لا أعتقد أن هناك عملاً أفضل وأنبل من العمل مع الطلبة معلماً أو أستاذاً أو مدير مدرسة أو جامعة، بل إن كثيراً من قادة الدول المتقدمة يعودون للعمل في المدارس والجامعات كمعلمين وأساتذة، فهم من أفضل عقول المجتمع وأنضجها، والأكثر تأهيلاً وتاثيراً في تقدم الأمم.
أعتقد أن الدولة لم تقصر في الصرف بسخاء على التعليم سواء في تخصيص المبالغ الطائلة أو بإرسال ألمع عقول المجتمع إلى أفضل جامعات الدول المتقدمة، لكن الجهد الكبير يقع على عاتق العنصر البشري الذي يبدأ بمدير الجامعة وينتهي بالطالب
قابلتُ قبل أسابيع مدير الجامعة الأردنية الأمريكية والفضل في ذلك لزميلنا معالي الدكتور سعيد المليص، وهي جامعة أهلية غير ربحية وفي طور الإنشاء، وأشبه ما تكون بالجامعة الأمريكية في بيروت، قال مدير الجامعة: أنهينا حوالي تسعين في المئة من المنشآت، وقد صممناها لتكون صديقة للبيئة، ستكون محاطة بالأشجار، ولن تتمكن السيارات من الدخول بين المباني، بل سيكون التنقل مشياً أو بواسطة الدراجات الهوائية، أول المباني التي بدأنا بها هي الصالات الرياضية، لقد بنينا تسع صالات رياضية للطلبة والطالبات، اللياقة البدنية والرياضة والأنشطة الثقافية بشكل عام تعزز روح التعاون وعمل الفريق وتمتص العنف الذي يجتاح الكثير من الجامعات، ولذلك بدأنا في بنائها أولاً وجعلنا التدفئة والتكييف عن طريق حفر آبار يمرر بداخلها الماء لتأخذ المياه نفس حرارة البئر، وهي غير مكلفة وبطريقة مبتكرة، مع التركيز على العزل الجيد ، وإعادة تكرير المياه وتدوير النفايات، يقول ذلك المدير: تخرجت في الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1964 وكان حلمي أن أبني جامعة تماثلها في بلدي، وهاهو الحلم يتحول إلى حقيقة بفضل تكاتف الجهود الخيرة وعدم اليأس، لقد أكملنا تسعين بالمئة من البناء، وقريباً سيكون الافتتاح.
هذه المقابلة أثارت لدي الكثير من الأفكار والشجون والتساؤلات، من أهمها: كيف يستطيع إنسان أن يرسم هدفاَ ويسعى لتحقيقه؟ وكيف يستطيع أن يوظف وقته وجهده واتصالاته لبناء صرح مفيد كهذا؟ وكيف استجابت لجهود هذا المواطن الصالح الكثير من المنظمات الخيرية والدينية والمؤسسات المالية لتحقيق هدف سام؟ وهذا يؤكد تلك الحكمة التي تقول"إذا سعيت لعمل عظيم فلن تجد نفسك وحيداً، سيهبُّ الآخرون لمعاضدتك ودعمك"
أقول ذلك وأنا أرى هذا الكم الهائل من جهود الدولة المباركة لبناء الجامعات وكليات التقنية في معظم قرى ومدن المملكة، لكنني أتساءل؟ هل فكرنا في صحة البيئة وصحة الطلبة والطالبات عند تصميم جامعات وكليات المستقبل التي ستحتضن الأبناء والأحفاد؟ هل ستصبح هذه الجامعات منارات علم وتنوير وحب وتسامح أم ستكون امتداداَ لتاريخ طويل من الخلافات والتناقضات والبقاء في دول العالم الثالث الكئيب؟
أعتقد أن الدولة لم تقصر في الصرف بسخاء على التعليم سواء في تخصيص المبالغ الطائلة أو بإرسال ألمع عقول المجتمع إلى أفضل جامعات الدول المتقدمة، لكن الجهد الكبير يقع على عاتق العنصر البشري الذي يبدأ بمدير الجامعة وينتهي بالطالب، ولتساهم الجامعات بدورها في قطار التنمية، وأعتقد أن علينا القيام بالآتي:
1. مديرو الجامعات محظوظون حقاً، فقد أتوا في وقت توجهت فيه الدولة لدعم التعليم بشكل عام والتعليم العالي بشكل خاص، ومعظمهم إما مؤسس أو مجدد لمن قبله، ولديهم دعم غير محدود، لكن المال وحده لا يبني المؤسسات العظيمة، بل يبنيها القادة الذين لديهم رؤية بعيدة ورسالة سامية، وأهداف واضحة..
يقول الكاتب المبدع هاشم صالح:يقول العسكريون:"جميل أن تعتلي الهضبة لكن الأفضل معرفة أي هضبة تعتلي أولاً" مديرو الجامعات هم القادة والقدوة للأساتذة والطلبة، فالنشاط والإخلاص يسريان سريعاً من الأعلى إلى الأسفل والمثل يقول:"القطرات التي تبلل الرأس تصل سريعاً إلى القدمين، فالقائد المخلص يكثر حوله المخلصون، والرياضي يكثر حوله الرياضيون والكسول يكثر حوله الكسالى، والمحب للمديح تمتلئ جامعته بالمداحين. عليهم ألا يقنعوا بما تحقق فخريجو الجامعات لا يزالون دون المطلوب لسوق العمل، وخصوصاً من حيث قيم العمل، عليهم أن يعيدوا النظر في كل ما في الجامعة بصفة مستمرة بدءاً بالسنة التحضيرية وحتى النشاطات الثقافية والرياضية، على أن يكون مديرو الجامعات دائما في مقدمة كل نشاط. عليهم أن يبحثوا عن أفضل الكفاءات العلمية سواء في الوطن العربي او خارجه، وأن يقدروا المجتهد من الأساتذة ويميزوه عن غيره ولو بخطاب شكر في نهاية العام.
2. الأساتذة هم أهم أسباب نجاح الجامعات أو فشلها، وقد تم اختيارهم بعناية وإرسالهم لأفضل جامعات العالم، عليهم أن يتحملوا الأمانة وأن يكونوا خير قدوة للطلبة من حيث احترام الوقت والعطاء، يقول بنيامين فرانكلين:"القدوة أعظم موعظة"، وبعض الأساتذة ليسوا قدوة وخصوصاً في الالتزام بالوقت وأداء الواجب على الوجه المطلوب، يقول أحد الطلبة: هناك فرق كبير بين ما نتعلمه ونراه في السنة التحضيرية، وبين ما نراه في الجامعة بعد السنة التحضيرية، في الأولى انضباط ودقة في الحضور وفي الثانية تسيب وغياب.
3. الطلبة والطالبات وهم الذين لأجلهم بنيت الجامعات،وهم أساتذة المستقبل ومعلموه وأطباؤه ومهندسوه وقضاته، وما لم نهتم بهم ونزرع فيهم القيم والعادات التي تبقى معهم مدى الحياة، مع التركيز على مهارات الاتصال ورفع الروح المعنوية، ما لم نعمل ذلك فسيصبحون حملة شهادات فقط، وهذه لا تسمن ولا تغني من جوع. في الكليات العسكرية على سبيل المثال يتم تغيير الكثير من سلوكيات الطالب العسكري خلال الخمسة والأربعين يوماَ الأولى من الالتحاق بالكلية، لدى الطلبة قدرة عجيبة على التأقلم والعطاء بشرط أن تطبق الأنظمة على الجميع بحزم ودقة، لذا علينا أن نضاعف الفائدة من السنة التحضيرية، ولو كنت مسؤولاً لركزت على الرياضة ومحاربة السمنة ومكافحة التدخين والمخدرات، وزرع عادة القراءة، والمشاركة في العمل التطوعي لخدمة المجتمع.
لدى مديري الجامعات وأساتذتها فرصة ذهبية لزرع ثقافة مختلفة تسير بالوطن نحو العالم المتقدم، فرصة أوجدتها قيادة واعية بأهمية التعليم، ووفرة مالية قد لا تتكرر فهل نستثمرها؟
سجل معنا بالضغط هنا
1
صح لسانك يا استاذ عبدالله السعدون كثيرا مانفتقد لهذه الادبيات والاخلاقيات في جامعاتنا العربية ان شاء الله يحصل تطور ونقله كبرى في الجامعات حتى نصل للمستوى المطلوب ونجاري جامعات العالم وننافسها في مجال التعليم فالوطن مليء بالعقول النظيفه ولكن تحتاج الى تعهد ورعاية
الاحقاف
UP 0 DOWN10:54 صباحاً 2011/06/30
2
نعم ميزانيات ضخمة تكفي لبناء دول صرفت لدعم الجامعات والناشئة منها على وجه الخصوص ولكن المشكلة ما تزال موجودة نفس العقليات بل ونفس الاشخاص ربما هم من يمسكون بزمام الأمور في الجامعات و التعليم العالي منذ عشرات السنين وفي النهاية هدر للأموال و فقاعات اعلامية هنا وهناك ولا شيء على أرض الواقع يعني باختصار كأنك يا ابو زيد ما غزيت!
Mogtareb
UP 1 DOWN12:12 مساءً 2011/06/30
3
إصلاح الجامعات والتعليم بصورة عامة يتطلب وضع المسؤول الكفء فى المكان المناسب وفق آليات معروفه ومتفق عليها فى جامعات العالم الناجحة لا تعتمد على الواسطة والمحسوبية، الوطن ملىء بالكفاءآت المعطلة نتيجة هذا المرض الاجتماعى الذى يلقى الدعم والترويج ممن هم فى موقع المسؤولية !!
عبد الله (زائر)
UP 0 DOWN01:29 مساءً 2011/06/30