في عمق صحراء الربع الخالي، وعلى قمة تل من الرمال التي تنتصب واقفة وكأنها الجبال، جلست ذات مساء أستمتع بهدوء المكان وروعته وجماله، للتوّ استدعت الشمس ما تبقى من أشعتها وغاصت في الصحراء واحتضنتها الرمال، مفسحة المجال لجمال من نوع آخر، لوحة فنية أبدعها الخالق أهم عناصرها الكواكب والنجوم وهدوء الكون وسكونه. أول ما طاف بفكري هو هذا الوطن الكبير بمساحاته الشاسعة، وخيراته الوفيرة ومقدساته الدينية، في هذه البقعة النائية من جنوب المملكة تتحول الصحراء إلى خلية نحل بحثاً عن كنوز الأرض المعطاء، وفي غربها يستقبل الوطن أكبر تجمع إسلامي، وتحولت كل مدينة وقرية إلى ورشة بناء، وطن كبير مترامي الأطراف، ما الذي دفع الملك عبدالعزيز، ذلك القائد الفذ ورجاله الشجعان عليهم جميعاً رحمة الله أن يقوموا بهذا الجهد الجبار لتوحيد أجزائه مع ما يصاحب ذلك العمل من مخاطر وأعباء؟ إنها روح المغامرة التي كانت تسري في دمائهم، والشجاعة التي هي من أهم صفاتهم.
روح المغامرة هي التي حلّقت بالإنسان إلى الفضاء، وغاصت به إلى أعماق المحيطات، هي التي أخرجته من الكهوف والمغارات إلى المزارع والقرى والتجمعات، ولولا حب المغامرة لبقيت أجزاء مهمة من الكرة الأرضية دون اكتشاف.
روح المغامرة هي التي حلّقت بالإنسان إلى الفضاء، وغاصت به إلى أعماق المحيطات، هي التي أخرجته من الكهوف والمغارات إلى المزارع والقرى والتجمعات، ولولا حب المغامرة لبقيت أجزاء مهمة من الكرة الأرضية دون اكتشاف.
الرحلة إلى الربع الخالي كانت مغامرة بسيطة مدروسة بكل عناية، مدتها ثمانية أيام، تم التخطيط لها قبل أربعة أشهر، تم تحديد متطلبات الرحلة بطريقة علمية، كان بطلها والمخطط لها أحد رعايا جنوب أفريقيا المعروفين بحبهم للمغامرة، أهم ما تميزت به الرحلة البساطة وقلة التكاليف والتخطيط الجيد والانضباط وروح الفريق. في كل مساء يتم توزيع المسؤوليات بين أفراد الفريق، وفي الصباح يتم الانتقال إلى مكان جديد، قبل مغادرة الموقع ألقي نظرة على المكان فلا أجد به أي بقايا أو ملوثات، يتم حرق بعضها وأخذ بعضها معنا وترك بقايا الأكل للطير والحيوان.
ميزتها الثانية أنها لم تكن للرجال فقط ، بل اشترك فيها الأطفال والنساء وتعلموا منها الكثير، لكل واحد من أفراد الأسرة مهمة، يشارك الجميع في إنزال الأمتعة ونصب الخيام وتجهيز الأسرّة، ثم تحميلها في كل صباح، ويشاركون في الطبخ والغسيل، عمل جماعي لا مكان فيه للتراخي أو الاعتماد على الخادمات.
الميزة الثالثة هي الأخذ بعوامل السلامة فلا تهور ولا سرعة ولا سباق، ورغم أن عدد السيارات ثمان، إلا أن كل سائق يعرف مكانه من بين السيارات، لديهم أجهزة اتصال وأجهزة ملاحة حديثة، يعرفون الطرق والأماكن بكل دقة وحسب خطوط الطول والعرض.
الميزة الرابعة هي قدرتهم على إصلاح الأعطال، فقد تعرضت بعض السيارات لأعطال مختلفة، لكن التحضير الجيد والمهارة في ميكانيكا السيارات جعلتهم يتغلبون على الصعاب.
ذات مساء وتحت قبة السماء التي تزينها ملايين النجوم جلست إلى جانب مهندس في شركة مساهمة كبيرة وسألته: مارأيك في المملكة وما تقوم به من بناء؟ أجاب: مستقبلكم مشرق ولديكم أهم عوامل النجاح، لديكم قائد يذكرني بنيلسون مانديلا، وتصرفون على التعليم أكثر مما تصرفه معظم الدول، ولديكم مصادر دخل كثيرة، ومشاريع عملاقة، لكن تحتاجون إلى أكثر من ذلك لتلحقوا بركب الأغنياء، إن أهم ما تحتاجونه هو التركيز على النتائج وليس على الأرقام وما يصرف من بلايين على البناء.
أتدري من الأحق في الابتعاث على سبيل المثال؟ إنهم المعلمون والمعلمات، تعليمكم لا يشجع على روح المغامرة والتجديد والابتكار، لو كنت مسؤولا عن التعليم لأرسلت أفضل المعلمين والمعلمات إلى أفضل جامعات العالم، ولطبقت أحدث الأنظمة لاختيار مديري المدارس. أتدري أن من أهم أهداف تعليمنا في جنوب أفريقيا تعويد الطلبة على روح الفريق وتشجيع الطلبة على المشاركة في المغامرات المدروسة والرياضات الخارجية، وحثهم على قضاء إجازة الصيف في معسكرات تعلم التعاون والصبر والانضباط؟!
الأمر الثاني الذي لاحظته هو تراخي الإدارة الوسطى في القطاع العام والخاص، لقد لاحظت أن أكثر المديرين الشباب والأساتذة لا يهتمون بالعمل بقدر ما يهتمون بأنفسهم، همهم الكبير إرضاء رؤسائهم والبحث عن المكاسب المادية ولو على حساب أعمالهم، من سيعلم الموظفين الجدد وطلبة التعليم العام وطلبة الجامعات القيم الصحيحة للعمل إن لم يعلمهم هؤلاء؟
لقد لاحظت أنهم يهتمون بكثرة الانتدابات وحضور المؤتمرات على حساب أعمالهم، لقد قيل "القدوة أعظم موعظة"، فمن سيعلم هؤلاء الشباب؟
أما الأمر الأخير فهو حاجة مشاريعكم الكبيرة إلى طاقة وطنية مدربة، الوافدون وأنا واحد منهم سيغادرونكم يوماً ما ومعهم كل ما كسبوه من تجارب وخبرات، لن يبقى لكم سوى مهندسيكم وفنييكم الذين هم أساس كل بناء، عليكم أن تفكروا في العنصر البشري لكل مشروع قبل البدء به، وأن يكون لاختيار العمالة الوطنية وتدريبها الأولوية قبل البناء.
انتهت الرحلة وعدنا إلى العاصمة سالمين، محملين بالكثير من الأمل وصور الذكريات، وتواعدنا على التخطيط لمغامرة أخرى في العام القادم في مكان آخر من العالم إن شاء الله. وجدنا كل تعاون من رجال الأمن الذين صادفناهم، وأمن الطرق الذين قضوا عيدهم على ثغور الوطن الحبيب. المواطنة هي أن تفكر في ما هو أكبر من النفس والمال والولد، إنه البذل للوطن وأهله، وبدون الوطن ليس لنا ولا لآبنائنا وأحفادنا على هذا الكوكب مكان..
سجل معنا بالضغط هنا
1
تقديس قيمة العمل.. تنقصنا فعلا ثقافة تعظيم قيمة العمل لا اعرف لماذا.
عملت مع اجانب من جنسيات مختلفة وتعلمت منهم الكثير.. وعدت وعملت مع مواطنين سعوديين ومنهم مديري ولم اتمكن من التفاهم معهم.. كل ما كنت اعمله يراه خطأ ومبالغ فيه.. حقدوا علي زملائي لأن القيم مختلفة بيننا.
واخيرا اضطريت لمسايرتهم.
هاي تك مان (زائر)
UP 1 DOWN09:22 صباحاً 2010/12/03
2
روعه الطبيعه تسحر كل انسان خاصه اذاكان متأمل لهذا الكون الفسيح سواء كان صحراويا او طبيعه خضرا فأنها تأسر الأنسان وتجعله يفكر فى جميع نواحى الكون وقدرة الله عز وجل فى اتقانه هذا الكون بتقدير متوازن فسبحانه على بديع خلقه. شكرا جزيل على مقالتك وعلى طرحك الجميل وعلى هذه لأستناج والفوئد من هذه المغامره
عادل السعدون (زائر)
UP 0 DOWN11:51 صباحاً 2010/12/03
3
بالفعل المعلمون أولى بالابتعاث لانه سينعكس ايجابا على اداء طلابهم بالمستقبل وبالتالي تحسين مخرجاتنا التعليميه. أتمنى من وزارة التربيه والتعليم التعاون مع التعليم العالي وتخصيص عدد من مقاعد برنامج خادم الحرمين للمعلمين المتميزين... شكرا على مقالاتك الرائعه والتي نطمح لقراءة المزيد منها مستقبل
متابعك من أنجلترا (زائر)
UP 0 DOWN02:38 مساءً 2010/12/03