الأحد 24 ربيع الأول 1432 هـ - 27 فبراير 2011م - العدد 15588

ليس دفاعاً ولكن

عبدالله عبدالكريم السعدون

    ربّ يوم بكيت منه فلما

صرتُ في غيره بكيت عليه

التغيير هو الصفة الثابتة في هذه الحياة، فلسنا اليوم هو ما كنا عليه قبل عشر أو عشرين سنة، ولسنا صوراً مكررة من آبائنا، وليس أبناؤنا صوراً مكررة منا، فلكل زمان رجاله وأدواته وثقافته. لكن أفضل تغيير هو ما يأتي متدرجاً وبعد دراسة متأنية وفي أيام الرخاء، أما التغيير الذي يحدث بسبب الحالات الطارئة فيأتي مرتجلاً ومرتبكاً ومكلفاً وغير مدروس، ولا مأمون العواقب.

لست أدري أين كانت كلّ هذه الأقلام وهذه الألسن التي تملأ الصحف والشاشات، عما كان يجري في الدول العربية، ففي مصر على سبيل المثال، صرنا نعلق جميع الأخطاء التي تعاني منها مصر على شخص واحد وأسرته وحزبه، وكأن جميع المشكلات والأخطاء التي يشكو منها الشعب المصري ستختفي بمجرد اختفاء النظام وحل مجلسيْ الشعب والشورى، وإدخال تعديلات على الدستور وإجراء انتخابات جديدة تأتي بوجوه جديدة.

هناك أسباب كثيرة جعلت اليابان تتفوق على مصر رغم ما أصاب اليابان من ويلات وحروب آخرها ما تعرضت له من دمار شامل في الحرب العالمية الثانية، ومن أهم تلك الأسباب التربية والتعليم والثقافة التي تقدس العمل وتحارب الفساد وتضع مصلحة الوطن فوق كل مصلحة

لنكن صريحين وواضحين، ما أصاب مصر وغيرها من دول العالم الثالث هو من فعل أبنائها،. فمصر كانت درة الشرق ومنافسة لليابان في بداية القرن التاسع عشر، اي منذ حوالي مئتي عام كان لديها نهضة علمية أنتجت جيشاً من العلماء والأدباء والفنانين، حيث بدأت نهضتها مع بداية إرسال البعثات إلى فرنسا في عهد محمد علي الذي سبق عصره في معرفة أن العلم وثقافة البناء هما أساس الرخاء والقوة.

كانت مصر واليابان في مستوى واحد من النمو ودخل الفرد، لكن مصر تقهقرت واليابان تقدمت حتى صار الفرق بينهما يقاس بمئات السنين لا عشراتها.

هناك أسباب كثيرة جعلت اليابان تتفوق على مصر رغم ما أصاب اليابان من ويلات وحروب آخرها ما تعرضت له من دمار شامل في الحرب العالمية الثانية، ومن أهم تلك الأسباب التربية والتعليم والثقافة التي تقدس العمل وتحارب الفساد وتضع مصلحة الوطن فوق كل مصلحة.

في كتابه المتميز"الأصنام الأربعة" يشير الأستاذ طارق حجِّي إلى أن سوء الإدارة وما ورثوه من النظام الاشتراكي هو المعضلة الأولى أما المعضلة الثانية فهي التعليم بوضعه الحالي الذي يركز على الكم قبل الكيف وكيف تحول إلى تجارة ترهق الآباء والأمهات، والمعضلة الثالثة هي النظام الزراعي الذي ورث أيضا من النظام الاشتراكي الذي يعد من أهم الأسباب تدهور هذا القطاع حتى صارت مصر تستورد الغذاء بعد أن كانت تصدره، أما المعضلة الرابعة فهي الإسكان، وتلك العلاقة الغريبة بين المالك والمستأجر والتي وضعت في الخمسينيات والستينيات، وكان هدفها حماية المستأجر لكنها في الحقيقة جعلت القطاع الخاص يحجم عن بناء المساكن الصحية الآمنة مما دفع الأفراد إلى بناء مساكنهم بطريقة بدائية رخيصة عشوائية.

وفي موضع آخر يشير المؤلف إلى أن أهم أسباب تأخر مصر عن غيرها كان تدهور التعليم الذي لم يبدأ مع الثورة المصرية في عام 1952، لكنه بدأ في عام 1925 حينما أخضع التعليم العام والجامعي للاتجاهات السياسية، وتحولت الجامعة الأهلية القديمة إلى جهاز تابع للدولة بمسماها الجديد "الجامعة المصرية" وكانت الطامة الكبرى حين تم فصل أكثر من خمسين عالماً من أساتذة الجامعة بين عامي 1953-1954 لمجرد أن آراءهم وتوجهاتهم لا تتماشى وسياسة النظام الجديد في عهد عبدالناصر.

أمام الشعوب العربية طريق طويل قبل أن تسهم الأحداث الجارية المتسارعة في حل مشكلاتها العالقة وما وصل إليه الوضع الاقتصادي والاجتماعي في البلدان العربية، وهناك محاذير كثيرة مما يحدث، فمن كان سبباً في انتشار الفساد ليس هو الرئيس الراحل وحكومته فقط، بل إن أكثر من موظف ومواطن ساهموا في تسهيل الكثير من العمليات والصفقات، وهؤلاء باقون في مراكزهم ومن خرج منهم من الباب فسيعود من النافذة، فالذهب له بريق يخطف الأبصار، ومن الصعوبة مقاومة تأثير الأقارب على اتخاذ القرارات، لكن الحل الأكثر أماناً هو التخطيط والعمل في وقت الرخاء والتركيز على الأمور التالية:

- الاختيار الجيد للقيادات، فالقائد هو أكبر مؤثر في نجاح أو فشل مؤسسته، مع الاستمرار في التغيير حتى لا يركن المسؤول للراحة والروتين القاتل.

- إيجاد نظام مراقبة ومعاقبة فعال يحول دون تفشي ظاهرة الفساد، فالتاريخ علمنا أن الإنسان مجبول على حب المال، ولولا النظام الرقابي الصارم في الدول المتقدمة لما صلحت مؤساستهم ولما أصبحت بهذه الكفاءة.

- الصحافة الحرة هي عيون الدولة المبصرة وآذانها المنصته، لذا لابد من تشجيعها وإعطائها مزيداً من الحرية لنقد كل أنواع الفساد والتجاوزات.

المواطن في أي مكان من العالم تهمّه أربعة أمور، متى ما تحققت يحصل الرضا وهي: التعليم الجيد، والوظيفة المناسبة، والصحة، والسكن المريح الآمن، فلو تم التركيز على هذه الأمور الأربعة وسخرت جميع الإمكانات لتحقيقها لعم الاستقرار والرخاء بإذن الله