الاحد 5 رمضان 1431 هـ - 15 اغسطس 2010م - العدد 15392

الفرص لا تتكرر

عبدالله عبدالكريم السعدون

    كم أرثي لحال كلّ من أخذ معه أسوأ ما في ثقافته، بكل ما فيها من كسل وقناعة، واستهانة بالوقت والعمل، وعزوف عن القراءة والرياضة، وإهدار للصحة والمال، أخذ معه أسوأ ما في مجتمعه وماضيه من متناقضات، وحاول أن يتأقلم معها في عالمه الجديد

كم تمنيتُ أن أكون مبتعثا بعد تخرجي من المرحلة الثانوية في بداية السبعينيات من القرن الماضي إلى إحدى دول العالم الأول، لكن لم يحالفني الحظ، طرقت أكثر من باب، لكن الفرص كانت قليلة، والأبواب توصد بسرعة لقلة المقاعد المتاحة.

كم أرثي لحال كل مبتعث تهيأت له الفرص ولا يعود إلى الوطن بأفضل ما لدى الدول التي ابتعث إليها من عوامل بناء الحضارة،، خصوصاً أن وزارة التعليم العالي قد اختارت جامعات الدول المتقدمة وصنفتها بحثاً عن الأفضل، وتكفلت الدولة بتكاليف الدراسة، وحسّنت الرواتب.

في مطعم متواضع خدمني طالب من فيتنام لا يتعدى عمره الثانية والعشرين، كان أحد العاملين في المطعم، لا تفارق الابتسامة محياه، أخبرني أنه يدرس في الجامعة ويعمل بالليل حتى يؤمن تكاليف دراسته وسكنه، كان سعيداً ولم تفارق الابتسامة محياه، مما جعلني أعود لنفس المطعم أكثر من ليلة وأشكر رئيسه على توظيفه.

كم أرثي لحال كل مبتعث من أبنائنا يضيع وقته في المقاهي، أو يتقوقع على نفسه في شقق تفوح منها روائح الطبخ، واجترار الماضي بكل متناقضاته، بينما تعج جامعاتهم، ومدنهم بالنشاطات العلمية والثقافية والرياضية والاجتماعية، مما يفوت على المبتعث فرصة لا تتكرر لاكتساب ثقافة تعد من أهم أسباب تقدم الأمم، ومن أهم دواعي ابتعاثهم.

كم أرثي لحال كلّ من أخذ معه أسوأ ما في ثقافته، بكل ما فيها من كسل وقناعة، واستهانة بالوقت والعمل، وعزوف عن القراءة والرياضة، وإهدار للصحة والمال، أخذ معه أسوأ ما في مجتمعه وماضيه من متناقضات، وحاول أن يتأقلم معها في عالمه الجديد، بل ويعض عليها بالنواجذ.

دعيت في إحدى مدن أستراليا إلى مطعم مكتظ بالزبائن، لا يمكن الحصول فيه على طاولة إلا بحجز مسبق، عرفت سرّ نجاحه حين أشار مضيفي إلى صاحب المطعم الذي كان يقوم بمسح الطاولة المجاورة، قال مضيفي: بل إنه إذا لم يجد عملا يقوم بغسل الصحون في الداخل، حمل إلينا صاحب المطعم أحد الأطباق وحيّانا وتحدث إلينا، غادرنا مسرعاً إلى الطاولة المجاورة، كان ينتقل من طاولة إلى اخرى وكأن كل زبون عنده هو أهم الزبائن. أشار مضيفي إلى زوجته التي لا تقل عنه نشاطاً، وحيوية وأريحية. قال مضيفي: هذا الذي تراه عاملا في المطعم يملك الملايين ولديه مطعم آخر تعمل فيه اخته وزوجها ويلقى نفس النجاح.

عاد إلينا بعد أن خف العمل وتفرق الزبائن، سألته: ما سر تعلقه بالعمل رغم عدم حاجته إلى ذلك؟ أجاب: لا يستقيم العمل إلا بوجود صاحبه وخصوصاً ما له علاقة برضا الناس، وأضاف: العمل يهبني الصحة والنشاط والحيوية، ولقد توارثنا هذا العمل منذ كنا في إيطاليا، كان أبي يردد دائماً:عيناك أفضل رقيب على مالك، وأهلك أفضل معين لك في عملك، في هذا المطعم الكبير لا يوجد لدي مكتب، المكتب للمدير فقط، أما أنا فلست المدير.

الملاحظة الثانية كانت مع سائق السيارة التي استأجرتها من مدينة نيوكاسل إلى مدينة قولدن كوست في استراليا، كان السائق في غاية الأدب والأناقة، حمل حقيبتي ووضعها في السيارة، بعد أن عرفته جيداً سألته كم يدفع له في الساعة مقابل هذا العمل؟ أجاب: أنا صاحب الشركة، تساعدني زوجتي في المكتب وترد على اتصالات الزبائن وترتب الجداول، لدي ست عشرة سيارة بمختلف الأحجام والمواصفات، ثم ناولني منشوراً يوضح مواصفات كل سيارة، يعمل السائقون معي بنظام الساعة، والحد الأدنى لراتب السائق خمسة عشر دولارا أستراليا بالساعة، أي حوالي خمسين ريالاً سعودياً، وجميع السائقين من استراليا وأكثرهم متعاونون وخصوصا في عطلة نهاية الأسبوع حيث تزداد الحاجة لكثرة العمل.

المثال الثالث هو لعامل نظافة حدثني عنه أحد الطلبة حيث قال: جاري يعمل في البلدية، يسمونه أخصائي بيئة، رجل متعلم ويستلم راتباً يعادل راتب أستاذ الجامعة، يسكن في منزل مكون من أربع غرف نوم، ولديه سيارتان إحداهما جديدة، يشترك معنا في النادي الرياضي ويرسل أبناءه لنفس المدارس، ويفخر بما يعمل، يقود سيارة النظافة بنفسه ويفرغ الحاويات دون أن ينزل من السيارة، بل يمتد ذراع من داخل السيارة ويفرغ المحتويات داخل السيارة ثم يعيد الحاوية إلى مكانها، يخرج الساكنون حاويات القمامة مرة واحدة في الأسبوع فقط، وحاوية أخرى للمواد المعاد تصنيعها يخرجونها مرة واحدة كل أسبوعين.

لقد آمنت بعد ذلك أن الإسراع في وضع حد أدنى للرواتب، وتمكين المرأة من العمل، وإقفال باب الاستقدام، تعدّ من أهم العوامل لمحاربة البطالة والفقر.

هل يلاحظ المبتعثون مثل هذه الممارسات ويعودون بها إلى بلادهم ليستفيدوا مما يرونه في الحياة العامة وفي الجامعات وفي مدارس أبنائهم؟ أم يعودون بشهادات علمية فقط، خالية من ثقافة البلد المضيف وطريقة تفكيره وممارساته.

المبتعثون والمبتعثات وزملاؤهم طلبة الجامعات في الداخل هم من سيسيرون بهذا الوطن الحبيب إلى مصاف الدول المتقدمة، سيكون منهم الوزير ووكيل الوزارة ومعلم التعليم العام وأستاذ الجامعة، هم الذين سينهضون باقتصاد البلد بإذن الله، وسيحاربون الفقر والفساد والبطالة، كل مجتهد طموح سواء أكان طالبة أو طالباً، في الداخل أو الخارج، في الجامعات أو كليات التقنية، هم أمل البلاد وسرّ تقدمها.