الجمعة 18 محرم 1432 هـ - 24 ديسمبر 2010م - العدد 15523

إلى كل المبتعثين والمبتعثات

عبدالله عبدالكريم السعدون

    سأتحدث إليك أيها المبتعث عن واحد من أهم أسباب قيام الدول بابتعاث خيرة أبنائها إلى جامعات الدول المتقدمة: إن من أهم دواعي الابتعاث معرفة أهم أسباب قوتهم، واكتساب أفضل ما لديهم من ثقافة، فالثقافة هي المحرك الأساس لكثير مما نقوم به من نشاط سواء في حياتنا الخاصة أو العامة، وللثقافة تعريفات كثيرة، لكنها بكل بساطة هي ما تؤمن به الشعوب من قيم ومبادئ وعادات ومعتقدات، وما تمتلكه من علوم وفنون، وما تطبقه من أنظمة، مما يعني أنها المحرك لكثير مما يعمل وينجز.

لدى الدول المتفدمة ثقافة تدفع لمزيد من الإنجاز والنجاح وترسخ مفهوم أنه لا حدود لقدرات الإنسان وإنجازاته سوى ما يضعه لنفسه من قيود. ثقافة تحفز على روح المغامرة واقتحام الصعاب، واستعداد دائم لتقبل الجديد، فلولا روح المغامرة التي لديهم لما صعدوا إلى الفضاء ولما فجروا ما تحويه الأرض من خيرات وطاقات، ولما حققوا الفتوحات الكثيرة في شتى مجالات الحياة.

مطلوب من كل مبتعث أن يتعرف على ثقافة البلد المبتعث إليه، ما هي مبادئه وقيمه؟ كيف يستثمر وقته ويؤدي عمله؟ كيف يربي أبناءه وما هو نظام تعليمه؟ كيف يعامل أفراده وكيف يطبق أنظمته؟ كيف يتعامل مع المعاقين؟ وكيف يحافظ على نظافة البيئة ويهتم بها؟ ستجد أنها تختلف كثيراً عما لدى الدول النامية. وهذا ما أحاول أن أقوله لكل مبتعث: عد بأفضل ما لديهم من ثقافة، ودع السيئ منها، فلكل مجتمع حسناته وسيئاته. اكتساب الثقافة المنتجة المبدعة أهم من الشهادات المتشابهة المكررة.

وأقول للمبتعثين أيضا: لا تأخذوا كل ما في ثقافتكم معكم، فهي ثقافة فيها الغث والسمين، تخلصوا من التحزب والتفرقة، واتركوا التواكل والكسل جانباً، والمبالغة في الخوف من الغيبيات التي تفتك بالمجتمعات النامية ويتكسب من ورائها الكثير من المتاجرين بصحة الناس

وأقول للمبتعثين أيضا: لا تأخذوا كل ما في ثقافتكم معكم، فهي ثقافة فيها الغث والسمين، تخلصوا من التحزب والتفرقة، واتركوا التواكل والكسل جانباً، والمبالغة في الخوف من الغيبيات التي تفتك بالمجتمعات النامية ويتكسب من ورائها الكثير من المتاجرين بصحة الناس، وافتحوا أعينكم وآذانكم لكل جديد واكتسبوا منهم ما جعلهم دولاً متقدمة، سترون النماذج الناجحة بين أساتذة الجامعات، وكيف يقضون الساعات الطوال في البحث والعمل ومساعدة الطلبة، ستجدونها في التنافس الشريف بين الطلبة، سترونها في مستشفياتهم وشوارعهم وبيوتهم.

لقد تم ابتعاثي قبل ثمان وثلاثين سنة، وأعزو الكثير من نجاحي في الحياة إلى الله سبحانه وتعالى ثم إلى ما اكتسبته من ثقافة هي مزيج من أفضل ما لدينا ولديهم. اكتسبت الكثير من التجارب والقراءات والدراسات، والتفكير والمقارنة، تعلمت ثقافة تختلف عما تعلمته في البيت والمدرسة والشارع، ثقافة عالمية هي مزيج من فهم أفضل للدين، وأخذ لأحسن ما لدى الآخرين، ومرونة في التفكير، وتحليل عقلاني لكثير مما في الحياة، وإيمان بأن العلم هو أفضل الطرق وأقصرها للنجاح والتغلب على الكثير من المصاعب على مستوى الأفراد والدول. ثقافة جعلت فكري متفتحاً لكل جبد، قابلاً لكل نقد بناء هادف، ثقافة جعلتني أعيش في سلام مع نفسي ومع الآخر، وأردد دائماً أن القارب يتسع للجميع رغم تعدد الآراء والمصالح، سواء كان ذلك القارب بيتاً صغيراً، أو مكان عمل، أو وطنا، أو عالما كبيرا حدوده أطراف الكرة الأرضية. ثقافة تقول إن التعدد في الفكر والرأي نعمة من الله تزيدنا قوة وتثري حياتنا وتبهجنا. ثقافة تقول إن التفرقة أو الإقصاء على أي أساس سواء كان قبلياً أو مناطقياً أو مذهبياً ما هو سوى معول هدم في سفينة الوطن.

ثقافة تنادي بأن الاهتمام بالإنسان تربية وتعليماً وصحة، هي أسهل الطرق للحاق بركب الدول المتقدمة، ثقافة زودتني بالكثير من القيم التي أعانتني على النجاح، ومن أهمها الاستقامة والصدق والأمانة وتقديس العمل وإتقانه واحترام الوقت وحسن استثماره.

زرت المبتعثين في دول الابتعاث فوجدتهم ثلاث فئات، فئة أخذت معها ثقافة الكسل وإضاعة الوقت، وتزجيته بين المقاهي والبيوت، والبحث عن المتع التي تأخذ من المبتعث أكثر مما تعطيه، لا يعطي للمهمة التي ذهب من أجلها سوى القليل من الوقت والجهد، وقد يبحث عن أقصر الطرق وأسهلها لتقديم ما يطلب منه لأداء الرسالة، ناسياً أنه بذلك يخدع نفسه وليس الآخرين، لا يأخذ من الحضارة سوى قشورها، ولا يأخذ من العلم سوى الإلمام بالمعلومة دون توظيفها ودون ممارستها على أرض الواقع، يعود إلى بلاده فيصبح عالة على أهله وعمله.

الفئة الثانية، هي فئة متدينة متزنة، لكنها توجست خيفة من ثقافة البلد المضيف واتخذت لنفسها أسلوب حياة يشبه كثيراً ما تعيشه في بلادها، أغلقت أمام عقولها الكثير من نوافذ الضوء وفرص نمو القدرات وبروز الموهبة، تدثرت بالماضي ظناً منها أنه يغني عن الحاضر وما به من فتوحات وفرص، لدى هذه الفئة عزوف عجيب عما تعج به الجامعات من أنشطة ثقافية وعلمية واجتماعية وما تزخر به تلك الجامعات والمجتمعات من أندية رياضية وحراك اجتماعي، تقضي نهاية الأسبوع وكأنها في إحدى قرى المملكة، حرمت نفسها ومن معها من فرص النمو ومواكبة العصر والتشبع بثقافة البناء وعمارة الأرض.

أما الفئة الثالثة فقد كانت خير من يمثل دينها ووطنها، رأيت شباباً وشابات كلهم حيوية ونشاط، كلهم عزم وثقة، استطاعوا أن يوفقوا بين ثقافتهم وثقافة بلد الابتعاث، لديهم اعتزاز كبير بدينهم وتاريخهم ووطنهم، وجدت من بينهم من لديه براءة اختراع في الطب والطيران، بعضهم يشرف على الأندية الطلابية وينشر الفكر المعتدل بين زملائه، بعضهم بدأ في ممارسة عمله التجاري وأسس موقعه الإلكتروني ووثق علاقته مع بعض زملائه من طلبة البلد المضيف والبلدان الأخرى، وبدأ يشق طريقه نحو التميز والسياحة في ميادين المعرفة، هذه الفئة هي التي أعتقد أنها ستأخذ زمام المبادرة والمساعدة على أخذ الوطن إلى مصاف الدول المتقدمة، الابتعاث فرصة لا تعوض لمن يستثمرها في اكتساب العلم وثقافة البناء وروح المغامرة. العلم لا يرضى ولا يقنع بأنصاف الحلول، والنجاح الباهر صعب إلا لمن يعطيه ما يستحق من جهد وتخطيط واهتمام.