• انت الآن تتصفح عدد نشر قبل 116 أيام

وفاء شعب

عبدالله عبدالكريم السعدون

    بقدر الحزن الذي غلّف أيام الحداد الماضية، فقد رأينا الفرحة العارمة بتعيين صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز ولياً للعهد وساعداً أيمن لخادم الحرمين الشريفين، وهو رجل المهمات الصعبة والمسؤوليات الجسيمة

شعب وفيّ، حزنه كبير بحجم المصاب وفرحه كبير أيضاً بحجم مساحة الوطن، تحدث الكثير من المثقفين ورجال الإعلام عن الأمير سلطان عليه رحمة الله، عن مآثره وصفاته، عن مشاريع الخير التي أسسها ورعاها حتى أصبحت سمة بارزة في تاريخ المملكة الحديث، تحدثوا عن عنايته بالعلم ورعايته للعلماء ودعمه لمراكز الأبحاث، والمناصب الكثيرة التي تقلدها منذ صغره، وترؤسه الكثير من اللجان والمؤسسات والهيئات يزيد عددها على الستين في زمن واحد، ومشاركته مع إخوانه في قيادة أكبر تحديث مرّ على المملكة منذ عهد والده الملك عبدالعزيز عليهم جميعاً رحمة الله. ورغم الإيمان الراسخ والمعرفة المسبقة بمصير كل إنسان، ورغم شدة وطأة المرض على الفقيد رحمه الله، فقد كان الحزن والرثاء أكبر مما يتصوره أي إنسان، كان الحزن كبيراً بحجم المصاب، وكان مهيباً بهيبة الفقيد يوم كان حياً يطوف أرجاء المملكة من شمالها لجنوبها ومن شرقها لغربها، مفتتحاً مشروع خير هنا، ومصنع رجال هناك.

أتذكّر جيداً حين كنا ننتظر مجيئه في كل عيد حاملاً معه سلام وتحيات إخوته الملوك، كان يحرص رحمه الله على زيارة ومقابلة أكبر عدد ممكن من العسكريين في أماكن عملهم، يشد على أيديهم ويرفع روحهم المعنوية بكلماته البليغة وابتسامته التي لا تفارق محياه.

الأيام الماضية لم تثبت مكانة الفقيد ومآثره فقط، بل أثبتت مدى تلاحم هذا الشعب وحبه لقيادته ورجاله المخلصين من أمثال سلطان بن عبدالعزيز عليه رحمة الله، ولا أجد تفسيرا لهذا الكم الهائل من الحب سوى الآتي:

1- المنزلة الكبيرة والأعمال الجليلة التي قام بها الفقيد، ما جعل الكل يرى المصاب مصابه هو وليس غيره، فالكبير يرى أنه فقد أخاً يلجأ إليه وقت الحاجة والشدة، والصغير يرى أنه فقد أباً حنوناً يمسح دمعته ويواسي حزنه، والمريض يرى فيه أملاً بعد الله للوصول إلى أفضل أماكن العلاج في داخل المملكة وخارجها، ولذا فقد كان المصاب عاماً لجميع شرائح المجتمع.

2- شعب المملكة شعب وفيّ لكل المخلصين من قادته وأبنائه وفي مقدمتهم الملوك والأمراء والقادة، وقد رأينا ذلك عند وفاة الوزير غازي القصيبي يرحمه الله وكيف تحول الجميع إلى معزين، وكيف صار المصاب مصاب الجميع، لأنهم رأوا فيه يرحمه الله رجلا مخلصاً وابناً باراً خدم المملكة في أكثر من موقع، وها هو الشعب الوفي يلتفّ حول قيادته، ويبكي الأمير الراحل كما يبكي أعز أبنائه وأقربائه، لقد كان منظراً مؤثراً ليلة وصول جثمان الفقيد عليه رحمة الله ويوم الصلاة عليه ودفنه، والزحام الشديد في أيام العزاء.

3- يذهب الإنسان ولا يبقى سوى عمله وذكره الطيب وقد حظي الأمير سلطان رحمه الله بوداع يليق به وبما قدم من أعمال، وصعدت ملايين الدعوات من أفواه النساء والرجال والأطفال تبتهل إلى الله أن يتقبله ويسكنه فسيح جناته، ومن متابعتي للمواقع في الشبكة العنكبوتية فقد قرأت الكم الهائل من الدعاء للأمير بالمغفرة، والناس شهود الله في أرضه وقد شهدوا للفقيد بما رأوا وما سمعوا.

4- كان سلطان بن عبدالعزيز رحمه الله مدرسة في القيادة وقدوة في العمل الجاد المصحوب بالعطف واللين، وقدوة في البذل والعطاء، وقدوة في القيادة الحكيمة التي جعلت الانجاز في سلّم أولوياته، لذا فآثاره ستظل باقية في هذه البلاد الطيبة، والأمل بعد الله في إخوته الأوفياء وأبنائه البررة لتبقى كل مؤسسة خيرية أنشأها وكل حسنة سنّها مستمرة وفي نمو دائم ينتفع بها المحتاج والمريض، ويُدعى له إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

5- يجب أن يكون هذا الوداع وهذا الحب الجارف دافعاً لمزيد من العطاء لهذا الشعب الوفي الذي أثبت يوماً بعد يوم أنه من أفضل شعوب الأرض حباً لمليكه ولولي عهده وللأسرة المالكة وللمخلصين من أبنائه، وأنه يتحد في وقت الشدائد والأزمات مهما ظن الآخرون أنه من السهولة اختراق هذه الوحدة، لقد أثبت جميع أبناء الوطن من الشمال والجنوب والشرق والغرب أنه في مجال حب الوطن وحب هذا الكيان هو شعب واحد متماسك ومتحد. كيف لا والفقيد يرحمه الله لم يفرّق بين منطقة وأخرى حين وضع حجر الأساس للمدن العسكرية والقواعد الجوية والكليات والمدارس.

6- وبقدر الحزن الذي غلّف أيام الحداد الماضية، فقد رأينا الفرحة العارمة بتعيين صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز ولياً للعهد وساعداً أيمن لخادم الحرمين الشريفين، وهو رجل المهمات الصعبة والمسؤوليات الجسيمة منذ أكثر من خمسين عاما، وقد كان قراراً حكيماً من خادم الحرمين الشريفين أثبت من خلاله أن الأمور تسير من حسن إلى أحسن وأن المرحلة القادمة سترى الكثير من التطوير والإنجاز والرخاء بإذن الله.

شعب مخلص وفيّ وكيان راسخ صلب، إذا غاب قائد تولى الراية من بعده قائد آخر بكل سلاسة واحتراف


حفظ طباعة تكبيير
قيّم هذا الموضوع
 

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الرياض" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر، وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى الضغط على زر "التنبيه" أسفل كل تعليق

عدد التعليقات : 1
(جديد) ترتيب التعليقات : الأحدث أولا , الأقدم أولا , حسب التقييم
عفواً ترتيب التعليقات متاح للأعضاء فقط...
سجل معنا بالضغط هنا
  • 1

    كلام 100% صحيح من جميع الجوانب. كثر الله من امثالك. وحفظ الله لنا هذه الاسرة المالكة الصالحة والشعب الوفي دوما.

    الماركه (زائر)

    UP 0 DOWN

    08:06 مساءً 2011/10/30




التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له

 

إعلانات



الخيارات

للتواصل ارسل SMS إلى الرقم 88522 تبدأ بالرمز (293) ثم الرسالة

إعلانات