• انت الآن تتصفح عدد نشر قبل 561 أيام

الجانب الأبيض

هل إسلامنا صالح لكل زمان ومكان؟

محمد الصوياني

    عبارة عذبة كالمطر.. لكن بعضهم كلما أراد إثباتها بدأ بالتفتيش في دفاتر ذلك العالم أو ذاك، وكأن العالِم إذا مات يتحول إلى نص مقدس. متناسياً أن هؤلاء العلماء، رحمهم الله، أبناء ظروفهم، ونتاج أيامهم والأحداث المحيطة بهم، وهم قبل ذلك تلاميذ تلاميذ محمد صلى الله عليه وسلم. لا أدري لم كل هذا الولع بالتقليد، وكأن القرآن قد رفع، والسنة لم تعد موجودة! لم يتعبدنا سبحانه بمذهب من المذاهب، والنبع (القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة) مازال موجوداً، وما زلنا نستطيع الوصول إليه.

مكث عليه السلام في مكة عشر سنوات لم يطالب سوى بالتوحيد، لم يكن يملك سلطة ولا سيفاً. لم يكن يملك سوى الإقناع والكلمة الطيبة، وعندما أسس دولته أسسها أيضاً بالإقناع، ثم نزلت عليه التشريعات، لأنه لم يعد مسؤولاً عن نفسه أو عن عشرات الأفراد فقط، أصبح مسؤولا عن شعب، فقام بتنظيم حياتهم ورسم مستقبلهم وحفظ أمنهم ومكتسباتهم والاهتمام بصحتهم وتعليمهم وتثقيفهم، فأضاء القرآن البيوت بمواضيعه العقائدية والفكرية والسياسية والاقتصادية والعبادية والعسكرية والنفسية والتربوية والاجتماعية.. لكن: هل قيام الدولة الإسلامية وتشريعاتها الراقية في المدينة ألغى كل ما في مكة من تدرج وسماحة وإقناع وحرية رأي..؟ هل الإسلام إذا تحول إلى دولة يصادر ذلك الجمال؟.

قد يتوصل المقلدون إلى هذا الحكم؛ لأن التقليد يلغي النص والعقل معاً حتى إن أحد المقلدين بلغ به ضيق الأفق أن يقول: (كل آية تخالف ما عليه أصحابنا (أي تخالف مذهبنا) فهي مؤولة أو منسوخة (أي الغي حكمها) وكل حديث كذلك فهو مؤول أو منسوخ، هذا القول الممجوج يعني الاستغناء عن النص لصالح مذهب، وهو لا يختلف عمن يقدم الإسلام للعالم من خلال شيخه، أو حزبه، أو جماعته، أو حتى دولته، أما من يخرجون من هذا الضيق نحو سعة النص وحريته وآفاقه الرحبة.

يجدونه عليه السلام يحكم شعباً مختلف الطوائف يهوداً ونصارى ووثنيين ومسلمين، فحرص أولاً وقبل كل شيء على أن يعدل بينهم، فالعدل هو رسالة أنبياء الله كلهم.. قال تعالى: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط) فالحاكم من دون عدل لن يتمكن من إقناع الناس ولو كان أبلغهم أو أعبدهم أو أكثرهم ثقافة واطلاعاً.

واصل عليه الصلاة والسلام الإقناع والتبشير برسالته تحت مظلة العدل. فعل ذلك من دون أن يبني سجناً، وبعد أن قويت دولته واشتد عودها قدم مفاجئة لأولئك الذين يقدمون الإسلام للآخرين جملة واحد بالغة السطحية. يرسل معاذاً إلى اليمن فيقول له: (إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمنهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمنهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) صحيح مسلم.

حديث يكشف عن منتهى الحرية فهذه الأركان الثلاثة لا تقدم دفعة واحدة، وقبولها مرتهن بحريتهم (فإن هم أطاعوك) هذا يعني أنهم إن لم يطيعوك، فاكتف بما قبلوه.

قد يقول قائل: من أين فهمت ذلك؟ والجواب يشرق من قصة أخرى عجيبة حدثت بعد أن دانت الجزيرة العربية كلها بالإسلام، وتقاطرت وفودها وزعماؤها يقدمون بيعتهم وانضمامهم رسمياً له.. تأتي قبيلة ثقيف مختارة فتبايع ولكنها (اشترطت على النبي صلى الله عليه وسلم أن لا صدقة عليها ولا جهاد) - «صحيح أبي داود للألباني» فوافق عليه السلام.

نحن هنا لسنا نتحدث عن التدرج في الدعوة فقط، بل عن عهود ومواثيق سياسية ملزمة، ولذلك لم يحارب أبو بكر أهل الطائف بل حارب مانعي الزكاة، لأن من منعوها كانوا أناسا بايعوا النبي ودخلوا في دولته باختيارهم ومن دون شروط ومن دون أن يرغمهم أحد، ففعلهم ليس أكثر من حركة تمرد.

لو لم يكن الإسلام حقاً ومقنعا، ولو لم يكن عليه السلام واثقا من وعد ربه لما فعل ما فعل، بهذا الهدي النبوي من التدرج والعدل والإقناع وحفظ العهود يصبح الإسلام أجمل في كل زمان ومكان.


حفظ طباعة تكبيير
قيّم هذا الموضوع
 

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الرياض" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر، وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى الضغط على زر "التنبيه" أسفل كل تعليق

عدد التعليقات : 34
(جديد) ترتيب التعليقات : الأحدث أولا , الأقدم أولا , حسب التقييم
عفواً ترتيب التعليقات متاح للأعضاء فقط...
سجل معنا بالضغط هنا
الصفحات : 1  2  >>   عرض الكل
  • 1

    نالت فتوى الشيخ صالح العثيمين رحمه الله بتحريم (الدشوش) من التشنيع والتحريض الشيء الكثير مع أنه رحمه الله حين أطلق فتواه كانت القنوات الغربية والقنوات الإباحية تملاء الفضاء ولم تكن إذاك قناة عربية فضلاً عن إسلامية ولو كان الشيخ بننا الآن لغير فتواه هي دعوة للتأمل وعدم الإستعجال.

    فهد عثمان الحميدي (زائر)

    UP 1 DOWN

    03:57 صباحاً 2010/07/30

  • 2

    ما أجمل ماتخط أناملك وليتنا نراها تفعل ذلك يوميا.
    حفظك الله ورفع منزلتك وجعل بعض الأقلام في هذه الصحيفة تحذو حذوك

  • 3

    أما قولك أن النبي صلى الله عليه وسلم وافق ثقيف على ترك الجهاد والصدقة فهذا غير صحيح ,, وإنما الذي ورد هو فوله عليه الصلاة والسلام عن ثقيف ( سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا ) إذ لا يقبل إسلام أحد إذا رد شيئا من شرائع الإسلام. يقول الله تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ [البقرة : 208]

    aso111

    UP 0 DOWN

    04:17 صباحاً 2010/07/30

  • 4

    نعم نعم يصلح في كل مكان وزمان ولكن هناك فئة مهي فاهمة الاسلام

    MUTRAFI-H (زائر)

    UP 1 DOWN

    04:56 صباحاً 2010/07/30

  • 5

    الله عليك يا ابا عمر اين نحن من ذاك الزمن نحن في زمن هل انت معنا أو ضدنا. لكن نجمد الله على نعمة الاسلام، والله المستعان. وفقك الله

    ابو فيصل (ش) (زائر)

    UP 0 DOWN

    05:14 صباحاً 2010/07/30

  • 6

    1-أنا أتمنى والله أن يقول الكاتب منكم ماعنده تجاه القضية دون هجوم على الآخرين من علماء ودعاة وغيرهم كما أتمنى أن نستطيع الإستغناء عن المصطلحات الغريبه كالنص المقدس.. آيات القرآن هي نصوص مقدسة وكذلك أحاديثه صلى الله عليه وسلم.. هذه الكلمة التي يحشرها البعض منكم في مقاله بالقوة ليتباها بقولها (يتبع

    خالد آل حواش (زائر)

    UP 1 DOWN

    05:37 صباحاً 2010/07/30

  • 7

    أخ محمد تمنيت أن أكملت الحديث الذي فيه اشتراط وفد ثقيف، ففيه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( سيجاهدون وسيتصدقون إذا أسلموا ) وإنما قبل منهم كلامهم لأن الجهاد والصدقة ليست فرضاً عليهم حالاً وإنما عند توفر شروط،ولم يمتنع أهل الطائف عن الجهاد أو الصدقة حتى يقاتلهم أبو بكر أو المسلمون !

    بدر (زائر)

    UP 0 DOWN

    05:37 صباحاً 2010/07/30

  • 8

    2-( النص المقدس) هذه العبارة الغربية يطلقها الغربيين على نصوص الإنجيل المحرف كماتعلم.. فهل عندنا إنجيل أو توراه.. لدينا قرآن وهذا هو نصنا المقدس.. أتركوا ماليس لنا من مصطلحات وسموا الأشياء بأسمائها ودعوا عنكم التقليد الأعمى.

    خالد آل حواش (زائر)

    UP 2 DOWN

    05:41 صباحاً 2010/07/30

  • 9

    3- ثم مالداعي لمثل هذا القول (كانوا أناسا بايعوا النبي ودخلوا في دولته باختيارهم ومن دون شروط ومن دون أن يرغمهم أحد) لماذا تحاولون تصويرالشعب السعودي أو العلماء والدعاة على أنهم ماسكين أسلحة مصوبة على رؤوس الآخرين لعرض إرغامهم على الإسلام ؟؟؟

    خالد آل حواش (زائر)

    UP 2 DOWN

    05:46 صباحاً 2010/07/30

  • 10

    لا مقارنه بين دولة الرسول والدوله الحاليه.
    حيث احل رابطة الإخاء ورابطة الدين محل رابطة القبيلة والعصبية القبلية مصداقًا لقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}
    نتيجة ذلك أن تكونت (أسرة إسلامية) واحدة فلا حمية إلا للإسلام، وسقطت فوارق النسب وتحققت وحدة المدينة في التعاون والاتحاد.

    حمود (زائر)

    UP 2 DOWN

    06:18 صباحاً 2010/07/30

  • 11

    اقتباس
    - فهذه الأركان الثلاثة لا تقدم دفعة واحدة، وقبولها مرتهن بحريتهم
    تعليق
    - تقصد ان اركان الاسلام يمكن ان تكون ثلاثة او حتى ركن واحدطالما الامر متعلق بالحرية استشهاد فى غير محله بعد ان اكمل الله لنا ديننا واتمم علينا نعمته ورضى لنا الاسلام دينا

    عبدالله ابو محمد‏ (زائر)

    UP 1 DOWN

    06:23 صباحاً 2010/07/30

  • 12

    رااائع يا استاذي الغالي
    اللهم صلى وسلم على نبينا وقدوتنا محمد بن عبدالله

    سلملم الرزين

    UP 1 DOWN

    06:36 صباحاً 2010/07/30

  • 13

    ياسلام عليك يا استاذي احمد ربي اني كنت طالب من طلابك
    مقالك في الصميم
    وفقك الله لما يحبه ويرضااه
    محمد عبدالله السبيعي

    محمد عبدالله السبيعي (زائر)

    UP 1 DOWN

    07:22 صباحاً 2010/07/30

  • 14

    السلام عليكم
    الفعل متى مافعل فحكمه واحد في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وحتى الان ,,والاسلام صالح لكل زمان ومكان لانه لايقف حاجزا ابدا امام تحقيق مصلحه فالنظم تتغير وتتجدد ويبقى الاسلام منظم ثابت ,احكامه ثابته ونظمه متجدده حسب المصلحه والله اعلم

    حزين والحمدلله (زائر)

    UP 1 DOWN

    08:10 صباحاً 2010/07/30

  • 15

    نعم وبالتأكيد
    واذا لم يصلح فليس خطاء من اسلامنا بال الخطاء منا

    سعد ال شمري (زائر)

    UP 1 DOWN

    08:27 صباحاً 2010/07/30

  • 16

    بارك الله فيك وفي علمك.

    رضيمان

    UP 1 DOWN

    09:17 صباحاً 2010/07/30

  • 17

    استاذ محمد :
    يقول الشيخ الدكتور عبدالعزيز المقحم شفاه الله وعافاه مما اصابه , يقول
    لايصلح الزمان ولا المكان الا بالاسلام

    د/سليمان (زائر)

    UP 1 DOWN

    09:49 صباحاً 2010/07/30

  • 18

    هو صَالح فعلاً.. لكن نحن لسنا صالحين بمايكفي لجعله
    متناسب لكل زمان ومكان..
    الصلاح يشترط وجود كفتين متساويتين بالإصلاح حتى يكَون
    متوازن..
    إذاً لا توازن بنتهاكنا حرمات الصلاح تلك وتحميلها
    الخزعبالات وماتهواه الانفس.. وفي النهاية لا يجب اننا نقول أننا صالحين على وجه الكمال لا يصح ليس عدلاً

    sun (زائر)

    UP 0 DOWN

    10:25 صباحاً 2010/07/30

  • 19

    تحية طيبة/ الجواب على سؤالك نعم و بتأكيد

    عيد الرحمن السعدي (زائر)

    UP 1 DOWN

    10:45 صباحاً 2010/07/30

  • 20

    ((لو لم يكن الإسلام حقاً ومقنعا، ولو لم يكن عليه السلام واثقا من وعد ربه لما فعل ما فعل، بهذا الهدي النبوي من التدرج والعدل والإقناع وحفظ العهود يصبح الإسلام أجمل في كل زمان ومكان.))
    .
    .
    .
    المقتبس اعلاه هو زبدة الموضوع
    مشكلة الإسلام جهل ابناءه بالفهم والتطبيق، حتى اصبحت تصرفاتنا تصد الناس عن اعتناق دين الإسلام.
    ان قلنا (دين النظافة).. ردوا علينا بصور حية لممارساتنا
    ان قلنا( دين السلام).. ردوا علينا بصور حية
    ان قلنا(دين العدل والتسامح).. ردوا علينا
    فأين الخلل؟
    يجب ان نصلح انفسنا اولا!

الصفحات : 1  2  >>   عرض الكل



التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له

 

إعلانات




الجانب الأبيض

محمد الصوياني

الخيارات

عرض الأرشيف
RSS محمد الصوياني
البحث في الأرشيف

إعلانات