الأربعاء 16 شعبان 1431 هـ - 28 يوليو 2010م - العدد 15374

إليك في الغربة

عبدالله عبدالكريم السعدون

    لن أتحدث في هذا المقال عن برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث، فقد سبقني إليه الكثير من الكتّاب، فهو واحد من أهم البرامج التي أمر بها خادم الحرمين للنهوض بالمواطن والوطن. وتعد وزارة التعليم العالي من أهم الوزارات التي استفادت من الوفرة المالية التي تعيشها المملكة، سواء في زيادة أعداد المبتعثين ، أو في مضاعفة عدد الجامعات ثلاث مرات على الأقل، وتوزيعها بشكل عادل بين مناطق المملكة المتباعدة، مما أسهم في تنمية تلك المناطق، والحد من الهجرة للمدن الكبيرة، وفي تحقيق أحلام الكثير من أبناء وبنات هذا الوطن وهي الالتحاق بالتعليم الجامعي، ولو عملت كل وزارة ومصلحة حكومية مثل ما فعلت وزارة التعليم العالي لأصبحت المملكة من الدول المتقدمة خلال سنوات.

حينما تبتعث الدول أبناءها وبناتها إلى الدول المتقدمة، فإنها تطمح إلى تلاقح العقول والأفكار، وإلى الاستفادة مما لديهم من عناصر القوة، فهل ستؤدي الأمانة وتصعد بوطنك إلى مصاف الدول المتقدمة؟ أم تبقى بلادك ضمن الدول النامية إلى أن يشاء الله؟ ليكن طموحك بحجم مساحة وطنك، وأحلامك عالية بعلو منزلته.

سأتحدث إليك أيها المبتعث للخارج، وكأنني أراك وقد حملت حقيبتك على ظهرك وسرت بين ممرات الجامعة من محاضرة إلى أخرى، ومن معمل إلى آخر، أراك وقد أخذت مجلسك بجانب شباب أو شابات، بعضهم من أهل البلد والبعض الآخر من دول أخرى كالصين واليابان. وسوف أقول لك بعض ما قلته لابني الذي ابتعث إلى الولايات المتحدة قبل عشر سنوات: تذكر الحكمة التي تقول"أنت لا تضع قدمك في النهر مرتين" أي أن هذه الفرصة لن تتاح لك إلا مرة واحدة، بل إنك لا تعيش في هذه الدنيا سوى مرة واحدة، فلا تضيعها في التجارب الفاشلة وستجد الكثير من النماذج الناجحة والفاشلة أيضا. اقرأ سير الناجحين التي دونوها في صفحات الكتب، فابحث عنها وحاول أن تستفيد منها، وأنت واحد من المحظوظين الذين أتيحت لك الفرصة فلا تضيعها.

عليك بالوسطية والاعتدال، فلا هو تفريط يقود للمعاصي والشهوات، ولا هو غلو يشلّ تفكيرك ويعزلك عن الحياة العامة ومباهجها المباحة، ويقفل عليك أسباب النجاح. تذكر أن الدين يسر وأنك في عبادة ما حسنت النيّة، وأنك تسعى لمزيد من القوة في كل مناحي الحياة، فالعلم والمعرفة هما سلاح هذا الزمان وكل زمان، والقوة الحقيقية هي فيك أنت، في عقلك وروحك وبدنك وعقيدتك ومالك. عليك بأفضل هواية وأكثرها فائدة "القراءة" فلا تتقدم الأمم إلا بها، ولن تجد أفضل منها لشغل وقت فراغك، وهي الطريق إلى الامتياز في أدائك، وإن لم تصدقني فاسأل الجالس إلى جانبك إن كان من المتفوقين كم من الوقت يمضيه داخل المكتبة؟ القراءة ستنير لك طرقا كثيرة لكي تسلكها، القراءة ستوسع آفاقك الضيقة، وستعيد رسم أولوياتك بشكل أفضل.

أنت لم تذهب إلى هناك لتنال الشهادة فقط، فالمادة العلمية هي المادة، الرياضيات هي الرياضيات في كل جامعة، لكن من المهم أن تعرف قيم الجامعة التي التحقت بها، والأهم هو أن تعرف أسباب قوتهم، والتي تتمثل في ثقافة مختلفة، ثقافة تحترم الوقت وأهميته، وتقدس العمل وتعطيه ما يستحقه من جهد وإتقان وبروح الفريق، ثقافة تؤمن أن المعرفة لا تكتسب إلا بالتفكير العميق والبقاء ساعات وساعات في المعامل وبين رفوف المكتبات، أهم عناصر القوة لديهم عقولهم المتفتحة التواقة إلى المعرفة، وإياك أن تخجل من طرح الأسئلة أو طلب المساعدة فذلك دليل القوة والثقة بالنفس في ثقافتهم.

لا تنسَ نصيبك من الرياضة فإن لبدنك عليك حقاً ولنفسك عليك حقاً، الرياضة بالنسبة لهم أسلوب حياة ، وعنصرا مهماً لقضاء الوقت فيما هو مفيد، وعلاج لكثير من أمراض العصر، الجسمية والنفسية.

ستجد لديهم قيماً كثيرة هي التي ساهمت في وصولهم إلى ما هم فيه من تقدم ورخاء، فاحرص على معرفتها والعودة بها إلى بلدك، حذار أن تعود بأسوأ ما عندهم، المخدرات والمسكرات والتدخين، التدخين بوابة إن ولجتها فستقودك إلى ما هو أسوأ، وسيأخذ التدخين من رصيدك الصحي ما أنت بحاجة إليه في قادم الأيام. تجنب الشواذ وبائعات الهوى فهؤلاء يبيعونك المرض والمعاصي والشقاء.

عليك أن تحترم أنظمتهم وأن تكون خير سفير لدينك ووطنك، واعلم أنهم لن يصدقوك إلا إذا اتفقت أقوالك مع أفعالك، وتذكر أن الدين المعاملة، وتذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن) والناس تعني الجميع.

حاول أن تترك بعض ما اكتسبته من ثقافتك الماضية خلفك، وخصوصاً التفرقة المقيته والتعصب مهما كان مصدرهما، سواء كانا قبلية أو مناطقية أو فئوية، وإياك أن تنقل معك معاركنا مع طواحين الهواء التي لا فائدة منها.

استمتع بالفن الرفيع، ومارس الرياضة في الهواء الطلق، وابتعد عن تجمعات شباب دول العالم النامي إلا في المناسبات العامة، لأن أكثرها للأسف ضياع وقت وجهد ومال، وإن أتيح لك أن تسكن لدى عائلة فلا تتردد، وخصوصاً في الأشهر الأولى لوصولك فهي الأسرع لتعلم لغة البلد وثقافته.

أعلم أنك تحمل هموما كثيرة، لكن أكثرها سيصبح جزءاً من الذكريات، ولا تخشَ البطالة بعد عودتك طالما أنك تبذل الجهد وتسعى للتفوق، بل قد تكون سبباً في خلق عشرات أو مئات الوظائف لك ولغيرك من الشباب، التحدي من أجمل ما في الحياة.

حينما تبتعث الدول أبناءها وبناتها إلى الدول المتقدمة، فإنها تطمح إلى تلاقح العقول والأفكار، وإلى الاستفادة مما لديهم من عناصر القوة، فهل ستؤدي الأمانة وتصعد بوطنك إلى مصاف الدول المتقدمة؟ أم تبقى بلادك ضمن الدول النامية إلى أن يشاء الله؟

ليكن طموحك بحجم مساحة وطنك، وأحلامك عالية بعلو منزلته.