• انت الآن تتصفح عدد نشر قبل 203 أيام

التقنية والسبيل إلى امتلاكها

عبدالله عبدالكريم السعدون

    يجتهد البدويّ لتربية ماشيته، والفلاح لزراعة ورعاية أشجاره، وفي نهاية العام يبيعان ما ينتجان بمبلغ لا يتجاوز تكلفة العمالة والرعاية ورأس المال، بينما تقوم شركة مثل نوكيا أو أبل ببيع جهاز لا يتجاوز حجم الكف بضعف مبلغ ما باع به البدوي شاته، أو بما باع به الفلاح محصول نخلته، شركات التقنية تنتج الملايين من الأجهزة كل عام، وحالما تصل هذه الأجهزة إلى الأسواق تبدأ خطوط الإنتاج بالدفع بالجيل الجديد من الأجهزة الجديدة المطورة، وفي نفس الوقت تدفع مراكز الأبحاث بنتاج عقولها لخطوط الإنتاج، أما الجامعات فترعى وتهيئ العقول لتدفع بها إلى تلك المصانع والمراكز، سباق محموم تقوده العقول المخلصة النيرة، والقادة الناجحون.

هذه الأفكار والمقارنات تحاصرني وأنا أقرأ في كتاب "أجنحة من نار" للمهندس زين العابدين أبوالكلام الرئيس الهندي والأب الروحي لمشروع الصواريخ في الهند، ورغم أن الكتاب هو أقرب إلى السيرة الذاتية منه إلى الكتب العلمية، إلا أنه يختصر رحلة دولة كالهند لاكتساب تقنية متقدمة جداً، تحاط بالسرّية، هي تقنية الصواريخ بأنواعها، ومع أن الكتاب يحكي خبرة الكاتب وتجربته في عالم الصواريخ إلا أن ما فيه من خطوات ودروس تصلح لكل من أراد امتلاك التقنية، سواء في الأبحاث العسكرية أو في تحلية المياه أو في مجال الطاقة بأنواعها، ولو كان لي من الأمر شيء لجعلت هذا الكتاب متاحاً لكل باحث ومطور ومهندس وطالب دراسات عليا.

لا نجاح إلا بتعليم أبنائنا كيف يعملون بروح الفريق، وكيف يتعاونون لتحقيق الأهداف الكبيرة، وكيف يقدسون العمل ويحتسبونه عبادة، وهذا يبدأ مع التعليم في رياض الأطفال وفي المدارس الابتدائية

ومن الصعوبة أن تختزل ما في الكتاب في مقال أو مقالين لكن من أهم ما ركز عليه الكاتب في عالم التقنية ما يأتي:

1- الأمم ذات العظمة التكنولوجية فقط هي التي تتمتع بالسيادة والاستقلال، وأن التكنولوجيا تحترم التكنولوجيا فقط، وبخلاف العلوم فهي عملية جماعية، لا تتطور بذكاء فردي، ولكن بتفاعل الأفكار والتأثير الدائم لعمل الفريق، وقد بدأ البرنامج بأسرة قوية تتكون من 78 عضواً، هي التي بدأت بإنشاء نظام الصواريخ. وفي إحدى المراحل كان هناك ثمانية وسبعون مركزاً للتكنولوجيا، ومراكز الإنتاج والجمعيات المتخصصة،وكانت مكونات الصواريخ تصنع في أكثر من مدينة.

2- الأبحاث والتطوير والتصنيع إرادة سياسية وتوجُّه دولة وليس أفرادا أو مؤسسات فقط، وذلك لما تحتاجه من جهود مادية ومالية، وقد تحدث أبو الكلام عن جهود الحكومة الهندية ودعمها، وكيف تم تذليل الصعاب، وكم مرة زارتهم رئيسة الوزراء أنديرا غاندي التي اتخذت قراراً استراتيجياً بكسر التخلف التكنولوجي، والتخلص من الخضوع للبلدان الصناعية. أما وزير الدفاع فكان يتابع مراحل العمل بكل همة ونشاط، كما تم تذليل المصاعب البيروقراطية وخصوصاً ما له علاقة بصرف الأموال وتوظيف المهندسين الجدد ومرونة ذلك، وقد أثر هذا الدعم على معنويات العاملين وزاد من تماسكهم.

ولولا دعم الحكومة لتوقف المشروع بعد الفشل في إطلاق أول صاروخ، حيث كثر المثبطون والشامتون، وحين فرضت جميع الدول المتقدمة حظراً على التكنولوجيا ذات الصلة بتطوير الصواريخ الموجهة بعد النجاح في إطلاق أول صاروخ هندي، لكن الجهود الذاتية وإرادة البناء استمرتا بوتيرة أسرع.

3- من أهم مقومات نجاح أي مشروع أو مؤسسة هم قادته، فهم القدوة وهم المحفزون أو المثبطون، يقول أبوالكلام:"إن اختيار القادة بالنسبة لي أصعب من إنتاج الصواريخ، ما اضطرني إلى عزلة تجنبني عاطفة الصداقة وتجعلني أختار القادة على أسس علمية وأنا مرتاح الضمير، حاولت أن أتجنب من يكون متشدداً في وضع الضوابط والقواعد وكأنها عقائد دينية، بحثت عن الذين يتحركون بحريّة ومرونة بعيداً عن البيروقراطية، ويفوضون العمل بسهولة، ويمنحون أتباعهم حرية الحركة. كنت أبحث عن من يتمتع بالقدرة على التطوير والمثابرة والبحث عن جميع الخيارات الممكنة، القائد العظيم هو المحب لفريقه، الأمين على المال، والمثابر على عمله، وهذا هو ما كنت أبحث عنه".

4- التعاون وروح الفريق، يقول المهندس أبو الكلام:"زملائي وشركائي هم أبطال المسرحية التي عشتها، حبُّنا للهند وتخطيطنا للمستقبل جعلنا نسير في طريق واحد رغم الاختلافات العرقية والطبقية والدينية، فهذه لم يكن لها بيننا مكان"، كان هناك اختلافات كثيرة ومصالح شخصية، لكن الهدف الكبير يغطي ما عداه من الأهداف، وحين سأله وزير الدفاع الهندي: ماذا تتمنى بعد نجاح إطلاق الصاروخ؟ أجبته:" نحتاج لمئة ألف شاب نزرعهم في مراكز الأبحاث". ويقول في موقع آخر:" حتى الفشل يزيدنا قوة وتماسكاً وإصراراً على النجاح" كان هناك من يتضجر من عمل أربعين ساعة في الأسبوع، لكن كان هناك من يستمتع بعمل سبعين وثمانين، بل ومئة ساعة في الأسبوع أحياناً"، التفاني التام هو الميزة الرئيسية للذين يريدون الوصول إلى ذروة مهنتهم، ولو تتبعت سير الناجحين حولنا كالشيخ سليمان الراجحي على سبيل المثال لوجدت أن التفاني والعمل الجاد هما السمة المشتركة بين الناجحين.

ما قاله أبو الكلام يذكّرني بما قاله الدكتور زويل الحاصل على جائزة نوبل في محاضرة له في جامعة اليمامة قبل سنوات يقول زويل:"الأبحاث والتطوير عمل جماعي وحين حصلت على جائزة نوبل كان هناك مئتا شخص يساعدونني"

لا نجاح إلا بتعليم أبنائنا كيف يعملون بروح الفريق، وكيف يتعاونون لتحقيق الأهداف الكبيرة، وكيف يقدسون العمل ويحتسبونه عبادة، وهذا يبدأ مع التعليم في رياض الأطفال وفي المدارس الابتدائية، الأنانية والجهل وحب المال والجاه، موجودة في الإنسان في كل زمان ومكان، لكن التعليم الجيد وزرع القيم التي تقدر العمل بشكل جماعي هو ما تحرص عليه الدول التي تريد أن تحجز مكانها اللائق بين الأمم..


حفظ طباعة تكبيير
قيّم هذا الموضوع
 

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الرياض" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر، وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى الضغط على زر "التنبيه" أسفل كل تعليق

عدد التعليقات : 7
(جديد) ترتيب التعليقات : الأحدث أولا , الأقدم أولا , حسب التقييم
عفواً ترتيب التعليقات متاح للأعضاء فقط...
سجل معنا بالضغط هنا
  • 1

    استشهادك عزيزي الكاتب بدولة مثل الهند استشهاد في غير مكانه.. لان الهند تعتبر دولة ضعيفة في مجال الصناعة مقارنه بجيرانها مثل روسيا والصين فما بالك بدول ابعد جغرافيا وابعد تقنياً مثل امريكا وبعض دول اوروبا.. الهند دولة تعاني من مظاهر التخلف التي يخترقها مظاهر تطور ثم مظاهر تخلف ثم مظاهر تطور.. في الهند يصنعون الدواء ويصابون بالأوبئة الفتاكة.. يصدرون الغذاء وعندهم من يموت من الجوع!! الهند دولة لايمكن الاستشهاد بها صناعياً ولكن يمكن الاستشهاد بها سكانياً وبقوة!!

  • 2

    النجاح يبدا من المناهج التعليمية نوعية المادة فائدتها نتيجتها امكانات الحصول على المعامل والبحوث وتطبيقها التخصص حب المادة تبادل الخبرات والتطوير ان المناهج اليوم معبر لوظيفة ثم زواج وفتح بيت ودورة حياة مثال لدينا الجبال بها الرخام والمعادن
    ماذا لو فتحنا مدارس كل المواد عن هذة الجبال واستخراج وقطع
    واسمنت وذهب وتكسير وجير ورصف لماذا ندرسها فى الجامعة
    فقط الا يمكن من الاساس

  • 3

    كل ميسر لما خلق لة سالت احد الافارقة اتعرف التقنية فقال التهنية قلت نعم الطحنية البيئة الامكانات يوم ان اراد مدحة قال انت كالكلب فى وفائك وكالتيس فى قرع الخطوب ولما جاور النعيم قال عيون المها بين الرصافة والجسر جلبن الهوى من حيث
    ادرى ولا ادرى درسنا دورة حياتنااكمال دراسة ثم وظيفة وزواج وحج وللحشرة بيضة ثم يرقة وشرنقة وحشرة كاملة نهوى امريكا
    تنتقى العقول تطورها ونرفع انوفنا على بلادنا لهم التقنية ولنا التهنئة

  • 4

    ياليت قومي يعلمون..وياليت مسؤولي التعليم يعملون..

    أسماء الهاشم (زائر)

    UP -2 DOWN

    02:28 مساءً 2011/08/04

  • 5

    نادر أجد هندي يشعر يتذمر من نظامه السياسي، ذلك من حسنات الديمقراطية الهندية. إمتلاك التقنية رغبة بداية، وقدرة بعد ذلك..الثقافة الهندية متعددة المشارب ومتصارعة الى حد ما؛ ومع ذلك استطاعت ان تجد طريقا للتقنية أوصلتها الى العالم المتحضر.

    سي عبيد (زائر)

    UP 0 DOWN

    07:30 مساءً 2011/08/04

  • 6

    احسنت ايها المبدع وهذا امتداد للموضوع السابق اجنحة من نار

    عبدالرحمن السليم (زائر)

    UP 0 DOWN

    01:18 صباحاً 2011/08/05

  • 7

    واتمنى ان تحصل كل جهة بحثية على نسخة من كتاب ابو الكلام [ أجنحة من نار ] , واخص منها مركز الابحاث في وزارة الدفاع ,و مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية, وجامعاتنا , ليقارنوا جهودهم بجهود المخلصين لبلادهم مثل ابو الكلام , وليتهم ايضا يطلعون على سيرة توطين الصين للتقنية واستفادتها من خبرة الآخرين.

    صالح الساوم (زائر)

    UP 0 DOWN

    02:15 صباحاً 2011/08/05




التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له

 

إعلانات



الخيارات

للتواصل ارسل SMS إلى الرقم 88522 تبدأ بالرمز (293) ثم الرسالة

إعلانات