• انت الآن تتصفح عدد نشر قبل 557 أيام

الفرص لا تتكرر

عبدالله عبدالكريم السعدون

    كم أرثي لحال كلّ من أخذ معه أسوأ ما في ثقافته، بكل ما فيها من كسل وقناعة، واستهانة بالوقت والعمل، وعزوف عن القراءة والرياضة، وإهدار للصحة والمال، أخذ معه أسوأ ما في مجتمعه وماضيه من متناقضات، وحاول أن يتأقلم معها في عالمه الجديد

كم تمنيتُ أن أكون مبتعثا بعد تخرجي من المرحلة الثانوية في بداية السبعينيات من القرن الماضي إلى إحدى دول العالم الأول، لكن لم يحالفني الحظ، طرقت أكثر من باب، لكن الفرص كانت قليلة، والأبواب توصد بسرعة لقلة المقاعد المتاحة.

كم أرثي لحال كل مبتعث تهيأت له الفرص ولا يعود إلى الوطن بأفضل ما لدى الدول التي ابتعث إليها من عوامل بناء الحضارة،، خصوصاً أن وزارة التعليم العالي قد اختارت جامعات الدول المتقدمة وصنفتها بحثاً عن الأفضل، وتكفلت الدولة بتكاليف الدراسة، وحسّنت الرواتب.

في مطعم متواضع خدمني طالب من فيتنام لا يتعدى عمره الثانية والعشرين، كان أحد العاملين في المطعم، لا تفارق الابتسامة محياه، أخبرني أنه يدرس في الجامعة ويعمل بالليل حتى يؤمن تكاليف دراسته وسكنه، كان سعيداً ولم تفارق الابتسامة محياه، مما جعلني أعود لنفس المطعم أكثر من ليلة وأشكر رئيسه على توظيفه.

كم أرثي لحال كل مبتعث من أبنائنا يضيع وقته في المقاهي، أو يتقوقع على نفسه في شقق تفوح منها روائح الطبخ، واجترار الماضي بكل متناقضاته، بينما تعج جامعاتهم، ومدنهم بالنشاطات العلمية والثقافية والرياضية والاجتماعية، مما يفوت على المبتعث فرصة لا تتكرر لاكتساب ثقافة تعد من أهم أسباب تقدم الأمم، ومن أهم دواعي ابتعاثهم.

كم أرثي لحال كلّ من أخذ معه أسوأ ما في ثقافته، بكل ما فيها من كسل وقناعة، واستهانة بالوقت والعمل، وعزوف عن القراءة والرياضة، وإهدار للصحة والمال، أخذ معه أسوأ ما في مجتمعه وماضيه من متناقضات، وحاول أن يتأقلم معها في عالمه الجديد، بل ويعض عليها بالنواجذ.

دعيت في إحدى مدن أستراليا إلى مطعم مكتظ بالزبائن، لا يمكن الحصول فيه على طاولة إلا بحجز مسبق، عرفت سرّ نجاحه حين أشار مضيفي إلى صاحب المطعم الذي كان يقوم بمسح الطاولة المجاورة، قال مضيفي: بل إنه إذا لم يجد عملا يقوم بغسل الصحون في الداخل، حمل إلينا صاحب المطعم أحد الأطباق وحيّانا وتحدث إلينا، غادرنا مسرعاً إلى الطاولة المجاورة، كان ينتقل من طاولة إلى اخرى وكأن كل زبون عنده هو أهم الزبائن. أشار مضيفي إلى زوجته التي لا تقل عنه نشاطاً، وحيوية وأريحية. قال مضيفي: هذا الذي تراه عاملا في المطعم يملك الملايين ولديه مطعم آخر تعمل فيه اخته وزوجها ويلقى نفس النجاح.

عاد إلينا بعد أن خف العمل وتفرق الزبائن، سألته: ما سر تعلقه بالعمل رغم عدم حاجته إلى ذلك؟ أجاب: لا يستقيم العمل إلا بوجود صاحبه وخصوصاً ما له علاقة برضا الناس، وأضاف: العمل يهبني الصحة والنشاط والحيوية، ولقد توارثنا هذا العمل منذ كنا في إيطاليا، كان أبي يردد دائماً:عيناك أفضل رقيب على مالك، وأهلك أفضل معين لك في عملك، في هذا المطعم الكبير لا يوجد لدي مكتب، المكتب للمدير فقط، أما أنا فلست المدير.

الملاحظة الثانية كانت مع سائق السيارة التي استأجرتها من مدينة نيوكاسل إلى مدينة قولدن كوست في استراليا، كان السائق في غاية الأدب والأناقة، حمل حقيبتي ووضعها في السيارة، بعد أن عرفته جيداً سألته كم يدفع له في الساعة مقابل هذا العمل؟ أجاب: أنا صاحب الشركة، تساعدني زوجتي في المكتب وترد على اتصالات الزبائن وترتب الجداول، لدي ست عشرة سيارة بمختلف الأحجام والمواصفات، ثم ناولني منشوراً يوضح مواصفات كل سيارة، يعمل السائقون معي بنظام الساعة، والحد الأدنى لراتب السائق خمسة عشر دولارا أستراليا بالساعة، أي حوالي خمسين ريالاً سعودياً، وجميع السائقين من استراليا وأكثرهم متعاونون وخصوصا في عطلة نهاية الأسبوع حيث تزداد الحاجة لكثرة العمل.

المثال الثالث هو لعامل نظافة حدثني عنه أحد الطلبة حيث قال: جاري يعمل في البلدية، يسمونه أخصائي بيئة، رجل متعلم ويستلم راتباً يعادل راتب أستاذ الجامعة، يسكن في منزل مكون من أربع غرف نوم، ولديه سيارتان إحداهما جديدة، يشترك معنا في النادي الرياضي ويرسل أبناءه لنفس المدارس، ويفخر بما يعمل، يقود سيارة النظافة بنفسه ويفرغ الحاويات دون أن ينزل من السيارة، بل يمتد ذراع من داخل السيارة ويفرغ المحتويات داخل السيارة ثم يعيد الحاوية إلى مكانها، يخرج الساكنون حاويات القمامة مرة واحدة في الأسبوع فقط، وحاوية أخرى للمواد المعاد تصنيعها يخرجونها مرة واحدة كل أسبوعين.

لقد آمنت بعد ذلك أن الإسراع في وضع حد أدنى للرواتب، وتمكين المرأة من العمل، وإقفال باب الاستقدام، تعدّ من أهم العوامل لمحاربة البطالة والفقر.

هل يلاحظ المبتعثون مثل هذه الممارسات ويعودون بها إلى بلادهم ليستفيدوا مما يرونه في الحياة العامة وفي الجامعات وفي مدارس أبنائهم؟ أم يعودون بشهادات علمية فقط، خالية من ثقافة البلد المضيف وطريقة تفكيره وممارساته.

المبتعثون والمبتعثات وزملاؤهم طلبة الجامعات في الداخل هم من سيسيرون بهذا الوطن الحبيب إلى مصاف الدول المتقدمة، سيكون منهم الوزير ووكيل الوزارة ومعلم التعليم العام وأستاذ الجامعة، هم الذين سينهضون باقتصاد البلد بإذن الله، وسيحاربون الفقر والفساد والبطالة، كل مجتهد طموح سواء أكان طالبة أو طالباً، في الداخل أو الخارج، في الجامعات أو كليات التقنية، هم أمل البلاد وسرّ تقدمها.


حفظ طباعة تكبيير
قيّم هذا الموضوع
 

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الرياض" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر، وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى الضغط على زر "التنبيه" أسفل كل تعليق

عدد التعليقات : 20
(جديد) ترتيب التعليقات : الأحدث أولا , الأقدم أولا , حسب التقييم
عفواً ترتيب التعليقات متاح للأعضاء فقط...
سجل معنا بالضغط هنا
  • 1

    نصيحتي للمبتعثين..ان يحاولوا..الاختلاط بقدر مايقدرون بالاجانب..خلي ثقتهم بنفسهم كبيرة..ويبعدوا عن التكتل على بعض..والانطواء..خلهم ياخذوا خبرة بالحياة..والسعوديين لاحقين عليهم..(والله ياشيخ عبدالله اني اتابع مقالاتك باهتمام ويشدني فيها قوة الرسالة وانسياب الافكار وجزالة طرح)...ونبي منك اكثر ترا..

    فيرساتشي (زائر)

    UP 0 DOWN

    03:20 صباحاً 2010/08/15

  • 2

    كم أرثي لحال كل مبتعث من أبنائنا يضيع وقته في المقاهي، أو يتقوقع على نفسه في شقق تفوح منها روائح الطبخ، واجترار الماضي بكل متناقضاته، بينما تعج جامعاتهم، ومدنهم بالنشاطات العلمية والثقافية والرياضية والاجتماعية، مما يفوت على المبتعث فرصة لا تتكرر لاكتساب ثقافة تعد من أهم أسباب تقدم الأمم، ومن أهم دواعي ابتعاثهم.
    هذا الي حاصل للأسف

    الرياض83

    UP 0 DOWN

    05:12 صباحاً 2010/08/15

  • 3

    شكرا استاذي.. عبدالله السعدون..
    فعلا كلام جميل

    محمد بن صالح الصانع

    UP 0 DOWN

    06:32 صباحاً 2010/08/15

  • 4

    المبتعثون والمبتعثات وزملاؤهم طلبة الجامعات في الداخل هم من سيسيرون بهذا الوطن الحبيب إلى مصاف الدول المتقدمة، سيكون منهم الوزير ووكيل الوزارة ومعلم التعليم العام وأستاذ الجامعة، هم الذين سينهضون باقتصاد البلد بإذن الله، هم أمل البلاد وسرّ تقدمها.

    علي (زائر)

    UP 0 DOWN

    11:04 صباحاً 2010/08/15

  • 5

    استاذي العزيز/ ابو نايف، تشرفت بمرافقتك عندما نزلت علينا ضيفاً خفيف الدم، لقد عادت علي الأوقات التي كنت فيها بصحبتك بالكثير من الفوائد، فقد وضعت خطة لممارسة الرياضة، وحفظ القرآن بشكل يومي، ولقد بدأت جدياً في البحث عن وظيفة في مجال دراستي. أستاذي العزيز أبو نايف، جزاك الله خير على كل الدقائق والملاحظات والنصائح التي قدمتها لأبنائك في استراليا.

  • 6

    أشكرك على هذا الكلام الأكثر من رائع وهذا ماياحاكيه الواقع من احوال المبتعثين من أبنائنا، لإنهم يرون مجتمع مختلف اختلاف جذري عن مجتمعاتهم التي عاشوا فيها لذلك إما أن يتقوقعوا وإما ان ينفرطوا بتقليد هذا المجتمع.

    أم علياء (زائر)

    UP 0 DOWN

    12:11 مساءً 2010/08/15

  • 7

    أرى أن هذا هو أفضل ما يمكن كتابته عن "السعودة"
    سلمت يمينك أستاذي عبدالله السعدون
    وأتمنى أن يأتي اليوم الذي يعمل فيه صاحب العمل السعودي بيده مع اخوانه وأصدقائه...وليتأكد الجميع أن هذا اليوم هو نفسه الذي لن يحتاج المجتمع السعدوي للعمالة الأجنبية

  • 8

    شكرا وجزاك الله خيرا
    المشكله ان الابناء اليوم يقلدون آبائهم الذين اصابهم الكسل
    واقعدهم الشعور بالنقص عن العمل
    من يصدق ان وافده تقوم بخدمة اهل البيت في كل الامور
    وان السائق يقوم بدور الاب المتبلد بالجهل والاتكاليه
    والمربية صارت الام والقدوه
    وغياب للقدوه في جميع الاماكن والمناصب
    والمسئول سمته غير مؤثر

    النصارالنصار (زائر)

    UP 0 DOWN

    01:36 مساءً 2010/08/15

  • 9

    شكرا جزيلا على طرحك القيم... ارجو من الله ان يغير علينا ما هو أفضل.بعكس ما يقوله الكثير من الناس (الله لايغير علينا) لكن يغير علينا العادات المشينه التى كادت ان تكون طباعا حسنه ان يغيرها للافضل وان يبارك لنا فى شبابنا وان يرزقنا البصيره التى نظن اننا شعب قد رزق البصيره من فطرته. بدون ان ندركها!!

    عادل السعدون (زائر)

    UP 0 DOWN

    01:40 مساءً 2010/08/15

  • 10

    تذكرت سليمان ألراجحي ومشروع الربيان بالليث عندما زارهم الملك عبدالله وتفاجاء بدقة ألوصف والشرح عن سيرة المشروع وتطلعاته.عندها قال الملك ياسليمان أنت وشن أنت مزارع وإلامهندس وإلاتاجر؟رد سليمان لاوالله فقط أحط يدي مع الجميع وأتعلم منهم ثم يتعلمون ألابناء(طال عمرك العامل والمهندس ينبسط عندما يري صاحب..

    عبدالله (زائر)

    UP 0 DOWN

    02:01 مساءً 2010/08/15

  • 11

    رحمك الله لا تدمي قلوب العباد

    UP 0 DOWN

    02:38 مساءً 2010/08/15

  • 12

    كلام صاحب المطعم يعكس الروح الجميلة التي كانت في كبار السن عندنا فهم يعملون بجد وكفاح حتى آخر يوم من حياتهم ويرون اهمية متابعة الحلال بانفسهم ويقولون : (الحلال اللي ماله والي يضيع ).
    أين هذه الهمة والنشاط والحماس من هذا الجيل ؟!
    لابد من معرفة الاسباب ومعالجتها قبل ان يهرم الشاب في الثلاثين من كسل

    تميم (زائر)

    UP 0 DOWN

    03:38 مساءً 2010/08/15

  • 13

    كلام يسطر بماء الذهب جسد فيه الكاتب وفقه الله لنماذج من المجتمع الطموح و الذي يعي حقيقة الجد و العمل و كيفية خلق فرص النجاح المتعددة.
    و انا على يقين ان تلك المقالات ستؤثر في شبابنا و تمنحهم الثقة بالنفس و سنجني ثمارها في القريب العاجل.
    ادعو الله ان يهدي شباب المسلمين الى ما يحب و يرضى و ان يجنبهم الفتن ما ظهر منها و ما بطن.

  • 14

    أخي الكريم كلامك حميل ومنطقي للغاية.وكنا هدفنا في السابق ذلك الهدف الذي تنشده الان...!! لكن نحن الآن قد ذقنا طعم المادة. وتعودنا على الراحة والتتاكل. وتصافق ابناء مجتمعنا بين الحقيقة والواقع. وشاهدوا باعينهم نهب الثروات
    بطريقة أو باخرى فكيف تريد منهم ذلك المبتغى. نقول وهم يشاهدون

    albasheg (زائر)

    UP 0 DOWN

    05:35 مساءً 2010/08/15

  • 15

    أثابك الله على نصائحك للراغبين في الدراسةبالخارج.
    فالشباب إذالم تكن عزيمتهم قوية لتحقيق النجاح بكل أبعاده،كانت النتائج خسارة للفرد والمجتمع !
    الشباب يحتاجون إلى دورات مكثفة قبل الابتعاث للخارج حتى لايصابون بالصدمة الحضارية وتكون المحصلة نتائج متدنية أو العودة للوطن صفر اليدين !
    قصصك مؤثرة.

    نجد عبدالله (زائر)

    UP 0 DOWN

    05:54 مساءً 2010/08/15

  • 16

    نعم في الجد والإجتهاد يحقق الأمل ,, الله يرحم والدتك كم كانت امرأة طموحة تمارس تجارة البيع في غرفة بجوار منزلها ولم تعده امرآ محرجآ وهاأنت تعكس وتتوارث ادب الاجتهاد والجد منها اسكنها الله فسيح جناته.

    فوق السحاب (زائر)

    UP 0 DOWN

    07:47 مساءً 2010/08/15

  • 17

    مقال اكثر من رائع...
    خصوصاً جملة...
    كان أبي يردد دائماً:عيناك أفضل رقيب على مالك، وأهلك أفضل معين لك في عملك، في هذا المطعم الكبير لا يوجد لدي مكتب، المكتب للمدير فقط، أما أنا فلست المدير.
    وفقك الله استاذي الفاضل

  • 18

    احسنت وابدعت كعادتك
    ونحن متفائلين خيرا بجهود وخطوات خادم الحرمين حفظه الله

    عبدالرحمن السليم (زائر)

    UP 0 DOWN

    09:44 مساءً 2010/08/15

  • 19

    إستاذي عبدالله نحن بحاجة إلى نهظة ثقافية إجتماعية حتى نصل إلى ما وصل إليه الاخرون و أرى في هذا الشيء صعوبة... حيث عندما يتم تعيين وزير للشؤون الاجتماعية فإنني دائما أتسأل كيف كانت بيئة هذا الوزير المادية ؟بطبع الاجابة سوف تكون في بيئة مترفة لم يخالط فيه أي فقير كيف نضع وزير لم يحمل هموم المجتمع.

    حسين أحمد الخليفة (زائر)

    UP 0 DOWN

    12:57 صباحاً 2010/08/16

  • 20

    مساء الخير إستاذ عبدالله..
    مقال رائع جداً..
    وجدير بالذكر إن الفرص لاتتكرر
    والفرصة لاتأتي الا مرة واحدة بالعمر..
    والشغل ماهو عيب العيب في العلوم الردية بس من يعرف هذا الكلام والمنطق الحكيم..
    أنا من المؤيدين لهذة الأعمال المهنية البسيطة..
    لكن مجتمعنا لايرحم قد يكون جزء من الشعب غير متقبلين لهذة الوظائف البسيطة التي رأس مالها لايتعدا 2500 ريال كحد أقصى..
    بالبعض لدية الجرأة إن يعمل لكن ليس لدية الشجاعة لتدفعه للعمل وذلك بسبب التخلف الذي يحاربنا...
    شاكر لك :::




التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له

 

إعلانات



الخيارات

للتواصل ارسل SMS إلى الرقم 88522 تبدأ بالرمز (293) ثم الرسالة

إعلانات