الخميس 18 صفر 1433 هـ - 12 يناير 2012م - العدد 15907

خطوات من أجل البناء

عبد الله عبد الكريم السعدون

    لم يتحدث الملك عبد الله من فراغ حين قال في خطابه التاريخي أمام قادة مجلس التعاون "لننتقل من التعاون إلى الاتحاد"، ففي التاريخ شواهد كثيرة على أن الاتحاد يعد من أهم أسباب القوة فهو الذي يحمي بعد الله ويعزز المصادر ويحسن استثمارها، ويؤمن للدول العمق الإستراتيجي، ومتانة وقوة اقتصادها.

وقد حبا الله دول مجلس التعاون ميزات كثيرة منها توفر الطاقة التي يحتاجها العالم لعقود قادمة طويلة، ولتمتعها بموقع جغرافي متميز يتوسط قارات العالم وعلى أهم ممراته المائية.

الاقتصاد هو عصب كل دولة وهو المحرك والداعم لكل نشاط وهو أساس استقرار ورفاهية الدول، ولا يمكن أن تعتمد دول مجلس التعاون على مصدر واحد ناضب، ولا يمكن ان تواجه دول المجلس متطلبات المرحلة القادمة إلا مجتمعة ومتكاملة

قدرها أن تكون محط أنظار الدول الكبرى وفي منطقة مضطربة، ففي الشرق إيران التي انشغلت بتصدير الثورة وامتلاك الاسلحة على حساب رفاهية شعبها ومحاربة الفقر والبطالة، مما يعني عدم استقرارها وما قد تجلبه من مخاطر للمنطقة، وفي الشمال تعاني العراق من تحديات لا مثيل لها، كالطائفية والفساد والبطالة والتدخلات الخارجية، وفي الشمال سوريا التي تتجه إلى نفق مظلم لا يعلم متى تشرق أنواره إلا الله وفي الجنوب مأساة كبيرة هي اليمن وما يعانيه من مصائب كثيرة صنعها الفساد والجهل حتى أصابت الشعب بتحديات كثيرة وكبيرة منها الفقر والبطالة والفراغ والتفرقة مع توفر الأسلحة والبيئة والتضاريس الملائمة، كل هذه العوامل جعلت حكيم العرب وقائدهم الملك عبد الله يطلق نداءه التاريخي الذي سيؤيده الكثير من أبناء الخليج العربي وسيعارضه البعض كأي موضوع يطرح على الرأي العام، لكن المخاطر لا تحتمل التأجيل وأعتقد أن من أهم خطوات الاتحاد ما يأتي:

1. عسكرياً لا يوجد دولة في العالم تواجه مثل هذا التهديد الذي تواجهه دول مجلس التعاون وتستطيع أن تتصدى له كل دولة من دوله على حدة، بل ان دولا كبيرة وغنية في أوروبا مثلا لا تستطيع أن تؤمن ما تحتاجه من سلاح بصفة منفردة، إلا على حساب رفاهية شعبها واقتصادها، لذا تلجأ الدول إلى العمل مجتمعة لتصنيع وشراء الطائرات وما تحتاجه من أسلحة وتقوم ببناء ميادين الرماية المشتركة لتقليل التكاليف ولتوحيد الإجراءات وتنسيق وتكامل الاتصالات في وقت السلم حتى تعمل بشكل جيد وآمن في وقت الحرب، ويجب ان تعلم كل دولة تفكر في الاعتداء على أي شبر من أرض دول مجلس التعاون أن الرد سيكون جماعياً ومنسقاً وسريعاً وحاسماً، يجب أن تنتقل دول مجلس التعاون من شراء السلاح إلى تصنيعه ومن التنافس إلى التكامل ومن التمارين الثنائية إلى التدريبات الجماعية الجادة المبنية على أخطار وتهديدات حقيقية سواء على جنوب المملكة أو في شمال الكويت أو على سواحل البحرين أو جزر الإمارات أو في مضيق هرمز.

2. الاقتصاد هو عصب كل دولة وهو المحرك والداعم لكل نشاط وهو أساس استقرار ورفاهية الدول، ولا يمكن أن تعتمد دول مجلس التعاون على مصدر واحد ناضب، ولا يمكن ان تواجه دول المجلس متطلبات المرحلة القادمة إلا مجتمعة ومتكاملة وبتسهيلات كثيرة، لا بد من تسريع بناء المشاريع المشتركة واختصار مدة دراستها وتنفيذها، وفتح الحدود ليتمكن الاقتصاد من التحرك بحرية أكثر، لا يمكن ان تبقى الشاحنات لأيام على المنافذ البرية، قد يكون في كل ذلك بعض السلبيات لكن يجب أن تذلل المصاعب إذا كانت المكاسب أكثر.

3. في السياسة الخارجية يجب أن يكون التكامل والتشاور بشكل أفضل، فالتهديدات كبيرة ومتعددة ولا تسمح بالعمل لكل دولة منفردة، وكثير من الدول ذات المصالح تفضل أن تتعامل مع كل دولة من دول مجلس التعاون على حدة، لكن العمل الجماعي المدروس أثبت أنه الأفضل والأكثر أمناً، لا بد من وضع أهداف وطنية بعيدة المدى تكون في خدمة سياسة وأمن دول مجلس التعاون وقوتها.

4. الاتحاد لا يعني ان تنصهر كل دول المجلس في دولة واحدة، فلكل دولة سياستها الداخلية ونظامها الذي يناسبها، وحتى في دولة واحدة كالولايات المتحدة الأمريكية نجد الاختلاف من ولاية لأخرى، ولدى كل ولاية اهتمامات مختلفة، فبعضها يهتم بالصناعة وبعضها بالسياحة وأخرى تفخر بجامعاتها المشهورة أو مستشفياتها ومنتجعاتها الصحية، وهذا التنوع يجعل بعضها يكمل بعضاً مع تنافس نحو الأفضل في التعليم وتطبيق النظام ونظافة البيئة ومحاربة الفساد بشقيه الإداري والمالي.

لم تنطلق دعوة خادم الحرمين الملك عبد الله من فراغ، لكنه بعد النظر واستشعار المخاطر المحيطة بالمنطقة وبسبب عظم المسؤولية الملقاة على كاهل قادة دول مجلس التعاون وما تنتظره الدول المجاورة من عون لمساعدتها على تخطي العقبات الكبيرة التي عصفت بها.

المرجو من اللجان المشكلة ألا تستغرق الدراسة سنوات، فقد يستغرق التطبيق وقتاً اكثر أما المخاطر فلا تنتظر، إنها دعوة من قائد مخلص صاحب نظرة بعيدة ثاقبة فهل تستثمر؟