ملفات خاصة

OLD

حروف وافكار

قصة صعود إمبراطورية.. وآفاق تطورها!

محمد دياب

"الامبراطورية تعيد تشكيل العالم" - تلك كانت الفكرة المركزية لمقالة كتبها اندريو باسيفيتيش، أستاذ جامعة بوسطن، نشرت في صحيفة "واشنطن بوست" مطلع شهر أيار (مايو). لم يكن الكاتب المذكور أول من استخدم مصطلح "الامبراطورية" لتوصيف القوة العظمى الوحيدة التي تنفرد بزعامة العالم اليوم. فقد سبقه إلى ذلك كثيرون، في الولايات المتحدة نفسها وفي أوروبا وفي بقية أنحاء العالم. البعض كتب ويكتب مبشراً بالدور الامبراطوري للولايات المتحدة، وداعياً إلى اعتماد القوة العسكرية لتحقيق هدف الهيمنة على العالم لتأمين المصالح الحيوية الأميركية، وحاول آخرون تحليل ظروف صعود هذه "الامبراطورية" التي نجحت خلال فترة زمنية قصيرة (مقارنة بصعود الامبراطوريات السابقة) في أن تصبح الأقوى عسكرياً واقتصادياً والأكثر سطوة من أي امبراطورية أخرى. فيما سعى البعض لاستقراء آفاق تطور وتوسع هذه الامبراطورية، وتنبأ بهبوط سريع لها قد يكون أسرع من صعودها العاصف.

سوف نحاول في مقالتنا هذه إجراء قراءة سريعة لبعض الأفكار بشأن "الدور الامبراطوري" للولايات المتحدة،وذلك استناداً إلى نماذج ثلاثة من الكُتاب الذين تناولوا بكتاباتهم المسألة المذكورة، هم المصري محمد حسنين هيكل(1)، والفرنسي أتيان باليبار(2)، والأميركي إيمانويل فالرشتاين(3).

يقول هيكل في معرض دراسته لظروف نشوء الدولة الأميركية وصعودها الامبراطوري واحتمالات هبوطها، أن أحد أهم دروس التاريخ يتلخص في أن الامبراطوريات العاتية تكابر حتى تصل إلى الذرى العالمية، ثم تكتشف عند الوصول ان البقاء هناك فادح التكاليف، وعندها تظهر حتمية النزول. لكن الامبراطوريات تعاند، وعندها يبلغ العنف مداه. هذا ما حدث لكل الامبراطوريات السابقة: من الامبراطورية الرومانية في العالم القديم.. وصولاً إلى الامبراطوريات الأوروبية في العصر الحديث. إن الامبراطوريات الكبرى لا يهزمها خصومها في صراعات مباشرة إلى النهاية، وإنما تتولى هي هزيمة نفسها بالإفراط في استعمال القوة وفي الغرور والغطرسة والعجز عن مسايرة التطور.

وهذا ما يحدث، وإن على نحو متفاوت، للامبراطورية الاميركية اليوم.. غير أن هذه الامبراطورية، كما يقول هيكل، تختلف عن سابقاتها، بما يلي:

  • هذه الامبراطورية تملك من عوامل القوة الاقتصادية والمالية ما يتفوق على سابقاتها على مدى التاريخ (أقوى اقتصاد عرفه التاريخ ودولار يتربع على العرش المالي للعالم).

  • تسخِّر هذه الامبراطورية أحدث وأقوى إنجازات التقدم الإنساني في خدمة أهدافها.

  • لقد عاشت هذه الامبراطورية حياتها بعيدة عن أي تهديد مباشر لأراضيها ومواطنيها (خاضت كل حروبها، بعد الاستقلال والحرب الأهلية، على أراضي الغير وبعيداً عن القارة الأميركية)، وراكمت من أسباب الثروة مدداً وفيراً، وبالتالي قدراً كبيراً من المناعة والثقة بالنفس المبالغ فيها أحياناً.

  • تملك هذه الامبراطورية قوة عسكرية هائلة لم تتوافر لغيرها على مدى التاريخ وتنفق عليها أكثر ما تنفقه دول العالم مجتمعة، وتجمع بين التكنولوجيا العسكرية والتكنولوجيا المدنية.

  • إلى جانب ذلك تملك هذه الامبراطورية نوعاً من جاذبية النموذج يمهد لتوسعها وانتشارها (جاذبية المثل ونمط الحياة الأميركي..).

  • تملك هذه الامبراطورية أسلوباً جديداً للسيطرة يجمع بين الأسلوب العسكري المفعم بالنفس الاقتحامي والهيمنة الإعلامية و"الثقافية" .. الخ

وإذ يحلل هيكل ظروف نشأة الأمة الأميركية يؤكد أنه بحكم نشأتها في إطار مغامرة تاريخية نادرة، كملاذ وملجأ ومنفى لعينات مختلفة ومتناقضة من البشر، حيث قام مجتمع فريد هو خليط قلق ومتنافر أقام دولة على أنقاض جماعات وشعوب تمت إبادتها، لم تستطع الامبراطورية الاميركية في أي وقت أن تستوعب فكرة الوطنية الموحدة أو فكرة القومية الجامعة أو فكرة الرابط الديني الواسع، وهي بالتالي عجزت عن فهم الشعوب الأخرى التي تمسكت بوطنيتها المستقلة.

فالتجربة الأميركية كان مبدأها الأول عموماً الهروب إلى جغرافية جديدة والانقطاع عن تاريخ سبق، على عكس تجارب الدول الأخرى التي قامت على مبدأ استمرار الجغرافيا وتدفق التاريخ. فقد كان المطلوب (من المنظور الأميركي أو من منظور المهاجر الأميركي) أن يكون التاريخ الجديد عبارة عن صفحة بيضاء، حيث إن إزاحة الآخر (الهندي الأحمر) هي بداية التاريخ الجديد. وذلك استناداً إلى "مبدأ" أن الأقدر على استغلال الموارد هم الأحق بامتلاكها. ووجد هذا "المبدأ" تبريره الأخلاقي والديني الذي يقول بأن العناية الإلهية أرسلت الإنسان الأبيض إلى هذه القارة لاستغلال ثرواتها العميمة، لأنه أحق بها من الهندي الأحمر الذي لا يؤمن بالله.

استناداً إلى هذه الخلفية التاريخية لنشوء المجتمع والدولة في أميركا وتطورهما يمكن فهم المنطق الذي تعتمده السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. ويمكننا أيضاً فهم لماذا نعجز كعرب في غالب الأحيان عن إقناع صانع القرار الأميركي والمثقف بل والمواطن العادي الأميركي أو التأثير عليه بحجج من نوع "عدم جواز الاستيلاء على أرض الغير بالقوة" أو "حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى أراضيهم".. الخ.

ومن جهة أخرى، فإن قواعد القانون الدولي التي أرسيت أسسها في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وضُعت من دون مشاركة الولايات المتحدة وفي غيابها، أي قبل أن تخرج من عزلتها خلف المحيط وتتحول إلى قوة فاعلة على الصعيد الدولي. وعليه فإن تلك القواعد غير ملزمة إلا بقدر ملاءمتها للمصالح الأميركية. من هذا المنطلق يصبح مفهوماً الموقف الأميركي من قضايا الشرعية الدولية. فالأمم المتحدة ناجحة إذا استطاعت تلبية المطالب الأميركية، وفاشلة إذا اعترضت عليها. وبهذه العقلية اختزلت واشنطن سلطة المنظمة الدولية بمجلس الأمن وحده بأعضائه الدائمين، ثم اختزلت سلطة مجلس الأمن بنيابتها وحدها عن الجميع بانفرادها باتخاذ ما تراه صائباً من القرارات، ومن ضمنها استخدام القوة المفرطة. وقد تجلت هذه السياسة بأوضح صورها في ما يتعلق بالمسألة العراقية. وها هو مجلس الأمن يضطر لتشريع نتائج حرب لم يمنحها الشرعية في حينه. لقد اكتشف هذا المجلس أنه لا يملك القدرة (حتى ولو توفرت لديه الإرادة) على منع حرب إذا ما أرادتها الولايات المتحدة، كما أنه لا يستطيع الامتناع عن تشريع نتائجها، كما أن حق النقض فيه أصبح حكراً على الولايات المتحدة فيما يخص القضايا السياسية والاستراتيجية الكبرى إننا في ذروة عصر امبراطوري!

يطلق الفيلسوف الفرنسي أتيان باليبار على المشروع التوسعي الاميركي اسم "المشروع الامبريالي"، فيقول: "ان هذه الامبريالية تتضمن بعداً جغرافياً، يقوم على السيطرة السياسية العسكرية ويمكن لحظ أهدافها الاقتصادية كما في حال الشرق الأوسط. وهناك أيضاً بعد استراتيجي ودبلوماسي... وثمة أيضاً ما يمكن تسميته ادعاء السيادة الكونية. وهو ادعاء يجد تعبيره مثلاً في موقف الولايات المتحدة من الأمم المتحدة... إن الولايات المتحدة تعتبر القانون الدولي بحكم الملغي وتحسب أنها قادرة على استبداله... لقد سرع الاميركيون في إفلاس نظام قانوني معين، وحاولوا فرض قواعد قانونية جديدة، وإن كانت هذه الأخيرة ستظهر في البداية على أنها فاقدة الشرعية. ينبغي أن نتوقع إذاً أن تقوم واشنطن بمأسسة نظام حقوقي قادر على تبرير أعمالها لاحقاً. وهذا ما أسميه ادعاء السيادة الكونية".

ويرى باليبار أن "ادعاء السيادة الكونية" سينتهي إلى الفشل سواء على المدى المتوسط أو البعيد. إلا أن البديل لا يزال هلامياً، حسب رأيه، ففرنسا وألمانيا غير قادرتين على تنظيم "تحالف مضاد لأميركا"، وهما ليستا مستعدتين للمجازفة اليوم في خوض مغامرة من هذا النوع. أما روسيا فتفاوض اليوم على جزء من "الكعكة النفطية" العراقية وعينها على المسألة الشيشانية. في حين أن الصين تنتظر لحظة صيرورتها دولة عظمى فائقة القدرة بعد عقدين من الزمن أو أكثر (في حدود عام2020، حسب الخطة الصينية المرسومة).

يشارك إيمانويل فالرشتاين، مدير مركز فيرناند براوديل التابع لجامعة بينغامتون (ولاية نيويورك) زميله الفرنسي نظرته إلى مستقبل "المشروع الامبراطوري الاميركي". فهذا الباحث الذي قدم كتابات بالغة الثراء في مجالات التاريخ الاقتصادي والسوسيولوجيا والاقتصاد السياسي وحول الحركات السياسية والثقافات والحضارات، يسلط الضوء في مقاله الدوري نصف الشهري الأخير ( 15أيار/ مايو) على ما يراه من تناقض بين مصالح كبار الرأسماليين الأميركيين وأوهام أنصار بناء الامبراطورية الأميركية اعتماداً على قوتها العسكرية. وينقل فالرشتاين عن ستيفن روتش، المحلل لفي مؤسسة "ستانلي مورغان"، إحدى أكبر المؤسسات الاستثمارية في العالم، قوله أن عالماً أحادي القطبية متمحوراً حول الولايات المتحدة سيلحق الضرر بالاقتصاد العالمي، وبالدرجة الأولى بالاقتصاد الأميركي نفسه. ان وضعاً كهذا قائماً على "انعدام التوازي على نحو عميق" لا يمكن أن يستمر. ويخلص روتش إلى التساؤل: "هل يمكن لاقتصاد أميركي يفتقر إلى المخدرات أن يواصل تمويل تفوق عسكري ينمو إلى ما لا نهاية؟ جوابي هو (لا) مدوية". (نشير في هذا الصدد إلى أن النفقات العسكرية الاميركية سوف تصل هذا العام 380مليار دولار. والدولة الأعظم هي في الوقت نفسه أكبر مدين في العالم، فكما تقول صحيفة "نيويورك تايمز" ان القوة العسكرية الأميركية الجبارة يضمنها رأس المال الأجنبي. وهذا الأمر يمكن أن يؤدي على حد قول الصحيفة، إلى قيام "سلام أميركي" Pax americana هش في حال قرر المستثمرون الأجانب سحب استثماراتهم مكن الاقتصاد الأمريكي أو استبدال دولاراتهم باليورو المتزايد قوة "نيويورك تايمز 2003/5/22"). ويستنتج روتش أن "أسعار الأصول التي يهيمن عليها الدولار، مقارنة بأسعار الأصول غير الخاضعة للدولار سوف تنهار قريباً"، معتبراً أن دولاراً ضعيفاً هو المخرج الوحيد من المأزق.

يؤكد فالرشتاين ان الصلافة العسكرية التي يتسم بها سلوك وسياسة الإدارة الأمريكية اليوم وأحلام المحافظين الجدد في إعادة تشكيل العالم وفق خططهم وتصوراتهم، سوف تنعكس سلباً على كبار المستثمرين الاميركيين، مما يجعل تلك الخطط غير قابلة للتحقق. ويقول ان نظرة من زاوية تاريخية إلى ما يجري، توضح أن الوضع الراهن يمثل استمراراً للتوتر القائم منذ 500سنة في النظام العالمي الحديث، بين الذين يسعون إلى حماية طور النمو الرأسمالي وبين القوى التي تحاول الهيمنة على الاقتصاد لضمان بقاء مقومات أنظمتها السياسية.

ويشدد فالرشتاين على أن التفوق الفعلي لا تحققه العنجهية العسكرية بقدر ما يقوم على الفاعلية الاقتصادية، وهذا ما كان عليه وضع الولايات المتحدة في الفترة بين عامي 1945و 1970.ولكن الولايات المتحدة تسير منذ ذاك الحين في خط تراجعي في الميدان الاقتصادي وهي طريق خاسرة تفوقها النوعي، ولن تؤدي محاولات المحافظين الجدد لقلب هذا المسار التراجعي من خلال سياسة القوة سوى إلى خسارة أكبر لكبار الرأسماليين الأميركيين والولايات المتحدة نفسها. ويؤكد أن الرأسماليين لا يؤيدون النهج الاقتصادي الحالي لإدارة بوش والتخفيضات الكبيرة للضرائب، وهو ما يعبِّر عنه جورج سورس ووران بوفيت وغيرهما، بل يرغبون بنظام رأسمالي مستقر لا توفره لهم إدارة بوش.

ويرى فالرشتاين أن السوق لها تأثيرها القوي، وأن الانهيار القريب للدولار سيغير كل المعطيات الجيوسياسية، وسيكون لانهيار الدولار مفاعيل أشد وقعاً وتأثيراً من هجمات أيلول (سبتمبر)، تؤدي إلى تراجع كبير في مستوى معيشة الأميركيين. ويختم أن الإفلاس القريب للحكومات الأميركية المحلية ما هو إلا مقدمة لما سيأتي، وأن التاريخ سيسجل أن إدارة بوش فعلت كل ما بوسعها لجعل الوضع الاقتصادي أكثر سوءاً.

الهوامش:

(1) انظر: "السفير"، أعداد 2/1، 3/1، و2003/4/2م.

(2) انظر: Contrepoints, Pasris, 12/5/2003

(3) انظر موقع مركز برنارد براودلير على الإنترنت:

http//fbc.binghamton.edu/113en.htm

mdiab@ul.edu.lb


خدمة القارئ الصوتي لأخبار جريدة الرياض مقدمة من شركة اسجاتك
إنتظر لحظات...

التعليقات:

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الرياض" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

عدد التعليقات : 0

أضف تعليقك





نعتذر عن استقبال تعليقكم لانتهاء الفترة المسموح بها للتعليق على هذه المادة