لا يكاد باحث أو مؤرخ يتناول تاريخ المملكة العربية السعودية في فترتها المبكرة في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجري إلا ويرجع في الغالب إلى ما دوّنه الدكتور منير العجلاني - متعه الله بالصحة والعافية - في عدة أجزاء عن تاريخ البلادالعربية السعودية. ففي تلك المؤلفات الكثير من المعلومات والتحليل التاريخي المستند إلى الأدلة والآراء التي يحتاج اليها الباحثون عموماً في تاريخ الدولة السعودية. ومنير العجلاني سياسي وباحث متمرس ولد في دمشق ودرس الحقوق وعمل في مجال المحاماة والصحافة. ومن أعماله السياسية المعروفة توليه وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة المعارف ووزارة العدل في سوريا. وانتقل الى المملكة العربية السعودية بعد التضييق عليه من قبل الفرنسيين باعتبارها الملجأ الوحيد للمناضلين العرب والمطالبين بالاستقلال وهو ما حدث لكثير من أولئك العرب الذين وجدوا في المملكة الملاذ الحقيقي منذ أيام الملك عبدالعزيز - رحمه الله. وعندما قدم منير العجلاني إلى المملكة اتجه إلى العمل الثقافي والتاريخي وأسس المجلة العربية بتوجيه ومساندة خاصة من معالي الشيخ حسن بن عبدالله آل الشيخ - رحمه الله -. كما كان لمنير العجلاني جهود مشكورة أثناء عمله بدارة الملك عبدالعزيز مستشارا علميا بها حيث أسهم في دعم الجوانب العلمية بها مع مجموعة أخرى من المتخصصين. والكتب التي ألفها الدكتور منير العجلاني عن تاريخ المملكة العربية السعودية والمعروفة بأجزائها الخمسة تعكس أسلوبا خاصا انتهجه مؤلفها باستخدام الحس التاريخي والسياسي وتجربته القانونية. فلقد رجع العجلاني إلى كثير من المصادر التي تعد جديدة لأنها صدرت بلغات أجنبية، وإلى كثير من الوثائق التاريخية التي ظهرت لأول مرة. ولأن خلفية العجلاني قانونية من حيث التحصيل العلمي فلقد تجاوزمنهج المؤرخ القائم على التحقق من المصدر ليكون أكثر شدة وصرامة في فحص الأدلة والمصادر وإخضاعها لأسئلة حقيقية وجوانب تحليلية مفيدة. وهذا ما أعطى مؤلفات الدكتور العجلاني ميزتها الخاصة بها من حيث إيراد أشياء جديدة وبحث تساؤلات مهمة حاول الإجابة عليها قدر الإمكان وترك البعض الآخر للباحثين لاستكمال مسيرة البحث التاريخي بشأنها.

ومن ميزات منهج الدكتور العجلاني في مؤلفاته الخمسة عن تاريخ البلادالسعودية رصده للمصادر والإشارة إلى بعض المنتخبات منها تاركا للباحثين والباحثات في المستقبل العودة إليها والإفادة منها. والذي يحمد للعجلاني أيضاً هو تقصيه الشديد للمصادر في شتى اللغات والعمل على ابرازها في كتبه بعدترجمة أبرز ما فيها حسب رأيه. ولقد قال الشيخ عبدالله بن خميس عندما صدر الجزء الأول من كتاب تاريخ البلاد العربية السعودية: وهذا الجزء من مؤلفه عن بلادنا برهن عن موهبة وأسفر عن قدرة وعبر عن جهد لا تتوفر إلا لمثل الدكتور العجلاني فلقد ألمّ أو كاد بما ألّف عن هذه البلاد قديما وحديثا مترجما إلى العربية أو غير مترجم وارتاد المكتبات في أوروبا والشرق ونقب وبحث واستقصى. وجاءت شهادة الشيخ ابن خميس هذه مقرونة بملاحظات ورؤى عن بعض محتويات مؤلفات الدكتور العجلاني عن تاريخ البلاد العربية السعودية التي هي مفيدة ايضا للباحثين.

ومن مميزات منهج الدكتور العجلاني في كتبه تلك اختياره شخصيات قيادية في تاريخ الدولة السعودية الأولى والدولة السعودية الثانية لموضوعات تلك الكتب ورصد سيرتهم الذاتية وتاريخ البلاد في عهودهم مما أضفى على تلك الكتب جانبا مهما يتمثل في التركيز الموضوعي.

وجهود الدكتور منير العجلاني هذه وغيرها في توثيق تاريخ المملكة العربية السعودية تعد مهمة وثمينة لأنها نتجت عن مراحل طويلة من العمل الدؤوب وامتزجت بتجاربه المتعددة في القانون والسياسة والثقافة ومواهبه العلمية المختلفة والمتميزة. وهذه الجهود لابد أن تذكر فتشكر لفائدتها الكبيرة ومعطياتها المستقبلية للباحثين والباحثات. ولقد عمدت الدارة منذ فترة إلى رصد تلك المصادر والوثائق التي اوردها العجلاني في كتبه والعمل علي تصويرها كاملة، كما عمدت إلى ترجمة المصادر الأخرى المنشورة بلغات أخرى لتكون أيضاًمتاحة باللغة العربية ومن أبرز تلك المصادر كتاب فليكس منجان عن حملة محمدعلي باشا على الدولة السعودية الأولى الذي قامت الدارة بترجمته من اللغة الفرنسية الى اللغة العربية وهو قيد الاعداد للنشر حالياً مع مؤلفات أخرى أوردها الدكتور العجلاني.

وإلى جانب الوفاء للدكتور العجلاني الذي ظهرت اسهاماته العلمية في مجال توثيق تاريخ بلادنا، فإننا مطالبون بتقديم الشكر والامتنان له على تلك الجهود المميزة والإشادة بأعماله التي فتحت لكثير من الباحثين آفاقا عديدة. كما أننا جميعا باحثون ومهتمون بتاريخ المملكة العربية السعودية مطالبون بالاستمرار فيما بدأه الدكتور العجلاني من حيث الاستقصاء والبحث والتعمق في دراسة المصادر ومناقشتها. فالمدرسة التاريخية السعودية تقدمت بفضل الله تعالى ثم جهود الجميع من باحثين وباحثات ودعم صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبدالعزيزللباحثين وجهودهم الفردية وللمؤسسات العلمية المهتمة بتاريخ البلاد وفي مقدمتها دارة الملك عبدالعزيز. فلقد دأب سموه الكريم على تشجيع اي محاولة جادة في مجال البحث التاريخي السعودي وتقديم العون لها بالرأي وغيره وتذليل اي صعوبات تعوقها. وفي هذا الإطار نتطلع جميعا الى مزيد من الإنجازفي الدراسات التاريخية السعودية المعتمدة على تنوع في المصادر وعمق التحليل وإجابة لتساؤلات تاريخية مهمة تهدف إلى توثيق تاريخ البلاد وتعزيز وحدته ومكانته.

وللدكتور العجلاني الشكر والتقدير على ما أسهم به وما قدمه من جهد سيبقى في ذاكرة الوطن، وللدكتور العجلاني الامتنان على ما أتاحه بجهوده من معلومات تزداد أهميتها يوما بعد يوم عندما يظهر من يقوم بدراستها والبحث فيها.

والله الموفق.