سأتحدث إليك أيها المبتعث عن واحد من أهم أسباب قيام الدول بابتعاث خيرة أبنائها إلى جامعات الدول المتقدمة: إن من أهم دواعي الابتعاث معرفة أهم أسباب قوتهم، واكتساب أفضل ما لديهم من ثقافة، فالثقافة هي المحرك الأساس لكثير مما نقوم به من نشاط سواء في حياتنا الخاصة أو العامة، وللثقافة تعريفات كثيرة، لكنها بكل بساطة هي ما تؤمن به الشعوب من قيم ومبادئ وعادات ومعتقدات، وما تمتلكه من علوم وفنون، وما تطبقه من أنظمة، مما يعني أنها المحرك لكثير مما يعمل وينجز.
لدى الدول المتفدمة ثقافة تدفع لمزيد من الإنجاز والنجاح وترسخ مفهوم أنه لا حدود لقدرات الإنسان وإنجازاته سوى ما يضعه لنفسه من قيود. ثقافة تحفز على روح المغامرة واقتحام الصعاب، واستعداد دائم لتقبل الجديد، فلولا روح المغامرة التي لديهم لما صعدوا إلى الفضاء ولما فجروا ما تحويه الأرض من خيرات وطاقات، ولما حققوا الفتوحات الكثيرة في شتى مجالات الحياة.
مطلوب من كل مبتعث أن يتعرف على ثقافة البلد المبتعث إليه، ما هي مبادئه وقيمه؟ كيف يستثمر وقته ويؤدي عمله؟ كيف يربي أبناءه وما هو نظام تعليمه؟ كيف يعامل أفراده وكيف يطبق أنظمته؟ كيف يتعامل مع المعاقين؟ وكيف يحافظ على نظافة البيئة ويهتم بها؟ ستجد أنها تختلف كثيراً عما لدى الدول النامية. وهذا ما أحاول أن أقوله لكل مبتعث: عد بأفضل ما لديهم من ثقافة، ودع السيئ منها، فلكل مجتمع حسناته وسيئاته. اكتساب الثقافة المنتجة المبدعة أهم من الشهادات المتشابهة المكررة.
وأقول للمبتعثين أيضا: لا تأخذوا كل ما في ثقافتكم معكم، فهي ثقافة فيها الغث والسمين، تخلصوا من التحزب والتفرقة، واتركوا التواكل والكسل جانباً، والمبالغة في الخوف من الغيبيات التي تفتك بالمجتمعات النامية ويتكسب من ورائها الكثير من المتاجرين بصحة الناس
وأقول للمبتعثين أيضا: لا تأخذوا كل ما في ثقافتكم معكم، فهي ثقافة فيها الغث والسمين، تخلصوا من التحزب والتفرقة، واتركوا التواكل والكسل جانباً، والمبالغة في الخوف من الغيبيات التي تفتك بالمجتمعات النامية ويتكسب من ورائها الكثير من المتاجرين بصحة الناس، وافتحوا أعينكم وآذانكم لكل جديد واكتسبوا منهم ما جعلهم دولاً متقدمة، سترون النماذج الناجحة بين أساتذة الجامعات، وكيف يقضون الساعات الطوال في البحث والعمل ومساعدة الطلبة، ستجدونها في التنافس الشريف بين الطلبة، سترونها في مستشفياتهم وشوارعهم وبيوتهم.
لقد تم ابتعاثي قبل ثمان وثلاثين سنة، وأعزو الكثير من نجاحي في الحياة إلى الله سبحانه وتعالى ثم إلى ما اكتسبته من ثقافة هي مزيج من أفضل ما لدينا ولديهم. اكتسبت الكثير من التجارب والقراءات والدراسات، والتفكير والمقارنة، تعلمت ثقافة تختلف عما تعلمته في البيت والمدرسة والشارع، ثقافة عالمية هي مزيج من فهم أفضل للدين، وأخذ لأحسن ما لدى الآخرين، ومرونة في التفكير، وتحليل عقلاني لكثير مما في الحياة، وإيمان بأن العلم هو أفضل الطرق وأقصرها للنجاح والتغلب على الكثير من المصاعب على مستوى الأفراد والدول. ثقافة جعلت فكري متفتحاً لكل جبد، قابلاً لكل نقد بناء هادف، ثقافة جعلتني أعيش في سلام مع نفسي ومع الآخر، وأردد دائماً أن القارب يتسع للجميع رغم تعدد الآراء والمصالح، سواء كان ذلك القارب بيتاً صغيراً، أو مكان عمل، أو وطنا، أو عالما كبيرا حدوده أطراف الكرة الأرضية. ثقافة تقول إن التعدد في الفكر والرأي نعمة من الله تزيدنا قوة وتثري حياتنا وتبهجنا. ثقافة تقول إن التفرقة أو الإقصاء على أي أساس سواء كان قبلياً أو مناطقياً أو مذهبياً ما هو سوى معول هدم في سفينة الوطن.
ثقافة تنادي بأن الاهتمام بالإنسان تربية وتعليماً وصحة، هي أسهل الطرق للحاق بركب الدول المتقدمة، ثقافة زودتني بالكثير من القيم التي أعانتني على النجاح، ومن أهمها الاستقامة والصدق والأمانة وتقديس العمل وإتقانه واحترام الوقت وحسن استثماره.
زرت المبتعثين في دول الابتعاث فوجدتهم ثلاث فئات، فئة أخذت معها ثقافة الكسل وإضاعة الوقت، وتزجيته بين المقاهي والبيوت، والبحث عن المتع التي تأخذ من المبتعث أكثر مما تعطيه، لا يعطي للمهمة التي ذهب من أجلها سوى القليل من الوقت والجهد، وقد يبحث عن أقصر الطرق وأسهلها لتقديم ما يطلب منه لأداء الرسالة، ناسياً أنه بذلك يخدع نفسه وليس الآخرين، لا يأخذ من الحضارة سوى قشورها، ولا يأخذ من العلم سوى الإلمام بالمعلومة دون توظيفها ودون ممارستها على أرض الواقع، يعود إلى بلاده فيصبح عالة على أهله وعمله.
الفئة الثانية، هي فئة متدينة متزنة، لكنها توجست خيفة من ثقافة البلد المضيف واتخذت لنفسها أسلوب حياة يشبه كثيراً ما تعيشه في بلادها، أغلقت أمام عقولها الكثير من نوافذ الضوء وفرص نمو القدرات وبروز الموهبة، تدثرت بالماضي ظناً منها أنه يغني عن الحاضر وما به من فتوحات وفرص، لدى هذه الفئة عزوف عجيب عما تعج به الجامعات من أنشطة ثقافية وعلمية واجتماعية وما تزخر به تلك الجامعات والمجتمعات من أندية رياضية وحراك اجتماعي، تقضي نهاية الأسبوع وكأنها في إحدى قرى المملكة، حرمت نفسها ومن معها من فرص النمو ومواكبة العصر والتشبع بثقافة البناء وعمارة الأرض.
أما الفئة الثالثة فقد كانت خير من يمثل دينها ووطنها، رأيت شباباً وشابات كلهم حيوية ونشاط، كلهم عزم وثقة، استطاعوا أن يوفقوا بين ثقافتهم وثقافة بلد الابتعاث، لديهم اعتزاز كبير بدينهم وتاريخهم ووطنهم، وجدت من بينهم من لديه براءة اختراع في الطب والطيران، بعضهم يشرف على الأندية الطلابية وينشر الفكر المعتدل بين زملائه، بعضهم بدأ في ممارسة عمله التجاري وأسس موقعه الإلكتروني ووثق علاقته مع بعض زملائه من طلبة البلد المضيف والبلدان الأخرى، وبدأ يشق طريقه نحو التميز والسياحة في ميادين المعرفة، هذه الفئة هي التي أعتقد أنها ستأخذ زمام المبادرة والمساعدة على أخذ الوطن إلى مصاف الدول المتقدمة، الابتعاث فرصة لا تعوض لمن يستثمرها في اكتساب العلم وثقافة البناء وروح المغامرة. العلم لا يرضى ولا يقنع بأنصاف الحلول، والنجاح الباهر صعب إلا لمن يعطيه ما يستحق من جهد وتخطيط واهتمام.
سجل معنا بالضغط هنا
1
كل ماتريد اخذناه وننتظر ماذا سيكون مصيرنا بعد العوده لخدمة الوطن هناك من المظفين من يحسدنا ولن يتخلى عن كرسية من اجلنا..
وزير العمل هو من ينبغي عليه ان يزور المبتعثين..
من الصين (زائر)
UP 1 DOWN03:30 صباحاً 2010/12/24
2
السبب اخي الكريم بالابتعاث هو التخطيط الخاطي للتعليم واحتياجاتة وعدم استيعاب جامعتنا السبعة للكم الكبير من المتخرجين هذا هو السبب وليس غير ذلك نحتاج للشفافية من اجل التطور.
د.الثروه (زائر)
UP 0 DOWN03:58 صباحاً 2010/12/24
3
أ. عبدالله..
مقال أكثر من رائع.. وتجسيد لحال المبتعث في عدد من الجوانب.. بحكم انني سوف اخوض هذه التجربه وجدتني في مقالك المتميز اقرب الى حال الواقع والذي طالما يحمل اتجهات تأثير قد نكونها ونتعايشها وفقا لما تريد..
كان الله في عون الجميع..
تحياتي..
نوال قيسي
UP 0 DOWN06:22 صباحاً 2010/12/24
4
مشكور على النصيحه وانشالله نكون من الفئه الثالثه
Ahmed USA
UP 0 DOWN07:04 صباحاً 2010/12/24
5
إن شاء الله إنهم كلهم من الصنف الثالث
الله يوفقهم ويرجعهم سالمين غانمين
وشكرا على الموضوع الممتاز
ماقل ودل (زائر)
UP 0 DOWN08:32 صباحاً 2010/12/24
6
سلام , فعلا أنها نصيحه رائعه,لاتأخذوا كل ما في ثقافتكم معكم , أن نصيحتي لهؤلاء المبتعثين ( احفظ الله يحفظك ) , وانصح القراء بقراءة كتابك ( عشت سعيدا من الدراجه الى الطائره )
أم رنا
UP 0 DOWN09:33 صباحاً 2010/12/24
7
شكرا للكاتب واتفق مع الكثير مما ذهب اليه ولكن أتمني ان لا يحكم عن بعد عل بعض فئات المبتعثين والتعرف بهم هو من يدرسهم ويحتك بهم بشكل مستمر امثال الدكتور ابراهيم ابوساق في مانشستر. ترا ليس من العدل الكتابة عن سلوكيات المبتعثين عن بعد فالتعميم لا يفيد احد وقد يقود للإحباط.
محمد بن عبدالله السلمي (زائر)
UP 0 DOWN11:14 صباحاً 2010/12/24
8
أخي الكريم، أتمنى أن يزود كل مبتعث بنسخة من وعظك هذا، لكي يتعظ من أراد أن ينتفع هو ووطنه بعلمه كما نفعه وطنه بنعمة الإبتعاث.
زهران
UP 0 DOWN11:18 صباحاً 2010/12/24
9
سعادة اللواء,,لقد سبقنا في كل شيئ وهذا فضل من الله عليك وعلينا ووجب الشكر له سبحانه وتعالى,,,لقد كنت مبتعثاً ايضاً منذ 20 سنة فوالله ماختلف الحال عما تقدمت به في المقال, فلا استطيع الزيادة عليه, ومن فضل الله على هذه البلد ان كثير ممن عادوا من الفئات الثلاث قد ادوا واجباتهم لهذا الوطن-صحيح بنسب متفاوتة- لكن الاحساس بالمسئولية موجود حتى في ظل البرود في الانجاز بعض الاوقات,, واخيراً ندعوا الله عز وجل ان يوفقنا وابنائنا في كل مكان لما يحب ويرضى
ali ghuf
UP 0 DOWN12:04 مساءً 2010/12/24
10
الاخ (الثروة) رد 2
معلوماتك غير محدثة !!جامعات المملكة عددها الان 26 جامعة و117 مؤسسة للتدريب المهني.
يااخواني المبتعثين نحن ننتظركم لمليء الفراغ الذي يسيطر عليه الاجانب هل تعلمون ان هناك جامعة ناشئة بدون مبالغة جميع اعضاء هيئة التدريس هم من الجنسية المصرية ولهم نصيب الاسد ثم ياتي بعدهم الجنسية السودانية.نأمل ان نرى جميع اعضاء هيئة التدريس بكل الجامعات السعودية هم سعوديين طبعاً اكفاء ولا مانع من بعض الجدارات الاجنبية في التخصصات النادرة.بالتوفيق اخواني واخواتي لكم المبتعثين.
بنت الشيوخ
UP 0 DOWN01:59 مساءً 2010/12/24
11
اوافق ام رنا في ما قالت الكتاب فيه خبرة الكاتب التي اكتسبها في امريكا ولا زلت اذكر قصة اوردها عندما كان في امريكا ان طالبا في القوات الجويه ادعى انه مريض فتم فصله فكان مبرر الفصل ان الكذاب لا يمكن الوثوق به وهو لا يصلح للقوات الجويه الكتاب شامل لتجربة مبتعث نجح وها هو يرسم للفتيان ذلك الطريق
علي شمسان (زائر)
UP 0 DOWN02:50 مساءً 2010/12/24
12
اتمنى ان يكون الذهاب للعلم والتعلم وليس للشهادة مالفايدة اذا كان كل همه هو الشهاده لايوجد فايده اصلاً فليأخذها من الداخل وبأسهل الطرق لكن ان يكون قصده التعلم وكسب كل ماهو الجديد هنا سوف نستشرف المستقبل ونكون في طليعة الدول المتقدمه
نواف (زائر)
UP 0 DOWN03:29 مساءً 2010/12/24
13
بصفتك عضو مجلس الشورى والذي هو تكليف قبل أن يكون تشريف اقترح مناقشة أن يسمح للمبتعثين بالعمل لمدة سنة في نفس البلد التي درسوا فيها وتمدد لهم البعثة بنفس المكافأة مع الراتب الجديد وذلك لنحصل على الثقافة التي اشرت لها ومن ثم سيكون المبتعث مؤهل علميا مع خبرة عملية تنافس الآخرين وشكرا على المقال الرائع
محمد الخميس (زائر)
UP 1 DOWN09:22 مساءً 2010/12/24
14
السلام عليكم وطيب الناس الي يريدون الابتعاث بس لجنة الابتعاث رافضتهم ايش يعملون الله يعين بس ومشكور اخي الاستاذ /عبدالله السعدون
...ثعلب الصحراء... (زائر)
UP 0 DOWN10:25 مساءً 2010/12/24
15
الإنفتاح على ثقافات الشعوب بعقلانية تزن الأمور و تنتقي
ما لا يشوبه الشبهات بلا شك سيخلق سقف ثقافي راقي
و الأحرى ألا يغيب عنا أن الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها
أخذها..
مقال أكثر من رائع..
أم حسان (زائر)
UP 1 DOWN12:21 صباحاً 2010/12/25