتقاتها إلا ان ذلك لم يلق صدى لدى المستثمرين لأن رأس المال جبان كما يقال او بالأحرى لأن صاحب رأس المال يريد ربحاً مرتفعاً وسريعاً دون عناء او تعب وعليه فإن انشاء شركة تعمل في مجال الصناعات الزراعية وتكون مشاركة بين الحكومة والقطاع الخاص كما هي الحال في شركة سابك او ان تقوم الحكومة بانشائها ثم تطرحها للاكتتاب بعد ان يقوى عظمها كما فعلت مع شركة سابك وشركة الاتصالات السعودية التي طرحت للإكتتاب جزءاً من رأس مالها للاكتتاب العام في العام الماضي.

إن الصناعات المعتمدة على النخيل ومنتجاتها تعتبر من الأمور الواعدة التي ربما تشكل مصدراً اقتصادياً يعتمد عليه خصوصاً إذا مهد لذلك بمركز للبحوث والتطوير يخص منتجات تلك الشجرة المباركة التي يحسن بنا ان نعيدها إلى الواجهة في اهتماماتنا الاقتصادية سدد الله خطى العاملين المخلصين والله المستعان.






مواد ذات صله

Image

«راجح» و«داعش» والمشكلة السورية!

Image

النفط لا يعني الاسترخاء والكسل

Image

للشباب من القلب إلى القلب

Image

(الأخضر) والدوري السعودي

Image

نحن وأميركا

Image

العنف ضد المرأة الكندية

Image

«الشورى» يصوت.. كيف الصحة؟







التعليقات