تملك القنوات الإبداعية سواء كانت شعرا أم قصة، أم رواية، حساسيات خاصة ترتبط اساسا بفقهيات شكلها، وهي فقهيات صارمة، تلزم المبدع مهما كانت قواه الابداعية، ان يخلع عن جلده كل القرارات التسريبية، والتي يمكن أن تغويه في التقلب ضمن النص الواحد في أكثر من قناة ابداعية واحدة.

وقلة من الكتاب العرب ضمن هذا الاطار، من يستطيع ضمن هذا المعطى، ان يقوى على خلع جلد قناته الابداعية، حينما ينتقل من قناة إلى أخرى، فالروائي الذي كان يقيم اساسا في منظقة الشعر، يصعب عليه وحينما يكتب الرواية، التخلص من شعرنة نصه، والروائي الذاهب من منطقة الرواية الى منطقة القص، من السهل ملاحظة الترهل اللغوي في قصته وهكذا، لكن اللافت في تجربة الروائي جمال ناجي الكتابية، انه استطاع ان يباعد بين حقلي تعامله مع القصة القصيرة والرواية.

ففي تجربته الروائية نلحظ ان ناجي امتلك مكنة الرواية، دون ان يقع في فخ الابتسارية التي تفرضها القصة القصيرة، مثلما نجده في تجربته القصصية قد نجا ايضا من الاثقال السردية التي تمليها الكتابة الروائية.

ما يؤكد على ما ذهبنا إليه هي مجموعاته القصصية "رجل خالي الذهن 1989" و"رجل بلا تفاصيل 1994"، ومجموعته الجديدة التي "ما جرى يوم الخميس" والتي صدرت ضمن سلسلة الكتب الشهرية عن وزارة الثقافة الأردنية.

وفي الدخول الى لحمة ونسيج النص القصصي في مجموعة ناجي الجديدة "ما جرى يوم الخميس" نلحظ ان القاص جمال ناجي يعود بالقص الى أسسه التي انبنى عليها، حيث القصة القصيرة المحكمة، كاملة الدسم، والتي لا تحتمل الزوائد الدودية اللغوية في القص، بل تجيء بتلك الرشاقة الشفيفة التي تتمظهر من خلالها النصوص، راسمة شكلها ومضمونها القصصين، بذلك الدفق الحيوي النبيل والمضمون الانساني الأنيق للقصة القصيرة.

وفي قراءة النصوص القصصية لهذه المجموعة يقودنا ناجي في قصة "رجل لا يحسن الحب" الى الاشتباك مع علاقة غامضة بين الأب وابنه، حيث الأب الراوي : "أكرهه"!! هذا الابن بالذات أكرهه، ألا يحق للأب أن يضيق بواحد من أولاده؟

هو لا يدري لماذا اباغته بسهام غضبي وغيظي، لا يعرف لماذا يتغير صوتي المتراخي، ويخرج من بين شفتي باستقامة وقسوة حين أسلطه نحوه، لكن جسمه النحيل يتضاءل كلما استبدت بي واحدة من نوبات عدائي المباغت له "ص 11".

هذا التدرج الرشيق في القص يكشف عن علاقة سيكولوجية معقدة ومدمرة في التعامل بين الأب والابن، ليصل بنا ناجي في نهاية هذه القصة، الى رغبة الأب المدفونة في أعمق أعماه في قتل الابن الشبيه، او قتل طفولته ذاتها التي تجلت في ملامح الابن الشبيه، حيث يتساءل الأب في نهاية القصة بحرقة: "كيف لم انتبه الى هذه الشبه؟"َ

ويدخل ناجي في قصصه اللاحقة في دغل العلاقات الاجتماعية، وما يمكن أن تتركه هذه العلاقات من تجريحات وربما من اعوجاجات في بنية الروح الإنسانية، وما يمكن أن تخلقه هذه العلاقات من التباسات.

وفي قصة "مجتمع مدني" حيث نلحظ ان لاسم القصة تهكمها النائم في بطن النص، عن الاجتماعات التي يقوم عليها المجتمع المدني، وتلك الحروب الصغيرة بين الأنداد في نجاح هذه الاجتماعات او فشلها، وحيث الشجار النفسي الصامت بين رجلين حول جدول اعمال الاجتماع، الذي يفشل في أحد بنود جداول اعماله بسبب ملاحظات حول شحوب في ملامح الندين.

اما في قصة "ما جرى يوم الخميس" التي حملت المجموعة اسمها، فإن القاص ناجي يتدرج بقارئه نحو محاولة تفكيك مظاهر اجتماعية، بمهارة تقود القارئ الى مساحة التأويل في فهم القصة، وهو التأويل الذي يحفز القارئ على استباطاته الخاصة في التأويل.

فالقصة التي يسردها الراوي، تنبني على إعلان قرأة في إحدى الصحف، يقوم على تهنئات متتالية تنشرها الصحف لرجل اسمه "سمير الأزهري" والطريف ان كل التهاني تجيء مباركة للرجل على ما جرى معه يوم الخميس "الاعلان الذي نشر في ثلاث صحف، تضمن تهاني يقدمها عدد من الناس لرجل اسمه "سمير الأزهري" بمناسبة ما حدث يوم الخميس الماضي، دون اي ذكر لتفاصيل أخرى يمكن ان تضيء للقارئ او تعينه على فهم لغز الخميس الذي بدا مضببا مثيرا للحفيظة ص "35".

هذا الاعلان ينهض فضولية المجتمع المحلي بأكمله، الى الدرجة التي يستطيع فيها ناجي ان ينهض فضولية القارئ ذاته، والغريب ان الراوي وحينما يتصل بأحد المعلنين، يسمع الاجابة التالية: "أرجوك، لا تشكرني على تهنئتي لك فاني لا أعرفك، لكنني لم أنم ليلة البارحة، اخبرني ما الذي حدث؟ لقد دفعت ثمن الاعلان كي اعرف منك: ما الذي حدث يوم الخميس ص "41".

وفي قصة "الجهات الخمس" يتعامل ناجي بفنية سردية عالية المستوى، مع قصة العصفور البيتي الذي انقض عليه أحد الطيور البرية الجامحة، ولأن العصفور هو أحد الملكيات الخاصة بابن البطل، تتحول الحادثة الى دراما بيتية، يعاني منها الأب والزوجة التي تطوعت بدفن العصفور القتيل بالتعاون مع فاعل خير من الطبقة الكادحة كي يتولى دفن العصفور.

ويعمل ناجي في هذه القصة، باسلوب التقطيع المشهدي، فالحادثة تسرد من قبل الزوجة، ومن قبل الزوج، وفاعل الخير، ويحمل سرد الحادثة عند كل واحد منهم مرجعية تربوية وطبقية متباينة، لنكتشف في نهاية القصة ان الأب هو المتضرر الوحيد نفسيا من موت العصفور، بعكس ردة الفعل التي ابداها طفله الذي تلقى الخبر واستمر بتواصله مع الحاسوب..

وفي القصص الأخرى في المجموعة مثل: مقاومة بيضاء، وعوني ابن خالتي، وعادي، والعود، واحياء سبق أن ماتوا، نلحظ عمق الدربة القصصية عند ناجي، ولا ابالغ ان قلت ان بعض قصص هذه المجموعة تحتاج إلى دراسة مستقلة بسبب عمق ايقاظها للنائم في تفاصيل حياتنا ومجهرته، بمثل هذا الكشف، وبمثل هذه القدرة على تأصيل الحادثة القصصية.

إن جمال ناجي في مجموعته الجديدة، "ما جرى يوم الخميس" يعيدنا الى زمن كدنا في زحمة التجريب أن نفقده.

انه يعيدنا الى زمن القص الجميل.