يزداد يوما بعد آخر عدد الدول التي تصل إلى سوق الخدمات الدولية في مجال التعليم. وتسعى الدول المختلفة،حتى الصغيرة منها، إلى إيجاد نصيبها في هذا السوق، وهي تنجح في ذلك متى استطاعت توحيد جهودها في هذا السبيل.

في الجانب الروسي، لا يزيد عدد الطلبة الأجانب الذين يتلقون تعليمهم في الجامعات والمعاهد العليا الروسية عن مائة ألف، وتبلغ حصة روسيا في سوق التعليم الدولية نحو خمسة بالمائة. وتعادل إيراداتها السنوية في هذا المجال بين 120- 200مليون دولار.

وحسب وزارة التعليم والعلوم الروسية، فإن الطلاب القادمين من الخارج يفضلون الحصول على التعليم في اختصاصات الهندسة في المعاهد العليا بموسكو وبطرسبورغ وغيرهما من مدن القسم الأوروبي من روسيا، كما يحصلون على الاختصاص في الطب بالدرجة الأولى في القسم الروسي الأوروبي. ويدرسون العلوم الإنسانية أساسا في المعاهد العالية للأقاليم، بينما يحصلون على اختصاص الإدارة والاقتصاد في المعاهد العليا في العاصمة.

ووفقا لنظرية تشكيل المجال التعليمي الموحد في رابطة الدول المستقلة تقرر أن تكون جامعة موسكو بمثابة المعهد العالي الرئيسي لإعداد الكوادر في مجال العلوم الطبيعية الأساسية، بينما تكون جامعه بطرسبورغ المشرفة على الاتجاه الاجتماعي- الاقتصادي والإنساني. كما تعتبر جامعة علوم اللغة الحكومية بموسكو مسؤولة عن تعليم اللغات والثقافة في بلدان رابطة الدول المستقلة.

وتعتمد روسيا بالدرجة الأولى على الطلبة القادمين من بلدان رابطة الدول المستقلة، بالإضافة إلى الصين والهند وكوريا الجنوبية. بيد أن نسبة الطلبة الصينيين والهنود الذين يتوجهون للدراسة في الغرب هي اليوم في تزايد مستمر،الأمر الذي يعني انخفاضا نسبيا في حصة الروس من هذين الفضاءين الواعدين. وذلك على الرغم من أن الدراسة في مؤسسات التعليم العالي الروسية تكلف الطالب الأجنبي في السنة مبلغا يتراوح بين ألفين وخمسة آلاف دولار فقط.

ويرى رؤساء العديد من الجامعات والمعاهد العليا الروسية، بمن فيهم فيكتور سادوفنيتشي رئيس جامعة موسكو المعروفة باسم جامعة لومونوسوف، أنه عند تكييف نظام التعليم الروسي للنظام الغربي (نظرا لمشاركة روسيا في "عملية بولونيا") واستخدام نظام التعليم من مرحلتين: البكالوريوس والماجستير، فإن خسارة الخصائص الأساسية للتعليم الروسي ستكون أمرا لا يُغتفر. وربما يبدو هذا مفهوما لأن التعليم الروسي سيخسر المزيد من القدرة على التنافس.

كذلك، فان روسيا ما زالت في بداية طريقها في مجال التعليم عن بعد، الذي يعتبر أحد نتاجات التكنولوجيا الحديثة. وليس في متناول العديد من المؤسسات التعليمية الروسية استخدام الإنترنت بحرية. وما زالت فروع مؤسسات التعليم العالي الروسية في الخارج ضعيفة،علما بأنها تفتتح ليس من قبل جامعات العاصمة وحسب بل والجامعات الإقليمية أيضا.

ويعتبر سوق الخدمات التعليمية في أراضي جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق من الأسواق الميسرة كثيرا بالنسبة لروسيا. وحسب الكسندر كازينوف نائب رئيس الوكالة الفيدرالية الروسية للتعليم،فإن روسيا أصبحت منذ العام 1992طرفا في 14اتفاقية وبرنامج تعاون وقعت في إطار رابطة الدول المستقلة في جميع مجالات التعليم تقريبا، فهي تشمل تعليم البالغين وتبادل المعلومات في مجال التعليم، وإعداد الاختصاصيين في مجال السلامة من الإشعاعات، وأسلوب تأسيس وعمل فروع المعاهد العليا،وتنسيق منح الرخص واعتماد مؤسسات التعليم، وكذلك الاعتراف المتبادل بالشهادات الدراسية.

وصادقت وزارة التعليم والعلوم الروسية في يناير 2003على أسلوب القبول في المعاهد العليا الحكومية، الذي يقضي بأن يتم الانطلاق من مبدأ الدعم الاجتماعي لمواطني الاتحاد السوفيتي السابق الذين يعانون من صعوبات في الحصول على التعليم، وأوعزت الحكومة إلى المعاهد العليا الفيدرالية بأن تقبل انتساب رعايا بلدان رابطة الدول المستقلة بالشروط نفسها التي يقبل بها الطلبة الروس.

وفي العام 2004كان يدرس في المعاهد العليا بروسيا بموجب الزمالات الدراسية الممنوحة والمعاهدات الدولية حوالي 60ألف طالب من رعايا 14بلدا من بلدان الرابطة وجمهوريات البلطيق، بينهم 24ألف طالب يدرسون على حساب الميزانية الفيدرالية. ويزداد عدد الزمالات الدراسية التي تمنحها الدولة في إطار الحصص من عام إلى آخر.

وتتيح الجامعات المشتركة الروسية - الوطنية الحصول على التعليم بموجب معايير قريبة من المعايير الروسية. وتقوم العملية التعليمية في هذه الجامعات عادة على أساس المعايير التعليمية للدولتين المؤسستين لهذه الجامعات.

وقد افتتحت الجامعات المشتركة بفعل توقيع الاتفاقيات بين الحكومات في كل من قيرغيزيا ( الجامعة الروسية - القيرغيزية) وطاجيكستان (الجامعة الروسية - الطاجيكية) وأرمينيا ( الجامعة الروسية - الأرمنية). ويبلغ مجموع الطلاب في هذه الجامعات أكثر من سبعة آلاف طالب. علما بان افتتاح فروع للمعاهد العليا الروسية في أراضي بلدان رابطة الدول المستقلة لا يعتبر من الأمور السهلة، حيث ان القوانين المحلية متباينة. ومع ذلك يمكن اجتياز الحواجز، ففي سبتمبر 2001وقعت اتفاقية حول طريقة افتتاح وعمل فروع معاهد التعليم العالي في الدول الأطراف في الرابطة. ووقعت الاتفاقية كل من أرمينيا وبيلوروسيا وكازاخستان وقيرغيزيا ومولدافيا وروسيا وطاجيكستان. وأعدت وزارة التعليم الوثائق لافتتاح معهدين عاليين روسيين في قيرغيزيا،وثلاثة فروع في أرمينيا، وعشرة فروع في كازاخستان. وقد سجل إجمالا في بلدان رابطة الدول المستقلة وجمهوريات البلطيق 78فرعا للمعاهد العليا الروسية.

وتطور أساليب التعليم الخارجي في أراضي الاتحاد السوفيتي السابق كل من جامعة الاقتصاد والإحصاء والمعلومات بموسكو والجامعة الإنسانية الحديثة والجامعة السلافية.

ويعتقد الخبراء أن عدد الطلاب في هذه البلاد أو تلك من بلدان رابطة الدول المستقلة يتوقف على قرب نهجها السياسي من روسيا،فالجامعة الإنسانية الحديثة لم تجد العدد الكافي من الراغبين للالتحاق بها في جورجيا وتركمانستان، كما أن الإقبال ضعيف عليها في أوكرانيا. أما في بيلوروسيا وكازاخستان وأرمينيا فيحظى بالشعبية الحصول على التعليم باللغة الأم. ومنذ فترة قريبة أبدت لاتفيا الاهتمام بالتعليم الخارجي في روسيا.

ولكن ماذا عن واقع العلم والتعليم العالي بالنسبة لأبناء روسيا نفسها؟

حسب استطلاع أجرته "المدرسة العليا للاقتصاد" في موسكو، فان 30بالمائة فقط من الطلبة الروس يصبون لدخول المعاهد العليا من أجل الحصول على مهنة معينة. أما الباقون فيعتقدون أن التعليم العالي يتيح بحد ذاته اكتساب مكانة اجتماعية ويضمن وضعا ماديا أفضل،وذلك بغض النظر عن الاختصاص الذي يحصلون عليه. كذلك، أعلن نحو خمسة بالمائة من الذين استطلعت آراؤهم أن التعليم في المعاهد العليا يساعدهم في التخلص من الخدمة في الجيش.

وتفيد الإحصاءات بان أكثر من نصف الخريجين من المعاهد العليا لا يستطيعون إيجاد فرص عمل تتفق ومستوى تعليمهم. وحيث تعرض نحو 70بالمائة من المعاهد العليا برامج تعليم إضافية.

وتشير المعطيات إلى أن الشباب الروس اتجهوا مجددا للاهتمام بالعلوم الطبيعية، وأخذوا يقبلون أكثر على اختصاصات الرياضيات والكيمياء والفيزياء والبيولوجيا. ويعزى ذلك جزئيا إلى أن المتخصصين في هذه المجالات من الجيل الجديد مطلوبون في وطنهم الآن، بعد هجرة الأدمغة التي تعرضت لها البلاد في تسعينيات القرن الماضي.

وقد أعلنت تجنيد المتخصصين في الرياضيات شركات التأمين المتزايدة، وأقسام التحليل لدى البنوك، ومكاتب التصميم، وفروع التنبؤ في مراكز الإنتاج. ويزداد الطلب على الفيزيائيين في مجال الاتصالات اللاسلكية. ويطلب البيولوجيون في ميدان الهندسة الوراثية. ويقدر تقديرا عاليا اليوم المختصون في الكيمياء الحيوية والكيمياء الصناعية. ويتقاضى الخبراء الشباب في هذه المجالات في بداية عملهم ما بين 400و 500دولار، في حين أن متوسط الرواتب في البلاد لا يتجاوز 250دولارا.

وقد وضعت أطر قانونية تقضي بإشراك أصحاب العمل في تحديد احتياجات الدولة للمعاهد المهنية التقنية المتوسطة. ومن المنطقي أن يحصل الشخص في البداية على تخصص مطلوب في سوق العمل، بيد أن هذا السوق يتطور بصورة أنشط بكثير من سوق التعليم وإعداد الخبرات. وتتطلب عملية تكييف السوق الثانية للأولى سنوات عديدة، وربما عقودا.

ويوجد في روسيا نحو 1000مؤسسة تعليمية عالية حكومية وخاصة، ونحو 2000فرع لها. وبالرغم من أنه يتخرج منها سنويا 1ر 1مليون شخص (وهذا يفوق ثلاثة أضعاف عددهم إبان الاتحاد السوفيتي) فان روسيا لا تزال تفتقر إلى الكوادر المؤهلة.

ويزيد عدد المعاهد العليا في روسيا الآن خمس مرات عما كان عليه في الاتحاد السوفيتي. ومن غير الواضح أين تجد هذه المعاهد العدد المطلوب من الأساتذة الأكفاء، علما أن عددهم لم يزدد خلال السنوات ال 15الأخيرة.

وقد حمل رئيس جامعة موسكو فيكتور سادوفنيتشي "المعاهد العليا الخاصة التي تتكاثر في البلد" المسؤولية الرئيسية عن تردي جودة التعليم العالي، مشيرا إلى أن عملية نشوئها في التسعينيات انفلتت من عقالها، مما قوض إلى حد كبير القاعدة النظرية الراسخة التي كان يوفرها تقليديا نظام التعليم العالي في روسيا.

وقد تقرر في العام 2004أن تقوم الهيئة الفيدرالية لمراقبة التعليم والبحث العلمي بتفتيش شامل للمعاهد العليا غير الحكومية وفروع معاهد العاصمة في المناطق. وفي ضوء هذه العملية، يقوم الخبراء بدراسة واسعة لجودة التدريس ومدى نجاح الطلاب والحالة الصحية للمباني التعليمية والأقسام الداخلية، ويتم إغلاق المعاهد والجامعات التي لا تلتزم بالمعايير المطلوبة.

وقد جرى في العام نفسه سحب رخص العمل من 15معهدا في شمال روسيا وجنوبها، كما في سيبيريا والاورال، من بينها فروع لمعاهد وجامعات العاصمة.

وفي غضون ذلك، تستمر معاناة البلاد جراء نزيف الأدمغة،الذي داهمها منذ مطلع التسعينيات. وقد قارب العدد الإجمالي لهجرة الأدمغة 5ر 1مليون شخص. وفي بداية العقد الماضي حرمت روسيا من علماء كبار، وفي أواسطه حرمت من الشباب أيضا. وقد صدرت جامعة موسكو وحدها عشرة بالمائة من الأساتذة والمدرسين الذين رحلوا عن البلاد.

وسافر من روسيا إلى بلدان أوروبا والولايات المتحدة علماء الكيمياء والفيزياء والبيولوجيا والرياضيات والجيولوجيا وخبراء البرمجة وأساتذة الاتجاهات الواعدة في علم الطب.

ويجري في الخارج تقييم موهبة وكفاءة الخبراء في هذه المجالات بما يستحقونه، وبالأخص إذا كانوا من خريجي المعاهد المرموقة التي خبرها الزمن. وتخسر البلاد سنويا ما لا يقل عن ثلاثة مليارات دولار بسبب هذا النزيف الذي لا مقابل له.

والحقيقة ان الإنفاق على البحث العلمي في روسيا يزداد من عام إلى آخر، فمنذ العام 2000ازدادت نسبته في الميزانية الاتحادية بأكثر من الضعفين، كما ارتفع الإنفاق على التعليم أكثر من ثلاث مرات. بيد أن هناك حقيقة جلية، وهي أن رواتب العلماء ما زالت غير قادرة على تحقيق طموحاتهم المعيشية.

كذلك، من الصعوبة بمكان تسجيل براءات الاختراعات والحصول على مكافأة نقدية "تعادل قيمتها"، فالقوانين الروسية التي تنظم الملكية الفكرية ما برحت ضعيفة الصياغة. ويعتقد الأكاديمي جوريس الفيوروف الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء (2002) بأن "المهمة الرئيسية لغرض صيانة قدرتنا العلمية هي توفير الحاجة إلى نتائجنا العلمية". وطبقا لمعطيات الحكومة، فإن خمسة بالمائة فقط من المؤسسات تطبق منجزات العلم في الإنتاج.

وفيما يشبه التحدي، اتجه الروس اليوم لوضع ثقلهم للنهوض بالواقع العلمي والتعليمي حفاظا على مكانة البلاد. وجاء في وثيقة عنوانها "الاتجاهات الأساسية لعمل الحكومة حتى عام 2008"، وقعها رئيس الوزراء الروسي في أغسطس 2003، أنه ينبغي تركيز الاهتمام في المدى المتوسط على الاتجاهات الهامة من تطور قطاع التكنولوجيات العالية مثل المجمع الصناعي الحربي وقطاعات الطاقة النووية والطيران والفضاء والاتصالات السلكية واللاسلكية والصيدلة والبيوتكنولوجيا.

وعلى الرغم من كل معاناتها، ظلت روسيا حاضرة في ميادين العلم على الصعيد الدولي، وبدأ الاتحاد الأوروبي بالاستعانة بالعلماء الروس في نوفمبر من العام 2002عندما تم تدشين البرنامج السادس لتطوير العلم في أوروبا في الفترة من 2002إلى 2006وهو البرنامج الذي يهدف إلى إنشاء مجال علمي أوروبي موحد. ووجد البعض في هذا البرنامج رؤية لمستقبل العلم في أوروبا تتوخى الارتقاء بنوعية البحث العلمي في القارة ورفع قدرته التنافسية عبر التعاون والتنسيق المشترك.

وتزود روسيا الاتحاد الأوروبي بالنانو تكنولوجيا (النانو جزء من ألف مليون) والبيو تكنولوجيا، وتكنولوجيا الحاسوب. وتشغل روسيا مركز الصدارة في هذه المجالات، فتكنولوجيا النانو ليزر، مثلا، وهي تكنولوجيا فريدة، من إنتاج فريق العلماء الذي يقوده جوريس الفيوروف من مدينة سانت بطرسبورغ. أما بالنسبة إلى برمجيات الكمبيوتر الروسية فهي قد تتيح لروسيا في وقت قريب احتلال المركز الثالث في سوق العالم للبرمجيات بعد الهند والصين - كما تقول مجلة "بيزنس ويك" الأمريكية.