تزخر المنطقة الشرقية للمملكة العربية السعودية بعدد كبير من المواقع الاثرية المنتشرة مكانياً من اقصى شمال المنطقة الى اقصى جنوبها، ومن ساحل الخليج العربي في الشرق الى رمال الدهناء في الغرب. وتمتد زمنياً من العصور الحجرية وحتى يومنا الحاضر. وتتنوع في المنطقة من مواضع ارتياد وتجوال الانسان ابان العصر الحجري القديم ومواقعه الموسمية ومواقع نقاط توقف الطرق التجارية والقرى والمستوطنات. وتتنوع بيئياً، فمنها المواقع الساحلية والجزر والمواقع الداخلية. وبالرغم من انه تم الكشف عن مئات المواقع، الا ان المواقع الاكثر حضوراً بسبب ماكتب عنها وعرف هي الربيعية وتل تاروت والدوسرية، وعين قناص، وابو خميس، وجزيرة المسلمية وعين جاوان، ومقابر جنوب الظهران، وعدد من المواقع في واحة يبرين والآف من المقابر التلالية، والجبيل، وبقيق، والعقير، وثاج.

وتعد مستوطنة ثاج من ابرز المستوطنات المكتشفة في المنطقة الشرقية وهي من المستوطنات الداخلية التي تستحق ان يهتم بها حماية، وترميماً، ودراسة. وتقع مستوطنة ثاج بالقرب من طريق قوافل التجارة القديمة وهو الطريق الذي يسمى بدرب الكنهري. وتبعد عن مدينة الجبيل بتسعين كيلومتراً داخل البر، وتقوم المستوطنة على حافة ارض صبخة لتشغل ارض زراعية جيدة الخصوبة.

ويعد الموقع من اضخم مواقع المستوطنات القديمة المعروفة في شبه الجزيرة العربية بمساحة تتجاوز ثمانية هكتارات مربعة حسبما افاد به الباحث الانجليزي الشهير جفري بيبي الذي نفذ مسحاً لثاج وما حولها عام 1968م. وتنتشر حول الموقع آلاف المقابر التلالية ذات الاحجام الضخمة والتي تغطي امتداداً يتجاوز ثمانية كيلومترات بدءاً من سور المستوطنة. وتوجد الآبار القديمة الضخمة حول الموقع والتي تعرف باسم الركايا. وغير بعيدة عن موقع ثاج توجد مستوطنة الحناءة القديمة التي يعتقد بانها عاصرت مستوطنة ثاج. وتوجد - حولها الردائف في جهة والابتلة الثلاثة في الجهة الاخرى.

ولايجهل الباحثون وجود خرائب مستوطنة ثاج، فقد تحدثت عنها المصادر العربية القديمة، وجاء ذكرها في الشعر العربي الجاهلي عندما كانت مستوطنة لبني يشكر من بني شيبان. ويعرف انها من مواطن قبيلة بني تميم في الجاهلية. وفي عصر الاستكشافات الحديثة كانت ثاج من اقدم المستوطنات التي عرف عنها المجتمع المثقف في العالم الغربي. فمنها نقل ابناء البادية صخوراً عليها كتابات عربية قديمة سابقة على ظهور الاسلام الى المعتمد البريطاني في الكويت. وفي عام 1911م مر بها الضابط البريطاني الشهير شكسبير الذي لقي حتفه في معركة جراب المعروفة نتيجة لتعرضه الى بضع رصاصات، قيل انها ثلاث، طائشة احداها خرقت جبهته واستقرت حيث استقرت ولكنها تسببت في انهاء حياته. ومن اشهر الغربيين الذين زاروا ثاج وكتبوا عنها السيد هارولد دكسون المعتمد البريطاني في الكويت خلال اربعينيات القرن العشرين الذي مر بها برفقة زوجته فايلوت دكسون. وزارها الباحث الامريكي جيمس ماندوفيل وكتب عنها مقالين من اروع واكمل ماكتب عن المستوطنة حتى وقتنا الحاضر.

احدهما خصصه لعصورها القديمة، والآخر لعصرها الاسلامي.

ومر بها الباحث الآثاري الامريكي بول لاب وكتب عنها عدد اخر من الاوروبيين، باحثين وهواة.

وبدأت وكالة الآثار والمتاحف في المملكة العربية السعودية اعمال موسمية في ثاج انجزت منها بضعة مواسم اسفرت عن نتائج مشجعة. وقبل بضع سنين اعد الاستاذ عوض الزهراني رسالة ماجستير عن ثاج بعد ان اجرى فيها حفريات آثارية ميدانية. وفي ضوء هذه الاعمال واعمال اخرى لم نذكرها تبين ان مستوطنة ثاج تعود في تاريخ استيطانها الى منتصف الالف الاول قبل ميلاد المسيح عليه السلام وتستمر حتى العصر الحاضر دون ان ينقطع وجود الانسان فيها حسبما تشهد به المكتشافات الاثرية والشواهد التاريخية.

ويطوق المستوطنة سور يبلغ في امتداده قرابة الكيلومتر طولاً، والسبعمائة متر عرضاً، وتبلغ سماكته ستة امتار. ويكون السور ثلاثة جدران متوالية بالاضافة الى خندق مائي يدور حولها.

ويوجد على اركان السور ابراج للمراقبة والدفاع. وداخل هذا السور تقوم منازل السكان. وبالاضافة الى المنازل الموجودة داخل السور يوجد منازل تقوم خارجه وتلال ترابية تخفي تحتها منشآت معمارية بعد ان يزاح التراب عنها سوف تتضح انواعها.

ومن حيث المكتشفات الاثرية فعلى الرغم من قلة الاعمال الاثرية المنفذة فيها، فان مادتها الاثرية متنوعة بين المصنوعات الفخارية والخشبية وادوات الزينة والعملات المختلفة والاواني المصنوعة من الحجر الصابوني والنقوش المحزوزة على الصخور.

وجاء من هذه المستوطنة الكشف الاثري المميز والذي يعرف بين منسوبي وكالة الآثار والمتاحف باسم "كنز الفتاة المجهولة" المتكون من ثروة ذهبية لاتقدر بثمن تشتمل على تاج وقلائد واساور ووجه تنكري وغطاء كف وغطاء ذرع ومئات القطع الذهبية والسبائك وتابوت مرصع بقمور وجميع تلك المعثورات مصنوعة من الذهب الخالص وغيرها من حلي جاءت من القبر. وتشكل تلك الحلي موضوع رسالة ماجستير تقدمت بها طالبة الى قسم الآثار والمتاحف في كلية الاداب في جامعة الملك سعود. ولاشك ان هذا الكشف يماثل في غناه المادي والفني اميز الاكتشافات في الشرق الادنى القديم. وان دل على شيء لا شك انه يدل على القوة الاقتصادية والحضارية للمستوطنة.

فالمستوطنة امامنا والاطلال قائمة ولكن لانعرف هوية سكان الاطلال نظراً الى عدم تكثيف العمل الاثري الميداني في مستوطنة تستحق ان تدرس وان يكتشف ما بها لانسان اليوم.