حين عقدت قراني على أم حسام كانت ماتزال في السنة الأخيرة في كلية الطب بجدة .. وبمناسبة "المِلكة" قدمت لها هدية ثمينة عبارة عن طقم ألماس (... دفعت قيمته والدتي). ولم يكن مفاجئا أن نالت الهدية إعجاب الحضور - الأمر الذي جعلني أخشى معرفتهم بمن اشتراها .. وفي حين انشغل الضيوف بالهدية - التي دارت حتى على بيوت الجيران - بقيت أتحدث مع زوجتي الجديدة لساعات . وحينها أخبرتني عن مشكلة طريفة تعاني منها كلما أتت لزيارة أهلها في المدينة .. ففي كل مرة تغيب فيها تستولي شقيقاتها الصغيرات على شيء من أغراضها الشخصية (كان آخرها مخدتها المفضلة).. ورغم أنني لم أعلق كثيرا على هذه النقطة إلا أنني - بعد خروجي من منزل والدها - عدت مجددا وبيدي مخدة جديدة بعشرة ريالات فرحت بها أكثر من هدية الشبكة نفسها (.. أو هكذا جعلتني أفهم..)!

.. هذه التجربة العفوية علمتني أن الهدايا الجميلة ليست بالضرورة هدايا مادية غالية أو مكلفة .. فقيمة الهدية تكمن في رمزيتها (واحد) وتفردها (اثنين) وتوافقها مع اهتمامات الطرف الآخر (ثلاثة)..

وكثيرا ما يبدو لي أننا نحن (العرب) لم نفهم جيدا هذه العناصر ومازلنا نرى جمال الهدية في غلائها وقيمتها المادية المرتفعة .. وفي المقابل ترجح كفة المعاني الرمزية - واللفتات الذكية - في الهدايا التي يتم تداولها في الغرب ؛ فحين فاز الرئيس بوش الأب بالانتخابات الرئاسية أهداه أحد الزعماء العرب سيفين من ذهب ودرعاً مطعماً بالألماس - معلقين على صفيحة من خشب السنديان الفاخر .. وفي المقابل رد عليه بوش بهدية رمزية لا يزيد ثمنها عن عشرين دولارا عبارة عن كتاب مصور للصقور ومناطق عيشها حول العالم .. وفي حين لم يعن السيفيان شيئا للخواجة "بوش" كان للكتاب وقع جميل على سيادة الزعيم بسبب عشقه للصقور والصيد بها !!

.. وأعرف طالبا سعوديا في كندا كان يأتي إلى الكلية على دراجة نارية فخمة.. وذات يوم خرج من قاعة المحاضرات برفقة أحد أصدقائه الكنديين فاكتشف أنها سرقت. وبدل أن يحظى بمساعدة البوليس تعرض لمشكلة بسبب انتهاء وثيقة التأمين وعدم ربطه للدراجة.. وبمناسبة عيد ميلاده التالي - بعد أسبوعين أو ثلاثة - قدم له صديقه الكندي هدية رمزية لها مغزى كبير ... "سلسلة بقفل" !!

.. وقبل ثلاث سنوات تقريبا زار السعودية وفد طلابي من السويد للتعرف على ثقافتنا المحلية. وحين وصل إلى المدينة المنورة أقامت له "الامارة" حفل تكريم بهذه المناسبة. وتم حينها الاتفاق على شراء 22ساعة ثمينة بغرض تقديمها للطلاب السويديين في نهاية الحفل كهدية مميزة .. وبعد الانتهاء من تقديم الساعات الثمينة (التي صنعت في سويسرا ولا تمت للسعودية بصلة) حان دور الضيوف لتقديم هديتهم الخاصة ... (هل تعلمون ماذا كانت !؟) ... "كرة ثلجية" من المنطقة القطبية في السويد عالجها الطلاب كيميائيا لتبقى متماسكة!!

.. ومرة أخرى تعلمت أن قيمة الهدية تكمن في رمزيتها وتفردها وليس في ثمنها أو قيمتها المرتفعة..

ومن يومها أصبحت هديتي المفضلة (حجر بركاني مميز) يتم اقتلاعه من الحمم السائلة في شرق المدينة.. وتحديدا من فوهة البركان مباشرة!!.