تكريما للابداع والمبدعين الذين سطروا بروائعهم الإنسانية والعلمية والمعرفية الكثير من الملاحم الفكرية والادبية والتاريخية وتقديرا وعرفانا بما قدموه للامة خلال مسيرة حياتهم الحافلة بالعطاء، اقامت وزارة الثقافة السورية والمنتدى الثقافي اللبناني - السوري منذ ايام بدمشق ندوة تكريمية للمؤرخ العربي الراحل الدكتور "نيقولا زيادة" ( 1907- 2006) سلط المشاركون فيها من خلال مداخلاتهم الضوء على فكر هذا المؤرخ الكبير وانجازاته على كافة الاصعدة .

موسوعة ثقافية

د. رياض نعسان آغا وزير الثقافة السوري تساءل في كلمته التي القاه اذا كانت هذه الاحتفالية هي مناسبة حزن أم مناسبة فرح. ما أظن بعد المائة بوسع المرء أن يحلم بمزيد من العيش سوى بذاك النعيم المبهج الذي ينطلق إليه في ملكوت الله، واضاف قلت حين كنت في القاهرة لأعزي بفقيدنا الكبير نجيب محفوظ إن أديبنا لم يدع لأحد أن يقول البقية في حياتك لأنه لم يترك بقية لأحد. هذا فضل من الله على نقولا زيادة أنه عاش دون أن يرد قط إلى أرذل العمر بل بقي في وهجه كنا نتابعه وهو في أواخر التسعينات من عمره يتوقد حيويةً وذكاءً وذاكرةً وغنىً في محبة الناس له وحب الناس المنبعث من قلبه لذلك أقول انها مناسبة فرح أن تحتفي الأمة بواحدٍ من عظمائها وبرجلٍ من رجالها الكبار.

ولا يغيب عن البال ونحن نتحدث عن الراحل الكبير الراحل الباقي أنه بدأ حياته مجتهداً مجداً فهذا ما أتمنى على الأجيال الشابة أن تتأمله، فقبل أن يصبح مؤرخاً أجاد أكثر من خمس لغات. مهم جداً أن نتأمل فلسطينياً يولد في دمشق ويعيش في بيروت ويكتب عن العرب لكي نقول هذه هي سوريا الثقافة. هذا هو البناء الواحد لأسرة واحدة ليس بوسع أحد من فلسطين أن يقول نقولا لنا ولا لأحد من لبنان أن يقول نقولا زيادة لنا ولا نحن سوى أن نفخر أنه ولد فينا فهو ذاك العربي الذي أخلص كل حياته لتاريخ العرب . انظروا كم كتب عن فلسطين وعن قضيتها وكم من عناوين ما كتب رؤية للحداثة مع نظرته العميقة إلى الماضي حين يكتب المؤرخ عن المستقبل وعن الحداثة وهم المعني بالنظر إلى الوراء فذاك يشف عن أنه لا يعود إلى الماضي من أجل أن يغرق فيه. وإنما من أجل أن يجد للناس طريقاً للمستقبل. فهو يقدم خلاصة معرفته بتاريخنا وخلاصة معرفته بمكاننا.

يهمني في مؤرخنا الكبير نقولا زيادة أنني وجدت فيه طعماً نفتقده في كثير مماً كتبوا في التاريخ إلا في بعضهم هو إنه أديب يكتب في التاريخ أو مؤرخ يشتغل في الأدب لذلك نص نقولا نص نابض بالحياة حيوي ولا تجد فيه لغة الطبري يعني أنا قرأت الطبري وقرأنا سواهم من كتب المؤرخين نجد المادة التاريخية نشرة أخبار قديمة وحدثنا فلان عن فلان وقال فلان ثم ذهب وفي رواية أخرى كذا وكذا أما عندما تقرأ نيقولا زيادة فأنت أمام نص- نص تاريخي أدبي ما أدري أن كانت ذاكرتي تسعفني بأنني قرأت حديثاً له عن فشله قال فيه أنه فشل عدة مرات وقال أن الثالثة كانت فشله في أن يكون أديباً - هذا بعض من التواضع الذي أشار إليه الأستاذ.. لم يفشل قط بل كان أديباً مؤرخاً وكان موسوعي الثقافة والمعرفة نحتفي فيه نحن أهل الشام وأقصد أهل فلسطين والأردن ولبنان ودمشق وسوريا كلها نحتفل بأن لدينا من نباهي به عالماً فذاً. امتلك علماً وثقافةً وحضوراً أكاديمياً كبيراً وظف كل طاقاته وإمكانياته لخدمة أمته وخدمة العروبة لغةً وتاريخاً وانتماءً حضارياً. نعتز بأننا عشنا في قرن شهد علماء أفذاذا كبارا وقد تركوا لنا ما بوسعنا أن نضيف إليه بل ما ينبغي أن يضيف إليه شبابنا وأبناؤنا فهؤلاء هم أباؤنا هؤلاء الرواد الذين نريد للأمة ألا تنساهم قط وأن تحذو حذوهم لكي ترتقي إلى المكانة التي طمحوا إليها.

واختتم آغا كلمته بقوله: طوبى لروح نقولا زيادة لأنه عاش وفياً للإنسانية ووفياً لعروبته ووفياً لما خصه الله به من ذكاء وسعة في الفهم والعلم وهنيئاً لكم أبناء نقولا زيادة بأبٍ هو أبٌ لنا جميعاً نحن أبناء الأسرة الواحدة، المسيحية العربية والإسلامية العربية، تجمعنا العروبة رسالةً إنسانيةً نتقدم بها إلى العالم وإن قيل لنا هاتوا بعض براهينكم على أنكم حضاريون فحسبنا أن نحمل لهم شيئاً مما كتب نقولا زيادة.

عشق الشام

عبدالله خالد رئيس المنتدى الثقافي اللبناني السوري اشار في كلمته على ان نقولا زيادة عشق الشام التي ولد فيها .. باعتبارها حاضرة عربية اسلامية شكلت منارة حضارية تنير الظلام العربي، كما اكد بان المنتدى يركز في تكريم اعلامه مثل .د نقولا زيادة وسلمى حفار الكزبري والمجاهد فوزي القاوقجي والشيخ رشيد رضا والمجاهد عز الدين القسام والشاعر نزار قباني والشاعر عمر ابو ريشة-لاظهار اللحمة بين سوريا ولبنان وبالتالي بلاد الشام واشار ايضا إلى قول نقولا زيادة (ان من حق دمشق ان ترفع رأسها فتاريخها الطويل.. يضم صفحات من المجد والفخر.. فبلد كان للغساسنة مرجعاً وللأمويين عاصمة وللأيوبيين مركزاً وللمماليك مرجعاً.. وبلد عرف الاخطل وصحبه واليبرودي واترابه وابن تيمية ومعاصريه حري بأن يتيه على غيره، وأشار خالد إلى الرحلة التي قام بها "زيادة" سيراً على الأقدام من صفد إلى أنطاكية، وفي الحديث عن تميز "زيادة" أضاف أنه برع في فن السيرة الذاتية، وأعطى لمسة خاصة لعلم التاريخ، كما أعاد أدب الرحلات إلى مجده.

كلمة اصدقاء الفقيد ألقاها د.محمد محفل استاذ التاريخ في جامعة دمشق وقال فيها ان زيادة كان انسانا متواضعا ومحبا لاصدقائه وكان قدوة جعلت الآخرين يتعلمون من تجاربه وعلمه فقد كان مع ثقافة الحياة والبناء ولم يكن ابداً مع ثقافة الموت والدمار..

بعدها ألقى السيد "رائد زيادة" ابن الفقيد كلمة العائلة، والتي جاءت موجزة، ووجه فيها تحية إكبار ووفاء لدمشق التي غادرها "نقولا زيادة" في سن التاسعة، ولم ينسها في سن ال

99.اسطورة اغريقية

فن السيرة الذاتية عند نيقولا كان محور مداخلة الباحث اللبناني صقر أبو فخر الذي اكد بان زيادة قدم لنا سيرة ذاتية تشتبك بالتاريخ انطلاقاً من أنه ناصري الأصل، دمشقي الولادة.. فمذكراته ليست تاريخاً لمدينة بعينها، لكن لدمشق مكانة كبيرة فيها رغم أنه لم يعش في هذه المدينة إلا المرحلة المبكرة من عمره فهو يحتفظ لها بحنين حار ولاهب وكأنه يتكلم عنها تحت سلطان العاطفة وليس التأريخ. في دمشق كانت شقاوته الأولى وفيها فقد والده واكتشف أولى خطواته باتجاه الحياة. نقولا زيادة في مذكراته علاقة لامعة في المسيرة الطويلة لكتاب السيرة الفلسطينيين امثال.. فدوى طوقان-احسان عباس-حنا بو حنا ومعين بسيسو .. وامين الصايغ وغيرهم. واضاف ان نيقولا زيادة بعثرت الاقدار مصيره فما مكنته من تخطي حاجز المئة بعدما ظل مثل ابطال الاساطير الاغريقية يصارع ايامه موعودا بتدشين قرن جديد في عمره المديد لكن تعب الايام اوهنه فغادرنا في التاسعة والتسعين ..كان يدرج نحو المئة بفرح غامر .. ويخطط لأيامه المقبلة بنشوة الايام الاولى. عاش نقولا زيادة ضاحكاً وساخرا.. عاش القرن العشرين بطوله وهو أسوأ قرن وربما اروع قرن في التاريخ المعاصر للعرب.

مفكر شامل

الدكتور محمد مخزوم في مداخلته التي جاءت تحت عنوان (نقولا زيادة والتاريخ مقاربة بين العروبة والإسلام) قال بان زيادة كان يرتكز ويركز على نقطة هامة وهي العلاقة بين الأرض والانسان، فهو لايقف عند الحدود الضيقة للمسألة التاريخية، بل يتجاوز التوصيف وسرد الأحداث إلى البحث الأكاديمي الموضوعي والرصين.و أضاف بان المفكر زيادة اهتم كثيرا بأدب الرحلات وقدّم تحليلاً لما اهتم به العرب من أخبار الغزو والفتوح واستخلص من كل ذلك صوراً أنتروبولوجية هامة. واشار مخزوم إلى ان زيادة رفد المكتبة العربية في المشرق بمؤلفات حول تاريخ المغرب ودوره في تطوير الحضارة الإسلامية إما نقلاً أو مزجاً أو حفظاً وعطاءً، وكذلك فقد اهتم بتحليل الظواهر الثقافية للمجتمع العربي ونادى بضرورة تخطي التراث.

تأريخ التاريخ

أنطوان ضوميط تحدث عن عربيات زيادة وأورد رأيه حول أن الحضارة لاتمثلها الصراعات السياسية ولا العسكرية إنما مايتصل بالعمران الذي تقدمه المجتمعات البشرية وعربيات زيادة تعني منطقة الشرق الأدنى من الجزيرة العربية التي نمت فيها اللغة العربية وسادت منذ القدم حيث يتضمن الكتاب أبحاثاً عن الجزيرة بقسميها الجنوبي والشمالي من جانب الدول والطبيعة والناس اضافة إلى بعض اللمحات الاقتصادية والتجارة وصولاً إلى دور قريش في عهدي الرسول والخلفاء الراشدين. وحول كتاب زيادة (قمم من الفكر العربي الإسلامي) ذكر ضوميط أن المؤلف درس سبعاً وعشرين شخصية بين متحدث وفقيه وفيلسوف بدءاً من منتصف القرن الثاني للهجرة حتى القرن التاسع. ويضيف أما في كتاب الرحلات عند العرب، فيتناول زيادة أبرز الرحالة العرب والمسلمين بدءاً من القرن الأول وذلك لإبراز مساهمة هؤلاء في بناء الحضارة العربية والعمران فيحدد لكل مدينة في الإسلام مهمة أو وظيفة معينة إما مركزاً للجيش أو للادارة والملك أو الادارة المحلية. كما عرض الدكتور انطوان ضوميط لبعض مؤلفات الراحل المؤرخ نقولا زيادة التي تناولت العربية لغة وحضارة وثقافة باحثاً عن الوسائل التي اعتمدها نقولا والاهداف التي ابتغاها لا لتترك بصمات واضحة في مضمار الحضارة العربية بل لتبرز خاصات جديدة كان اغفلها مفكرون آخرون.

مشروع ثقافي

اما الدكتور ابراهيم بيضون الذي قدم مداخلة بعنوان "نيقولا زيادة مؤرخا - ما الذي اضاف إلى علم التاريخ قال : ان زيادة لم يدع باباً في التاريخ إلا وطرقه بجدارة في مختلف شعابه بدءاً من العصور القديمة. فالعربية الإسلامية إلى الحديثة والمعاصرة واستطاع دراسة المراحل التاريخية المختلفة برؤيا تتميز بالجدة والمغايرة ومحاولة الاستفادة من التاريخ في بناء المستقبل العربي الذي ظل هاجسه الدائم. واضاف ان من اصعب المهام ان يتناول المرء مؤرخاً بحجم نقولا زيادة وبانتاجه الذي زاد عن الخمسين من الكتب ونحو مائة من الابحاث عدا عن تلك التي وضعها باللغة الانكليزية أو ترجمها عنها اضافة لمئات المقالات المنشورة في العديد من صحف الاقطار العربية ومجلاتها . وبين أن زيادة لايختصر بعنوان واحد بل إنه مشروع ثقافي متكامل ومنسجم وعلى علاقة وطيدة بالحداثة العربية .

صلف مسيحي

الدكتور جورج جبور من سوريا ركز على الجانب الحضاري بين جانبي المسيحية والاسلام عند زيادة واشار إلى رأي زيادة المفصل حول الصلف المسيحي الغربي تجاه الشرقي مقارنة بطبيعة تعامل الخلافة الإسلامية مع المسيحيين العرب مذكراً بأن بعض الخلفاء لم يقبلوا فرض الجزية عليهم انطلاقاً من رابطة العروبة معهم، ومشيراً إلى تدخل الغرب الذي أضر بالمسيحيين كثيراً.

ومما لاشك فيه ان الاحاطة بموسوعية المفكر نيقولا زيادة تحتاج إلى ابحاث كثيرة للالمام بالكثير من الجوانب الابداعية في مسيرته الطويلة الحافلة بالابداع...