أبو راشد مواطن من أسرة عريقة مكافحة اضطرتها الأوضاع المعيشية القاسية التي كانت تعاني منها منطقة نجد إلى الهجرة من موطنها الأصلي ضرماء إلى حرمة، إلا أن الأوضاع لم تكن أفضل حالاً فهاجرت الأسرة مع مجموعة كبيرة من الأسر إلى خارج المملكة وأقامت في قرية نجدية خارج الحدود كان أهلها مثالاً في التكاتف والتعاون والحيوية والنشاط وتحولت تلك العوائل المتفرقة إلى عائلة واحدة أنشأت مدرسة ومكتبة وجمعية خاصة بها للمحافظة على أبنائها وعاداتهم وتقاليدهم.

وفي تلك القرية الصغيرة ولد أبو راشد من أب مكافح أفنى حياته لتربية أبنائه فأحسن تربيتهم وتعليمهم فعاش أبو راشد فترة شبابه خارج أرض وطنه، وتفوق في دراسته وكان حنوناً عطوفاً محباً للخير ومساعدة الآخرين فاختار تخصص الطب ليتمكن من مساعدة المرضى وحصل على ثلاث زمالات في جراحة القلب من أعرق الجامعات البريطانية وحين أنهى دراسته انهالت عليه عروض عمل مغرية جداً من مستشفيات أمريكية وأوروبية إلا أنه فضل العودة إلى وطنه الأصلي فتم توجيهه للعمل في مستشفى الشميسي الذي لا تتوفر فيه امكانات لاجراء عمليات في القلب فرفض أبو راشد مباشرة العمل لأن ذلك يعني استلامه رواتب لا يستحقها وبقي على تلك الحال ستة أشهر ثم توجه إلى مستشفى الملك فيصل التخصصي الذي كان يعمل فيه أطباء من الولايات المتحدة الأمريكية لم يرحبوا بالشاب الصغير المتحمس الذي سيأخذ مكانهم فتوجه إلى مستشفى القوات المسلحة وأنشأ قسماً لجراحة القلب وحرص على تدريب الشباب السعودي لسعودة جميع العاملين في القسم ورغم معارضة مسؤولي المستشفى وعدم قناعتهم بقدرات وجدية الشباب السعودي إلا انه استمر في تدريبهم وخلال حرب الخليج عانت أقسام المستشفى من نقص شديد في العاملين بسبب مغادرة الأجانب ما عدا قسم القلب الذي كان يعمل بكامل طاقته. وبعد ازدياد عدد مرضى القلب في المملكة وشعور أبو راشد بمعاناة المرضى وعدم قدرة القسم على استيعابهم تبنى فكرة إنشاء مركز لأمراض وجراحة القلب ولقيت هذه الفكرة قبولاً ودعماً شخصياً من صاحب القلب الكبير صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع والطيران والمفتش العام وتم إنشاء المركز الذي ساهم بعد الله في انقاذ حياة كثير من المرضى في السنوات العشر الماضية.

عمل أبو راشد مدة تزيد على ثلاثين عاماً وكان طيلة عمله يحضر إلى المستشفى في ساعة مبكرة جداً ويقوم بزيارة مرضاه ثم يتوجه إلى غرفة العمليات ويجري عمليتين معقدتين أو أكثر ثم يغادر في المساء ليعود مرة أخرى للاطمئنان على مرضاه فلم يكن طبيباً أو جراحاً لمرضاه فقط بل كان أباً للأطفال وأخاً للشباب وابناً للشيوخ لم تكن علاقتهم به علاقة مريض بطبيبه ولم تكن علاقتهم به تنتهي بخروجهم من المستشفى بل كانوا يزورونه في ديوانيته الشهيرة العامرة بالمحبين ويتواصلون معه ويشعرون بفضله بعد الله عليهم.

وبعد حياة حافلة بالإنجازات أجرى خلالها أكثر من ستة آلاف عملية جراحية معقدة وخطيرة تفوق فيها على أكبر جراحي القلب في العالم وأصبح أول أستاذ أجنبي غير مقيم في هارفارد أكبر جامعات العالم، وأول من ادخل جراحة قلب الأطفال في الشرق الأوسط وتفوق فيها على المستشفيات الأمريكية، وأول من قام بإجراء زراعة قلب الأطفال خارج الولايات المتحدة وبعض دول أوروبا. ورائد جراحة اصلاح صمامات القلب التي قام باجرائها في أمريكا وتم نقلها على الهواء ليستفيد منها الجراحون هناك، ورائد طريقة تجميد المريض وسحب كامل الدم التي تتطلب مهارة وسرعة فائقة جداً غادر "قلب المركز" مركز القلب وتوقف قلب المركز عن النبض لم يغادره طلباً للراحة أو استجابة لإغراءات مادية بل للعمل تطوعاً في مستشفى حكومي آخر مما يؤكد دون الخوض في أي تفاصيل اننا للأسف الشديد لم نقدره كما يستحق أو على الأقل لم نوفر له الأجواء المريحة للعمل والخاسر هو المريض والمركز وليس أبو راشد الدكتور محمد الفقيه.